العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الإساءة للأديان نهج خطير ومرفوض

ما‭ ‬أن‭ ‬انخفض،‭ ‬ولم‭ ‬يتلاش‭ ‬بالطبع،‭ ‬غبار‭ ‬الزوبعة‭ ‬التي‭ ‬أثارها‭ ‬إقدام‭ ‬الدنماركي‭ ‬السويدي‭ ‬راسموس‭ ‬بالودان،‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬سترام‭ ‬كوكس‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬الصلب‮»‬‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف،‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أنصاره‭ ‬على‭ ‬حرق‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وتداعيات‭ ‬تلك‭ ‬الضجة‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬فيها‭ ‬مجلة‭ (‬شارلي‭ ‬إيبدو‭)‬،‭ ‬الفرنسية‭ ‬الساخرة‭ ‬بنشرها‭ ‬رسوما‭ ‬مسيئة‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬نشرها،‭ ‬وهي‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬غضبا‭ ‬واسعا‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬تأتي‭ ‬المتحدثة‭ ‬باسم‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬بهاراتيا‭ ‬جاناتا‮»‬‭ ‬الحاكم‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬لتنشر‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬تغريدة‭ ‬على‭ ‬حسابها‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬‮«‬تويتر‮»‬‭ ‬تسيء‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام،‭ ‬مع‭ ‬علمها‭ ‬بأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬المسيء‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬وللرموز‭ ‬الدينية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬ضجة‭ ‬واحتجاجات‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬الى‭ ‬انعكاسات‭ ‬خطيرة‭.‬

في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬الهند‭ ‬حيث‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية‭ ‬والعرقية‭ ‬تشوبها‭ ‬بعض‭ ‬التعقيدات‭ ‬وتتعرض‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬لمناوشات،‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الصدامات‭ ‬الدموية،‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الهش‭ ‬فإن‭ ‬الساحة‭ ‬الهندية‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬المتطرفة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬التشنجات‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأقليات‭ ‬الدينية‭ ‬المسلمة‭ ‬والهندوسية‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرام‭ ‬وسبق‭ ‬أن‭ ‬وقعت‭ ‬صدامات‭ ‬عنيفة‭ ‬لأسباب‭ ‬دينية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الإساءة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬‮«‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‮»‬‭ ‬تمثل‭ ‬صبا‭ ‬للزيت‭ ‬على‭ ‬جمر‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الزلات‮»‬‭ ‬الخطيرة‭ ‬لا‭ ‬تخدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬التسامح‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬الهندي‭.‬

ردة‭ ‬الفعل‭ ‬الرسمية‭ ‬والشعبية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬مؤسسات‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬ومؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬كانت‭ ‬متوقعة‭ ‬ومبررة‭ ‬كذلك،‭ ‬لكنها‭ ‬اتسمت‭ ‬بالهدوء‭ ‬والعقلانية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬ففي‭ ‬الوقت‭  ‬الذي‭ ‬شددت‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬الرفض‭ ‬التام،‭ ‬والإدانة‭ ‬لأي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬اشكال‭ ‬الإساءة‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬ورموزه‭ ‬المقدسة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬أكدت‭ ‬على‭ ‬رفضها‭ ‬الإساءة‭ ‬لأي‭ ‬معتقد‭ ‬من‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬الأخرى،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أن‭ ‬رفض‭ ‬الإساءة‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬ورموزه،‭ ‬يتطلب‭ ‬أيضا‭ ‬رفض‭ ‬الإساءة‭ ‬للأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬ورموزها،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يترجم‭  ‬عمليا‭ ‬وفعليا‭ ‬سمة‭  ‬التسامح‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬الجميع‭.‬

ما‭ ‬شكل،‭ ‬ربما‭ ‬‮«‬مفاجأة‮»‬،‭ ‬بالنسبة‭ ‬للبعض‭ ‬أن‭ ‬الإساءة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للنبي‭ ‬محمد‭ ‬عليه‭ ‬الصلاة‭ ‬والسلام‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬مسئول‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬يحكم‭ ‬دولة‭ ‬تعتبر‭ ‬تاريخيا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الصديقة‭ ‬والقريبة‭ ‬جدا‭ ‬لجميع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية‭ ‬تقريبا،‭ ‬وتحتفظ‭ ‬بعلاقات‭ ‬واسعة‭ ‬وقديمة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهند‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬طائفة‭ ‬المسلمين‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬حيث‭ ‬يصل‭ ‬عدد‭ ‬أفرادها‭ ‬حسب‭ ‬آخر‭ ‬إحصائية‭ ‬سكانية‭ ‬إلى‭ ‬172‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬أي‭ ‬حوالي‭ ‬14‭,‬2‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬البالغ‭ ‬مليار‭ ‬و380‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬تعريض‭ ‬معتقدات‭ ‬هذه‭ ‬الطائفة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الهند‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أنها،‭ ‬أي‭ ‬الإساءة،‭ ‬تمس‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ملياري‭ ‬مسلم‭ ‬في‭ ‬كافة‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

مهما‭ ‬حاول‭ ‬البعض‭ ‬إرجاع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬والتصرفات‭ ‬الى‭ ‬أنها‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬وهي‭ ‬حرية‭ ‬مكفولة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التعليل‭ ‬مردود‭ ‬عليه،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬وممارسة‭ ‬الحرية‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الجماعية‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حرية‭ ‬ومعتقد‭ ‬الآخرين،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬الإساءة‭ ‬للأديان‭ ‬والرموز‭ ‬الدينية‭ ‬ذات‭ ‬المكانة‭ ‬المقدسة‭ ‬لدى‭ ‬الشعوب‭ ‬والملل،‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬وتؤثر‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتسيء‭ ‬للعلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأديان‭ ‬والطوائف‭ ‬والملل،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءات‭ ‬والتصرفات‭ ‬لن‭ ‬تزعزع‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬الأديان‭ ‬ورموزها‭ ‬لدى‭ ‬معتنقيها‭ ‬والمؤمنين‭ ‬بها‭.‬

مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءات‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬قيمة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬ثقافية‭ ‬أو‭ ‬معرفية،‭ ‬ولن‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬قناعات‭ ‬الناس‭ ‬بدينهم‭ ‬ومقدساتهم،‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬المسلمين‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬يعني‭ ‬معتنقي‭ ‬جميع‭ ‬الأديان،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التصرفات‭ ‬والأفعال‭ ‬التي‭ ‬أقدم‭ ‬عليها‭ ‬هؤلاء‭ ‬المتطرفون‭ ‬تجاه‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‭ ‬ورموزه،‭ ‬مرفوضة‭ ‬تماما‭ ‬وغير‭ ‬مقبولة‭ ‬وتعد‭ ‬إساءة‭ ‬صريحة‭ ‬لمئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الرفض‭ ‬ينسحب‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬اشكال‭ ‬الإساءة‭ ‬للأديان‭ ‬الأخرى‭ ‬ورموزها،‭ ‬فالموقف‭ ‬الصحيح‭ ‬هو‭ ‬رفض‭ ‬الإساءة‭ ‬والتعرض‭ ‬لمعتقدات‭ ‬الآخرين‭ ‬الدينية‭ ‬والمساس‭ ‬بمكانة‭ ‬رموزهم‭ ‬الدينية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news