العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٩ - الثلاثاء ٠٩ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١١ محرّم ١٤٤٤هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

ازدواجية الحكومة البريطانية في ترحيل اللاجئين.. و«أسانج»

حريةُ‭ ‬الصحافةِ‭ ‬والعدالة‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬والمرأة،‭ ‬والتسامح‭ ‬الديني‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشعاراتِ‭ ‬التي‭ ‬ترفعها‭ ‬الدولُ‭ ‬الغربيَّةُ‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬دولاً‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬أفريقية‭ ‬أو‭ ‬آسيوية‭ ‬أو‭ ‬لاتينية،‭ ‬هي‭ ‬شعاراتٌ‭ ‬يقصد‭ ‬منها‭ ‬الابتزاز‭ ‬السياسي‭ ‬لحكومات‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬تطبق‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬حين‭ ‬تستدعي‭ ‬مصالحها‭ ‬كسر‭ ‬هذه‭ ‬الحقوق‭ ‬والشعارات‭ ‬فإنها‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تردد‭!‬

حدث‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬واجهت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬المحافظة‭ ‬برئاسة‭ (‬بوريس‭ ‬جونسون‭) ‬المصممة‭ ‬على‭ ‬ترحيل‭ ‬المهاجرين‭ ‬المتسللين‭ ‬إلى‭ ‬أراضي‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ (‬رواندا‭) ‬احتجاجات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬بريطانيا‭ ‬وخارجها،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ (‬المحكمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭)‬،‭ ‬وكانت‭ ‬السلطات‭ ‬البريطانية‭ ‬تنوي‭ (‬ولا‭ ‬تزال‭) ‬ترحيل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬130‭ ‬من‭ ‬إيرانيين‭ ‬وعراقيين‭ ‬وألبان‭ ‬وسوريين‭ ‬إلى‭ (‬رواندا‭) ‬الدولة‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬6‭ ‬آلاف‭ ‬كيلو‭ ‬متر‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬أفريقيا،‭ ‬بهدف‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬توافد‭ ‬طالبي‭ ‬اللجوء‭ ‬في‭ ‬رحلات‭ ‬خطيرة‭ ‬عبر‭ ‬بحر‭ ‬المانش‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬بريطانيا‭ ‬عن‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تعليق‭ ‬الرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬‮«‬المحكمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مصرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخططها‭ ‬في‭ ‬إبعاد‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ (‬رواندا‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬وزيرة‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية‭ (‬بريتي‭ ‬باتيل‭) ‬عبرت‭ ‬عن‭ ‬خيبة‭ ‬أملها،‭ ‬وقالت‭: (‬من‭ ‬المفاجئ‭ ‬جداً‭ ‬أن‭ ‬تتدخل‭ ‬المحكمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تثبط‭ ‬عزيمتنا‭ ‬عن‭ ‬فعل‭ ‬الصواب،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬خططنا‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬بلادنا‭)!‬

إذن‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمصلحة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬تضرب‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬بعرض‭ ‬الحائط‭ ‬كل‭ ‬المبادئ‭ ‬والشعارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وتتصرف‭ ‬مع‭ ‬اللاجئين‭ ‬العابرين‭ ‬لبحر‭ ‬المانش،‭ ‬والذين‭ ‬هم‭ ‬ضحايا‭ ‬لتجار‭ ‬التهريب،‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬عبيدا‭ ‬أفارقة‭ ‬تعيدهم‭ ‬إلى‭ ‬القارة‭ ‬السوداء‭!! ‬ولو‭ ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬قبل‭ ‬قرنين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬لتم‭ ‬بيع‭ ‬هؤلاء‭ ‬اللاجئين‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العبيد‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬البريطانية،‭ ‬ولكن‭ ‬حكومة‭ (‬جونسون‭) ‬تتصرف‭ ‬حالياً‭ ‬بشكل‭ (‬حضاري‭) ‬وتركلهم‭ ‬نحو‭ (‬رواندا‭) ‬الأفريقية‭!!‬

المثال‭ ‬الآخر‭ ‬يأتي‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬بريطانيا،‭ ‬حيث‭ ‬ذكرت‭ ‬وكالة‭ (‬فرانس‭ ‬برس‭) ‬منذ‭ ‬يومين‭ (‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية‭ ‬أعلنت‭ ‬أن‭ ‬الوزيرة‭ (‬بريتي‭ ‬باتيل‭) ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تسليمها‭ (‬جوليان‭ ‬أسانج‭) ‬مؤسس‭ ‬موقع‭ (‬ويكيليكس‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬تلاحقه‭ (‬واشنطن‭) ‬بتهمة‭ ‬نشر‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الوثائق‭ ‬السرية‭ ‬المسربة‭ ‬وقال‭ ‬الموقع‭ ‬بعد‭ ‬الإعلان‭: ‬‮«‬إنه‭ ‬يوم‭ ‬مظلم‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬وللديمقراطية‭ ‬البريطانية‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يطالب‭ ‬القضاء‭ ‬الأمريكي‭ ‬بتسليم‭ (‬أسانج‭) ‬لمحاكمته‭ ‬بتهمة‭ ‬نشره‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬2010‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬ألف‭ ‬وثيقة‭ ‬سرية‭ ‬عن‭ ‬أنشطة‭ ‬عسكرية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬أمريكية،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬بعد‭ ‬مواجهة‭ ‬قانونية‭ ‬طويلة‭ ‬شهدت‭ ‬تطورات‭ ‬كبيرة،‭ ‬سمح‭ ‬القضاء‭ ‬البريطاني‭ ‬رسمياً‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬بتسليم‭ (‬أسانج‭) ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬ترك‭ ‬لوزيرة‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية‭ (‬بريتي‭ ‬باتيل‭) ‬للتوقيع‭ ‬على‭ ‬مرسوم‭ ‬التسليم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي‭)!!‬

لاحظوا‭ ‬المفارقة‭ ‬إن‭ ‬الوزيرة‭ ‬البريطانية‭ (‬باتيل‭) ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬هاجمت‭ (‬المحكمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭) ‬حين‭ ‬عطلت‭ ‬ترحيل‭ ‬اللاجئين‭ ‬إلى‭ (‬رواندا‭)‬،‭ ‬واصفة‭ ‬ذلك‭ ‬بالتدخل‭ ‬السافر‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية،‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬القضاء‭ ‬البريطاني‭! ‬وفي‭ ‬موضوع‭ ‬تسليم‭ (‬أسانج‭) ‬إلى‭ ‬أمريكيا‭ ‬لم‭ ‬تقل‭ ‬الوزيرة‭ ‬البريطانية‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬حكومة‭ (‬جونسون‭) ‬في‭ ‬لندن‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية‭ ‬بمطالبتها‭ ‬تسليمها‭ ‬الصحفي‭ (‬جوليان‭ ‬أسانج‭)!!‬

وهو‭ ‬مواطن‭ ‬أسترالي،‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يُسلم‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬بلاده‭ ‬أستراليا،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة‭ ‬الأمريكية‭!!‬

وقالت‭ (‬أنييس‭ ‬كالامار‭) ‬الأمينة‭ ‬العامة‭ ‬لمنظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭: (‬إن‭ ‬تسليم‭ ‬جوليان‭ ‬أسانج‭ ‬قد‭ ‬يعرضه‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬كبير،‭ ‬ويوجه‭ ‬رسالة‭ ‬مخيفة‭ ‬إلى‭ ‬الصحفيين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭).. ‬وقد‭ ‬يواجه‭ ‬أسانج‭ ‬حكماً‭ ‬بالسجن‭ ‬لمدة‭ ‬175‭ ‬عاماً‭ ‬كما‭ ‬ناشدت‭ ‬زوجته،‭ ‬وهي‭ ‬محامية‭ ‬من‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬في‭ ‬الثلاثينيات‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬وزيرة‭ ‬الداخلية‭ ‬البريطانية‭ ‬منع‭ ‬تسليمه،‭ ‬وطالبت‭ ‬بوضع‭ ‬حد‭ ‬لما‭ ‬تعتبره‭ ‬‮«‬قضية‭ ‬سياسية‮»‬‭.. ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ (‬بريطانيا‭) ‬يهتم‭ ‬بحرية‭ ‬التعبير‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالخجل‭ ‬الشديد‭ ‬لأن‭ ‬وزيرة‭ ‬الداخلية‭ (‬باتيل‭) ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬تسليم‭ ‬أسانج‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تآمرت‭ ‬لاغتياله‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬‭ ‬وأضافت‭: (‬إن‭ ‬جوليان‭ ‬لم‭ ‬يرتكب‭ ‬أي‭ ‬خطأ،‭ ‬لم‭ ‬يرتكب‭ ‬أي‭ ‬جريمة،‭ ‬وليس‭ ‬مجرماً‭.. ‬إنه‭ ‬صحفي‭ ‬وناشر،‭ ‬ويعاقب‭ ‬على‭ ‬قيامه‭ ‬بعمله‭).‬

لاحظوا‭ ‬كيف‭ ‬تصرفت‭ ‬حكومات‭ ‬أمريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬والسويد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تطالب‭ ‬بمحاكمته‭ ‬في‭ ‬بلادها‭ ‬بتهمة‭ ‬ملفقة‭ ‬حول‭ ‬الاغتصاب‭ ‬المزعوم،‭ ‬وقد‭ ‬أسقطت‭ ‬الدعوة‭ ‬لاحقاً‭ ‬بحقه‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أستراليا‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ (‬أسانج‭) ‬لم‭ ‬تتدخل‭ ‬لحماية‭ ‬مواطنها،‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬محاكمته‭ ‬في‭ ‬بلادها‭!! ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬دول‭ ‬غربية‭ ‬ترفع‭ ‬شعارات‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬وحق‭ ‬التعبير‭ ‬والرأي‭ ‬وحق‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات‭!! ‬كلها‭ ‬ضربت‭ ‬بعرض‭ ‬الحائط‭ ‬هذه‭ ‬الشعارات‭ ‬ولم‭ ‬يهتز‭ ‬لهم‭ (‬رمش‭ ‬عين‭)!!‬

‮«‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬والتعبير‮»‬‭ ‬شعار‭ ‬يرفعونه‭ ‬في‭ ‬وجوهنا‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬وفي‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭.. ‬يرفعونه‭ ‬ليتدخلوا‭ ‬في‭ ‬شؤوننا‭ ‬الداخلية،‭ ‬ويتهمونا‭ ‬بالديكتاتورية‭!! ‬بالله‭ ‬عليكم‭ ‬ماذا‭ ‬تسمون‭ ‬تسليم‭ (‬أسانج‭) ‬المعرض‭ ‬للموت‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا؟‭!‬

والمفارقة‭ ‬العجيبة‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭ (‬أقامت‭ ‬الدنيا‭ ‬ولم‭ ‬تقعدها‭) ‬وشنت‭ ‬الحملات‭ ‬الصليبية‭ ‬الإعلامية‭ ‬والشتائم‭ ‬ضد‭ ‬الشقيقة‭ (‬السعودية‭) ‬في‭ ‬موضوع‭ (‬خاشقجي‭) ‬ولكنها‭ ‬صمتت‭ ‬صمت‭ ‬القبور‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ (‬جوليان‭ ‬أسانج‭)!! ‬عجبي‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news