العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

العرب.. الأمة المختارة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٩ يونيو ٢٠٢٢ - 02:00

حين‭ ‬اختار‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬المعجزة‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬جعل‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬نزل‭ ‬بها‭ ‬الوحي‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ومعجزة‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬على‭ ‬خلاف‭ ‬المعجزات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬جعلها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬آيات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الرسل‭ ‬الكرام‭ ‬في‭ ‬بلاغهم‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬فكانت‭ ‬هذه‭ ‬المعجزات‭ ‬مادية‭ ‬كتحويل‭ ‬العصا‭ ‬إلى‭ ‬حية،‭ ‬وشق‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام،‭ ‬وكإحياء‭ ‬الموتى‭ ‬بإذن‭ ‬الله،‭ ‬وإبراء‭ ‬الأكمه‭ ‬والأبرص‭ ‬والأعمى‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬نبي‭ ‬الله‭ ‬عيسى‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المعجزات‭ ‬أنها‭ ‬مادية،‭ ‬وموقوتة‭ ‬بأزمنة‭ ‬خاصة،‭ ‬وأمكنة‭ ‬محددة،‭ ‬وأنه‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كتاب‭ ‬الإسلام‭ ‬الخالد،‭ ‬ومعجزته‭ ‬الباقية،‭ ‬لما‭ ‬علم‭ ‬بها‭ ‬الناس‭ ‬وحتى‭ ‬أهل‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى‭.‬

حين‭ ‬اختار‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وعاءً‭ ‬لوحيه‭ ‬الذي‭ ‬أنزله‭ ‬على‭ ‬خاتم‭ ‬رسله‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬للعرب‭ ‬كأمة‭ ‬مختارة‭ ‬ناطقة‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭.‬

إذن‭ ‬فالأمة‭ ‬العربية‭ ‬هي‭ ‬الأمة‭ ‬المصطفاة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬لتكون‭ ‬الأمة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬الرسالة‭ ‬الخاتمة،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬الإسلام،‭ ‬وتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬البلاغ‭ ‬عن‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬المبلغ‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بواسطة‭ ‬أمين‭ ‬الوحي‭ ‬جبريل‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭)‬،‭ ‬وبهذا‭ ‬صارت‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لغة‭ ‬خالدة‭ ‬خلود‭ ‬القرآن‭ (‬المعجزة‭)‬،‭ ‬لهذا‭ ‬باءت‭ ‬جميع‭ ‬المحاولات‭ ‬التي‭ ‬بذلها‭ ‬خصوم‭ ‬الإسلام‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬النيل‭ ‬منها،‭ ‬أو‭ ‬تغييبها‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬المسلمين‭.‬

إذن‭ ‬فالأمة‭ ‬بنص‭ ‬القرآن‭ ‬أمة‭ ‬مختارة،‭ ‬وأن‭ ‬وحدتها‭ ‬من‭ ‬توحيدها،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إن‭ ‬هذه‭ ‬أمتكم‭ ‬أمة‭ ‬واحدة‭ ‬وأنا‭ ‬ربكم‭ ‬فاعبدون‮»‬‭ (‬الأنبياء‭: ‬92‭). ‬وأنه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬حين‭ ‬اختار‭ ‬لغتها‭ ‬العربية‭ ‬لكتابه‭ ‬الكريم‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬اصطفاء‭ ‬للأمة‭ ‬الناطقة‭ ‬باللسان‭ ‬العربي‭ ‬المبين،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وكذلك‭ ‬أنزلناه‭ ‬قرآنًا‭ ‬عربيًا‭ ‬وصرفنا‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الوعيد‭ ‬لعلهم‭ ‬يتقون‭ ‬أو‭ ‬يحدث‭ ‬لهم‭ ‬ذكرا‮»‬‭ (‬طه‭: ‬113‭). ‬وقال‭ ‬كذلك‭: ‬‮«‬إنَّا‭ ‬أنزلناه‭ ‬قرآنًا‭ ‬عربيًا‭ ‬لعلكم‭ ‬تعقلون‮»‬‭ (‬يوسف‭: ‬2‭)‬،‭ ‬وتأكيدًا‭ ‬لهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ولهذا‭ ‬الاختيار‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬كنتم‭ ‬خير‭ ‬أمة‭ ‬أخرجت‭ ‬للناس‭ ‬تأمرون‭ ‬بالمعروف‭ ‬وتنهون‭ ‬عن‭ ‬المنكر‭ ‬وتؤمنون‭ ‬بالله‮»‬‭ (‬آل‭ ‬عمران‭: ‬110‭). ‬وللأمة‭ ‬دور‭ ‬بارز‭ ‬وواضح‭ ‬في‭ ‬استحقاقها‭ ‬لهذا‭ ‬الاصطفاء،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عليها‭ ‬واجبا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬به،‭ ‬وتتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬بين‭ ‬الأمم،‭ ‬وأن‭ ‬هذا‭ ‬تكليف‭ ‬وليس‭ ‬تشريفا‭ ‬اختار‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬العرب‭ ‬للقيام‭ ‬به‭ ‬دون‭ ‬باقي‭ ‬الأمم،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وقالوا‭ ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬الذي‭ ‬هدانا‭ ‬لهذا‭ ‬وما‭ ‬كنا‭ ‬لنهتدي‭ ‬لولا‭ ‬أن‭ ‬هدانا‭ ‬الله‭ ‬لقد‭ ‬جاءت‭ ‬رسل‭ ‬ربنا‭ ‬بالحق‭ ‬ونودوا‭ ‬أن‭ ‬تلكم‭ ‬الجنة‭ ‬أورثتموها‭ ‬بما‭ ‬كنتم‭ ‬تعملون‮»‬‭ (‬الأعراف‭: ‬43‭).‬

هذا‭ ‬الإرث‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬ورثته‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬لتكون‭ ‬الأمة‭ ‬المصطفاة‭ ‬والمختارة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬نالته‭ ‬بالعمل‭ ‬والكفاح،‭ ‬وتحمل‭ ‬أعباء‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬قوله‭ ‬سبحانه‭ ‬في‭ ‬ختام‭ ‬الآية‭ (‬43‭) ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الأعراف‭: ‬‮«‬أورثتموها‭ ‬بما‭ ‬كنتم‭ ‬تعملون‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬بما‭ ‬كنتم‭ ‬تعلمون‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬ندرك‭ ‬عظمة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة،‭ ‬وتميزها‭ ‬على‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬أهلًا‭ ‬لهذا‭ ‬التكليف،‭ ‬وهو‭ ‬تحمل‭ ‬عبء‭ ‬الرسالة‭ ‬الخاتمة‭ (‬الخالدة‭)‬،‭ ‬وأن‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬كاهلها‭ ‬مهمة‭ ‬البلاغ‭ ‬عن‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬الذي‭ ‬تحمل‭ ‬بدوره‭ ‬البلاغ‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بواسطة‭ ‬أمين‭ ‬الوحي‭ ‬جبريل‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭)‬،‭ ‬وتيسيرًا‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة‭ ‬الشاقة‭ ‬على‭ ‬الأمة‭ ‬تعهد‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لها‭ ‬بحفظ‭ ‬أصل‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إنَّا‭ ‬نحن‭ ‬نزلنا‭ ‬الذكر‭ ‬وإنا‭ ‬له‭ ‬لحافظون‮»‬‭ (‬الحجر‭: ‬9‭)‬،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬سبحانه‭ ‬تعهد‭ ‬بتوفير‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬حفظ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬أو‭ ‬التحريف‭ ‬بالزيادة‭ ‬والنقصان،‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإنه‭ ‬لكتاب‭ ‬عزيز‭(‬41‭) ‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬تنزيل‭ ‬من‭ ‬حكيم‭ ‬حميد‭(‬42‭)‬‮»‬‭ ‬فصلت‭.‬

أيضًا‭ ‬وعد‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بإظهار‭ ‬هذا‭ ‬الدين‭ -‬أي‭ ‬الإسلام‭- ‬على‭ ‬الدين‭ ‬كله،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬هو‭ ‬الذي‭ ‬أرسل‭ ‬رسوله‭ ‬بالهدى‭ ‬ودين‭ ‬الحق‭ ‬ليظهره‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬كله‭ ‬ولو‭ ‬كره‭ ‬المشركون‮»‬‭ (‬التوبة‭: ‬33‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬خلود‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬صلة‭ ‬بهذا‭ ‬الدين،‭ ‬خلودا‭ ‬للمعجزة،‭ ‬وخلودا‭ ‬للغة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬المعجزة،‭ ‬وخلودا‭ ‬للأمة‭ ‬التي‭ ‬اصطفاها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬لتحمل‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬البشرية،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬الإسلام،‭ ‬وواقع‭ ‬المسلمين‭ ‬يصدق‭ ‬هذا،‭ ‬ويؤكده،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬يغزو‭ ‬العالم‭ ‬كله،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬صوت‭ ‬المؤذن‭ ‬يرتفع‭ ‬في‭ ‬عنان‭ ‬الفضاء‭ ‬مرددًا‭ ‬كلمة‭ ‬التوحيد،‭ ‬وناشرًا‭ ‬عطر‭ ‬العقيدة‭ ‬الصافية‭ ‬في‭ ‬سماوات‭ ‬المعمورة،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬المآذن‭ ‬تعلو‭ ‬هاماتها‭ ‬في‭ ‬الفضاء،‭ ‬ويتردد‭ ‬فيها‭ ‬اسم‭ ‬نبي‭ ‬الإسلام‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬سلم‭)‬،‭ ‬وصدق‭ ‬الله‭ ‬العظيم‭: ‬‮«‬ألم‭ ‬نشرح‭ ‬لك‭ ‬صدرك‭(‬1‭) ‬ووضعنا‭ ‬عنك‭ ‬وزرك‭(‬2‭) ‬الذي‭ ‬أنقض‭ ‬ظهرك‭(‬3‭) ‬ورفعنا‭ ‬لك‭ ‬ذكرك‭(‬4‭)‬‮»‬‭ ‬الشرح‭. ‬لقد‭ ‬تحقق‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬ولَم‭ ‬يتحقق‭ ‬لسواه‭ ‬من‭ ‬الأنبياء‭ (‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬وسلامه‭ ‬عليهم‭) ‬وها‭ ‬هو‭ ‬اسمه‭ ‬يغزو‭ ‬الفضاء،‭ ‬ويحتل‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يستحقها‭ ‬عند‭ ‬مولاه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬تحقيقًا‭ ‬لقوله‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬ورفعنا‭ ‬لك‭ ‬ذكرك‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الشرح‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news