العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الحروب والغزوات هي التي تهدد الاستقرار

بعد‭ ‬النجاح‭ ‬السياسي‭ ‬الجزئي‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشيطنة‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الأوروبية‭ ‬تحديدا‭ ‬بعد‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬رفعت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬حربها‭ ‬السياسية‭ ‬ضد‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬‮«‬خطرا‮»‬‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬أنتوني‭ ‬بلينكن‮ ‬مؤخرا‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الصين‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬لديها‭ ‬نية‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬كما‭ ‬لديها‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬للقيام‭ ‬بذلك،‭ ‬وأن‭ ‬رؤية‭ ‬بكين‭ ‬ستبعدنا‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬الكونية‭ ‬التي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬الاعوام‭ ‬الـ75‭ ‬الماضية‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬وصعود‭ ‬نجم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كأكبر‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

الأهداف‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬التصعيد‭ ‬ضد‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬واتهامها‭ ‬بتهديد‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ليست‭ ‬خفية‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬فالصين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬تعتبر‭ ‬هي‭ ‬التهديد‭ ‬الأول‭ ‬للهيمنة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬حيث‭ ‬كل‭ ‬المؤشرات‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬لإزاحة‭ ‬أمريكا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬الأول‭ ‬عالميا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تصاعد‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لقمة‭ ‬سائغة‭ ‬سهلة‭ ‬البلع‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واشنطن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أظهرته‭ ‬بكين‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وخاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقضية‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬فخا‭ ‬لاصطياد‭ ‬الصين‭ ‬عبر‭ ‬الخطوات‭ ‬الاستفزازية،‭ ‬ومنها‭ ‬تصريح‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬الأخير‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باستعداد‭ ‬بلاده‭ ‬للدفاع‭ ‬عسكريا‭ ‬عن‭ ‬الجزيرة‭.‬

المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭ ‬وانغ‭ ‬ونبين‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بكل‭ ‬وضوح‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬إن‭ ‬هدف‭ ‬الخطاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬كان‭ ‬احتواء‭ ‬نمو‭ ‬الصين‭ ‬ووقفه‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬وقوة‭ ‬الأمريكتين‮»‬،‭ ‬فهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬المراقبين‭ ‬لتوجهات‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وأهدافها،‭ ‬فواشنطن‭ ‬تعتبر‭ ‬أي‭ ‬قوة‭ ‬دولية‭ ‬تحمل‭ ‬نواة‭ ‬التحدي‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬للهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬مهددة‭ ‬للاستقرار‭ ‬العالمي‮»‬،‭ ‬فواشنطن‭ ‬تختزل‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬استقرارها‭ ‬وهيمنتها‭ ‬وتصرفاتها‭ ‬الشرطية‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬صوت‭ ‬يرتفع‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬يعتبر‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الأمريكان‭ ‬‮«‬مهددا‮»‬‭ ‬للاستقرار‭ ‬الدولي‭.‬

فالأهداف‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬تصوير‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قوة‭ ‬صاعدة‭ ‬‮«‬تهدد‮»‬‭ ‬الاستقرار‭ ‬العالمي،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مخفية‭ ‬على‭ ‬أحد،‭ ‬ثم‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يذكر‭ ‬ان‭ ‬الصين‭ ‬قامت‭ ‬بحروب‭ ‬خارجية‭ ‬ونفذت‭ ‬اعتداءات‭ ‬تدميرية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬أو‭ ‬أرسلت‭ ‬جيوشها‭ ‬إلى‭ ‬مسافة‭ ‬آلاف‭ ‬الكيلومترات‭ ‬لغزو‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬بعيدا‭ ‬لإحصاء‭ ‬الأعمال‭ ‬الأمريكية‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬تعتبر‭ ‬مهددا‭ ‬حقيقيا‭ ‬للاستقرار‭ ‬العالمي‭ ‬وسيادة‭ ‬وأمن‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬شنت‭ ‬حروبا‭ ‬أو‭ ‬قامت‭ ‬بعمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬حوالي‭ ‬80‭ ‬دولة،‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬ما‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬800‭ ‬ألف‭ ‬شخص،‭ ‬بينهم‭ ‬حوالي‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬مدني،‭ ‬ولا‭ ‬حاجة‭ ‬للتذكير‭ ‬بالحروب‭ ‬والغزوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬2001‭. ‬

الاستقرار‭ ‬العالمي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مسالمة‭ ‬تسعى‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بكل‭ ‬فروعها‭ ‬وتقيم‭ ‬علاقات‭ ‬طبيعية‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬غيرها‭ ‬الداخلية،‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬لا‭ ‬تهدده‭ ‬المنافسة‭ ‬النزيهة‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬الشعوب‭ ‬وخياراتها،‭ ‬وإنما‭ ‬تهدده‭ ‬الحروب‭ ‬والغزوات‭ ‬وإسقاط‭ ‬الأنظمة‭ ‬السياسية‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬وجه‭ ‬للمقارنة‭ ‬بين‭ ‬سلوك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬ومع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وبين‭ ‬سلوك‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يسجل‭ ‬التاريخ‭ ‬يوما‭ ‬قامت‭ ‬فيه‭ ‬بغزو‭ ‬واحتلال‭ ‬وتدمير‭ ‬وإسقاط‭ ‬أنظمة،‭ ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

الأمر‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الدفاع،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬سياستها‭ ‬الواضحة‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬والمنفعة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬الكفيلة‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬سجل‭ ‬الصين،‭ ‬فالأفعال‭ ‬وطبيعتها‭ ‬هي‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬تقييم‭ ‬سلوك‭ ‬وصحة‭ ‬وسلامة‭ ‬سياسة‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬فهناك‭ ‬بون‭ ‬شاسع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية،‭ ‬فالأولى‭ ‬تتبنى‭ ‬لغة‭ ‬التهديد‭ ‬والغزو‭ ‬والحروب‭ ‬وإلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تهديدا‭ ‬حقيقيا‭ ‬لاستقرار‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬واستقرار‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬فيما‭ ‬القيادة‭ ‬الصينية‭ ‬منكبة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬بلدها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفاهية‭ ‬شعبها،‭ ‬ونسج‭ ‬علاقات‭ ‬خارجية‭ ‬مع‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونها‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬نمطها‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الدول،‭ ‬هذا‭ ‬التناقض‭ ‬الصارخ‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬على‭ ‬ضوئه‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬الاستقرار‭ ‬العالمي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news