العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

رفع العلم الفلسطيني.. رمزية سياسية وفعل مقاوم

بقلم: د. أسعد عبدالرحمن

السبت ١٨ يونيو ٢٠٢٢ - 02:00

في‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬عندما‭ ‬أصر‭ ‬البابا‭ ‬يوحنا‭ ‬بولس‭ ‬الثاني‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يبدأها‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬القاصد‭ ‬الرسولي‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬الصوانة،‭ ‬حاول‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلزام‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬برفع‭ ‬الأطفال‭ ‬المستقبلين‭ ‬للبابا‭ ‬وردة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فيصل‭ ‬الحسيني‭ ‬الذي‭ ‬مرت‭ ‬ذكراه‭ ‬العطرة‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬أعلنها‭ ‬صراحة‭: ‬‮«‬سنحمل‭ ‬العلم‭ ‬لا‭ ‬محالة،‭ ‬وعليكم‭ ‬أن‭ ‬تختاروا،‭ ‬فإما‭ ‬العلم‭ ‬وإما‭ ‬الحجر‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬أراد‭. ‬وكنت‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

لقد‭ ‬أضحى‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬رمزًا‭ ‬مرتبطا‭ ‬بمقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وبالانتماء‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬والتضحية‭ ‬في‭ ‬سبيله‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬علما‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬سياسية‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬لدولة‭. ‬اليوم،‭ ‬هناك‭ ‬حرب‭ ‬إسرائيلية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرفع‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القدس،‭ ‬علم‭ ‬يصر‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬تسميته‭ ‬‮«‬علم‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬‮«‬العلم‭ ‬الفلسطيني‮»‬،‭ ‬في‭ ‬محاولاته‭ ‬لإنكار‭ ‬وجود‭ ‬شعب‭ ‬فلسطيني‭ ‬صاحب‭ ‬ذاكرة‭ ‬تاريخية‭.‬

العلم‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬مخيفا،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬موجة‭ ‬الغضب‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬الدولة‭ ‬الصهيونية‭ ‬عندما‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أثناء‭ ‬المظاهرات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الإسرائيلية؟‭!! ‬لماذا‭ ‬أخافهم‭ ‬رفع‭ ‬العلم؟‭ ‬ولماذا‭ ‬اعتبروا‭ ‬العلم‭ ‬تهديدا‭ ‬وجوديا؟‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬اللجنة‭ ‬الوزارية‭ ‬لسن‭ ‬القوانين‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬إعطاء‭ ‬حرية‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬اقتراح‭ ‬قانون‭ ‬قدّمه‭ ‬عضو‭ ‬الكنيست‭ (‬إيلي‭ ‬كوهين‭) ‬‮«‬ليكود‮»‬‭ ‬‮«‬يمنع‭ ‬رفع‭ ‬علم‭ ‬دولة‭ ‬معادية،‭ ‬أو‭ ‬علم‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬تموّلها‭ ‬أو‭ ‬تدعمها‭ ‬الدولة،‭ ‬ويشمل‭ ‬هذا‭ ‬الجامعات‮»‬‭.‬

إنه‭ ‬الخوف‭ ‬المغروس‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬من‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬منوط‭ ‬بإبادة‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وبتهجيره،‭ ‬وأن‭ ‬أي‭ ‬رمز‭ ‬لهذا‭ ‬الشعب‭ ‬هو‭ ‬إنكار‭ ‬لوجودهم‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ ‬الدكتور‭ (‬رائف‭ ‬زريق‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬أراضي‭ ‬48‭) ‬المحاضر‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬‮«‬كلية‭ ‬أونو‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬والباحث‭ ‬في‭ ‬‮«‬معهد‭ ‬فان‭ ‬لير‮»‬‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭: ‬‮«‬ما‭ ‬يجري‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬تحريض‭ ‬جامح،‭ ‬مَن‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬يعلم‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬سبب،‭ ‬لا‭ ‬للخوف‭ ‬ولا‭ ‬للقلق‭ (‬من‭ ‬العلم‭).. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬القلق‭ ‬موجوداً،‭ ‬فهو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬الذين‭ ‬يؤمنون‭ ‬بأن‭ ‬استمرار‭ ‬الوجود‭ ‬اليهودي‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬مشروط‭ ‬باختفاء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وانقراضه،‭ ‬ومَن‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬يحلوا‭ ‬محل‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ولا‭ ‬يريدون‭ ‬العيش‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‮»‬‭.‬

من‭ ‬جانبها،‭ ‬كتبت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬هآرتس‮»‬‭ ‬في‭ ‬افتتاحيتها‭: ‬‮«‬تدل‭ ‬العلاقة‭ ‬العدائية‭ ‬حيال‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬من‭ ‬التطرف‭ ‬يمرّ‭ ‬به‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬مجتمع‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التسامح‭ ‬برفع‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬فيه‭ ‬ذلك،‭ ‬سواء‭ ‬أكان‭ ‬خلال‭ ‬جنازة‭ ‬الصحفية‭ ‬التي‭ ‬قُتلت‭ ‬خلال‭ ‬تغطيتها‭ ‬ظلم‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬جنود‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬اعتصام‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬النكبة‭ ‬أُقيم‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬بن‭-‬غوريون‭ ‬في‭ ‬النقب،‭ ‬في‭ ‬بئر‭ ‬السبع‮»‬‭. ‬وتضيف‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬بالعلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬يذكّر‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بخطيئة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬ينكرونه‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هو‭ ‬يشكل‭ ‬رداً‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬الاعتراف‭ (‬الصهيوني‭) ‬بالهوية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‮»‬‭. ‬أو‭ ‬هو‭ ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬النائب‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬أحمد‭ ‬الطيبي‭: ‬‮«‬هناك‭ ‬مرض‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬فوبيا‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‮»‬‭ ‬هو‭ ‬مرض‭ ‬صعب‭ ‬المصاب‭ ‬به‭ ‬يجن‭ ‬جنونه‮»‬‭.‬

رفع‭ ‬العلم‭ ‬الفلسطيني‭ ‬احتجاج‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وخطوة‭ ‬رمزية‭ ‬مهمة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ينكر‭ ‬وجود‭ ‬قضية‭ ‬فلسطينية‭ ‬ووجود‭ ‬شعب‭ ‬فلسطيني‭. ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية‭ ‬ليست‭ ‬أقل‭ ‬أهمية‭ ‬هو‭ ‬فعل‭ ‬سياسي‭ ‬تحرري‭ ‬مقاوم‭ ‬يستعيد‭ ‬خلاله‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬أينما‭ ‬كانوا‭ ‬إرادتهم‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬السعي‭ ‬الصهيوني‭ ‬المستمر‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬الهوية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الجامعة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news