العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد قرار انسحاب التيار الصدري؟

بقلم: فاروق يوسف {

الأحد ١٩ يونيو ٢٠٢٢ - 02:00

حين‭ ‬حانت‭ ‬لحظة‭ ‬الحقيقة‭ ‬هرب‭ ‬زعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬وهو‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الفوضى‭ ‬هي‭ ‬البديل‭. ‬‮«‬ولكن‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬هرج‮»‬،‭ ‬يدخلها‭ ‬مَن‭ ‬يشاء‭ ‬ويخرج‭ ‬منها‭ ‬حين‭ ‬يشاء‮»‬‭ ‬سيُقال‭ ‬ذلك‭ ‬صحيح‭. ‬وصحيح‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬صناع‭ ‬تلك‭ ‬السوق‭ ‬هم‭ ‬مهرجون‭. ‬الفوضى‭ ‬إذا‭ ‬هي‭ ‬سمة‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الجديد‭ ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬سيضيفه‭ ‬الصدر‭ ‬بقراره‭ ‬الصدامي‭ ‬الصادم،‭ ‬الهازم‭ ‬والمهزوم،‭ ‬الحائر‭ ‬والمحير؟

سيكون‭ ‬الأمر‭ ‬مختلفا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭. ‬لقد‭ ‬عاد‭ ‬الصدر‭ ‬إلى‭ ‬قواعده‭. ‬سيكون‭ ‬قائدا‭ ‬بطريقة‭ ‬تذكر‭ ‬به‭ ‬زعيم‭ ‬ميليشيا‭ ‬مغامرا‭ ‬بحشود‭ ‬الفقراء‭ ‬الذين‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬شيء‭ ‬ولو‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬مطالبهم‭ ‬المتواضعة‭. ‬سيقودهم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬جحيم‭ ‬مظلوميته،‭ ‬باعتباره‭ ‬البطل‭ ‬الأسطوري‭ ‬الذي‭ ‬تآمر‭ ‬عليه‭ ‬الجميع‭ ‬داخل‭ ‬العراق‭ ‬وخارجه‭. ‬الضحية‭ ‬النموذجية‭ ‬التي‭ ‬يليق‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تدخل‭ ‬إلى‭ ‬السرديات‭ ‬البكائية‭ ‬العراقية‭. ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬اليتيم‭ ‬الذي‭ ‬طرده‭ ‬اللئام‭ ‬من‭ ‬مائدتهم‭. ‬سيكون‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصدق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقوله‭ ‬المغلوبون‭ ‬بجهلهم‭. ‬كيف‭ ‬لا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭ ‬وهم‭ ‬الشعب‭. ‬شعب‭ ‬مقتدى‭ ‬الذي‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬حساب‭ ‬مع‭ ‬الطغمة‭ ‬الحاكمة‭ ‬التي‭ ‬قررت‭ ‬ألا‭ ‬تسمح‭ ‬لزعيمها‭ ‬بالإصلاح‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد‭. ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نصغي‭ ‬لرواية‭ ‬أخرى‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬كوكب‭ ‬آخر‭.‬

سيلقي‭ ‬مقتدى‭ ‬أسباب‭ ‬فشله‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬وعلينا‭ ‬أن‭ ‬نصدقه‭.‬

لقد‭ ‬ظل‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬وهبه‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬فوزا‭ ‬سهلا‭ ‬على‭ ‬خصومه‭. ‬قام‭ ‬الشعب‭ ‬بالدور‭ ‬المطلوب‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬وكان‭ ‬على‭ ‬مقتدى‭ ‬أن‭ ‬يكمل‭ ‬الحرب‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يُعلن‭ ‬الأسباب‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬ساحة‭ ‬القتال‭ ‬مكتفيا‭ ‬بالطلب‭ ‬من‭ ‬نوابه‭ ‬الاستقالة‭ ‬والبدء‭ ‬بإجراءات‭ ‬التقاعد‭ ‬باعتبارهم‭ ‬نوابا‭ ‬سابقين‭.‬

لو‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬قام‭ ‬بما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الصدر‭ ‬لاتهمه‭ ‬حزبه‭ ‬بالجنون‭ ‬ولتم‭ ‬عزله‭ ‬وإبعاده‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والعامة‭ ‬ولكن‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬العراق‭ ‬تجري‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬ولا‭ ‬تصلح‭ ‬للمقارنة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الصدر‭ ‬وسواه‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬مطمئنين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬إمكانه‭ ‬أن‭ ‬يعرضهم‭ ‬للمساءلة‭. ‬فالصدر‭ ‬خط‭ ‬أحمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختراقه‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬إمكان‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬في‭ ‬إمكانه‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬مفاجآت‭ ‬يحار‭ ‬بها‭ ‬أعداؤه‭ ‬قبل‭ ‬أصدقائه‭ ‬الذين‭ ‬يخفون‭ ‬وجوههم‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬يُسألوا‭ ‬عن‭ ‬تفسير‭ ‬عقلي‭ ‬لتصرفاته‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يوضع‭ ‬تحت‭ ‬رعاية‭ ‬خاصة‭.‬

سيُقال‭ ‬إن‭ ‬الرجل‭ ‬لم‭ ‬يقو‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الإيرانية‭ ‬فقرر‭ ‬الانتحار‭ ‬سياسيا‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الجوقة‭ ‬الإيرانية‭. ‬ذلك‭ ‬مقبول‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬أبقى‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬المنتخب‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬وابتعد‭ ‬بنفسه‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭. ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬أصبح‭ ‬معارضا‭ ‬بنوابه‭ ‬الذين‭ ‬سيصيرون‭ ‬قوة‭ ‬تشريعية‭ ‬ضاغطة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفساد‭. ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬هرب‭ ‬بطريقة‭ ‬مؤسفة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬مناصريه‭. ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أوهمهم‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬البدء‭ ‬ببناء‭ ‬دولة‭ ‬عراق‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإصلاح‭ ‬ومحاربة‭ ‬الفساد‭. ‬والأسوأ‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬ذلك‭ ‬الهروب‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬انسحاب‭ ‬قريبه‭ ‬محمد‭ ‬جعفر‭ ‬الصدر‭ ‬من‭ ‬الترشيح‭ ‬إلى‭ ‬رئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الحفلة‭ ‬العائلية‭ ‬قد‭ ‬ألغيت‭.‬

الصدر‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬ليس‭ ‬رجلا‭ ‬سياسيا‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬رجلا‭ ‬دينيا‭.‬

تلك‭ ‬مشكلة‭ ‬سيدفع‭ ‬العراق‭ ‬ثمنها‭. ‬ليست‭ ‬تكلفتها‭ ‬قليلة‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أخذنا‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬الصدر‭ ‬قد‭ ‬طوى‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الشعبي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وصوله‭ ‬منتصرا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬إمكانها‭ ‬أن‭ ‬تعين‭ ‬رئيسا‭ ‬للحكومة‭ ‬وللدولة‭. ‬كانت‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تمثل‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬إخراج‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬النفق‭ ‬المظلم‭ ‬الذي‭ ‬سقط‭ ‬فيه‭ ‬بعد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأميركي‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬ثقة‭ ‬القلة‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬التي‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬محلها‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬خيار‭ ‬آخر؟‭ ‬أبدا‭. ‬أما‭ ‬الصدر‭ ‬وأما‭ ‬خصومه‭ ‬وهم‭ ‬أتباع‭ ‬إيران‭ ‬الذين‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنهم‭ ‬يديرون‭ ‬ماكينة‭ ‬الفساد‭ ‬وهم‭ ‬زعماء‭ ‬الدولة‭ ‬السرية‭ ‬التي‭ ‬فضلت‭ ‬أن‭ ‬تبقي‭ ‬الصدر‭ ‬يدير‭ ‬دولته‭ ‬خارجها‭.‬

الآن‭ ‬وقد‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬الصدر،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬معنى‭ ‬الفوضى‭ ‬الذي‭ ‬سيؤدي‭ ‬إليها‭ ‬قرار‭ ‬الصدر‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬بطريقة‭ ‬غامضة‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬أسباب‭ ‬معلنة‭.‬

لو‭ ‬كان‭ ‬الصدر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬دولة‭ ‬لكان‭ ‬انسحابه‭ ‬مريحا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكتلة‭ ‬التابعة‭ ‬لإيران،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬أمل‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭. ‬فالصدر‭ ‬الذي‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬نجاحه‭ ‬سيكون‭ ‬ناجحا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬فشله‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬حكومة‭ ‬سيتم‭ ‬تشكيلها‭ ‬لن‭ ‬تقاوم‭ ‬كثيرا‭.‬

تلك‭ ‬هي‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬ينتظرها‭.‬

{ كاتب‭ ‬عراقي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news