العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الاستفزازات في القدس لن تتوقف

شهدت‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬وخاصة‭ ‬مدنية‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة،‭ ‬تطورات‭ ‬نوعية‭ ‬خطيرة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬سماح‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬للمستوطنين‭ ‬بتنظيم‭ ‬ما‭ ‬تسمى‭ ‬بمسيرة‭ ‬الأعلام،‭ ‬وهي‭ ‬المسيرة‭ ‬التي‭ ‬تحاول‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬الديني‭ ‬عليها،‭ ‬والزعم‭ ‬بأن‭ ‬المستوطنين‭ ‬اليهود‭ ‬يمارسون‭ ‬طقوسهم‭ ‬‮«‬الدينية‮»‬‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المقدسة‭ ‬حالهم‭ ‬حال‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليست‭ ‬كذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬مسيرة‭ ‬سياسية‭ ‬استفزازية‭ ‬احتفالية‭ ‬بما‭ ‬تطلق‭ ‬عليه‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬توحيد‮»‬‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭ ‬تحت‭ ‬سلطة‭ ‬واحدة،‭ ‬أي‭ ‬الاحتفال‭ ‬بذكرى‭ ‬احتلال‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬خلال‭ ‬عدوان‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬عام‭ ‬1967‭.‬

الترخيص‭ ‬لهذه‭ ‬المسيرة‭ ‬وتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬للمشاركين‭ ‬فيها،‭ ‬رغم‭ ‬طابعها‭ ‬وأهدافها‭ ‬السياسية‭ ‬الاستفزازية،‭ ‬ورفض‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬للمناشدات‭ ‬الخارجية‭ ‬بضرورة‭ ‬تغيير‭ ‬خط‭ ‬سيرها‭ ‬تجنبا‭ ‬للحساسية‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تمثلها،‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬الاستفزازي‭ ‬الذي‭ ‬تشكله،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مناشدة‭ ‬أمريكية،‭ ‬إنما‭ ‬يثبت‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬أي‭ ‬مجال‭ ‬للشك‭ ‬ان‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمينية‭ ‬المتطرفة‭ ‬مصرة‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬وضعية‭ ‬وطبيعة‭ ‬المدينة‭ ‬المقدسة،‭ ‬وخاصة‭ ‬الأماكن‭ ‬الإسلامية‭ ‬فيها،‭ ‬وتحديدا‭ ‬قبة‭ ‬الصخرة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬دعوات‭ ‬لمنظمات‭ ‬متطرفة‭ ‬‮«‬إسرائيلية‮»‬‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬هدمها‭ ‬وإقامة‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالهيكل‭ ‬مكانها‭.‬

مسيرة‭ ‬الأعلام‭ ‬التي‭ ‬وفر‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬الحماية‭ ‬للمشاركين‭ ‬فيها‭ ‬وفي‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك‭ ‬أقدمت‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬على‭ ‬قمع‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الرافضة‭ ‬لهذه‭ ‬المسيرة‭ ‬الاستفزازية‭ ‬وقامت‭ ‬باعتقال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬فيها،‭ ‬وإصابة‭ ‬العشرات‭ ‬بجروح‭ ‬مختلفة،‭ ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬هذه‭ ‬المسيرة‭ ‬وطابعها‭ ‬السياسي،‭ ‬فقد‭ ‬استغل‭ ‬المتطرفون‭ ‬اليهود‭ ‬المشاركون‭ ‬فيها،‭ ‬هذه‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية،‭ ‬وحولوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬فعاليتها‭ ‬إلى‭ ‬مسيرة‭ ‬عنصرية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬حين‭ ‬اقدموا‭ ‬على‭ ‬تدنيس‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬بل‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬شعارات‭ ‬خطيرة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬الموت‭ ‬للعرب‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬دخولهم‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬العمود،‭ ‬البوابة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للحي‭ ‬الإسلامي‭ ‬بالبلدة‭ ‬القديمة‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة،‭ ‬أي‭ ‬الاحتفال‭ ‬بذكرى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬توحيد‮»‬‭ ‬المدينة‭ ‬المقدسة‭ ‬بشطريها‭ ‬الشرقي‭ ‬والغربي،‭ ‬أبعد‭ ‬وأكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مواصلة‭ ‬لسياسة‭ ‬الاستفزاز‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التشبث‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بالحق‭ ‬التاريخي‭ ‬الشرعي‭ ‬في‭ ‬ارضهم‭ ‬وممتلكاتهم،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬هو‭ ‬إمعان‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتحد‭ ‬صارخ‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ولقرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬القدس‭ ‬ارضا‭ ‬محتلة‭ ‬ولا‭ ‬تعترف‭ ‬بقرارات‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬بشأنها،‭ ‬ولا‭ ‬يغير‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬إقدام‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬السابقة‭ ‬برئاسة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالقدس‭ ‬عاصمة‭ ‬موحدة‭ ‬لــ«إسرائيل‮»‬‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬حكومات‭ ‬الاحتلال‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬وما‭ ‬ينجم‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬أمنية‭ ‬خطيرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفيرها‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬للمتطرفين‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬المقدسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬والمسيحية،‭ ‬فإن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والدول‭ ‬الغربية‭ ‬والحليفة‭ ‬لها‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات،‭ ‬تتحمل‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬وعن‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتجاهل‭ ‬السلطات‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬واستهتارها‭ ‬بقرارات‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬ورفضها‭ ‬الانصياع‭ ‬لهذه‭ ‬القرارات،‭ ‬بسبب‭ ‬الحماية‭ ‬السياسية‭ ‬والدعم‭ ‬غير‭ ‬المحدود‭ ‬الذي‭ ‬تقدمه‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لدولة‭ ‬الاحتلال‭.‬

هذه‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬وليدة‭ ‬أحداث‭ ‬آنية،‭ ‬ولم‭ ‬تنشأ‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬للجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬وباقي‭ ‬أراضي‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية،‭ ‬مثل‭ ‬هضبة‭ ‬الجولان‭ ‬السورية،‭ ‬فقضية‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬هي‭ ‬أقدم‭ ‬قضية‭ ‬لشعب‭ ‬شرد‭ ‬من‭ ‬وطنه‭ ‬وصودرت‭ ‬حقوقه‭ ‬وممتلكات‭ ‬أبنائه،‭ ‬وهو‭ ‬الشعب‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬بدون‭ ‬وطن‭ ‬مستقل‭ ‬كغيره‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬شعوب‭ ‬العالم،‭ ‬وهناك‭ ‬قرارات‭ ‬دولية‭ ‬حازت‭ ‬موافقة‭ ‬جميع‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬بمن‭ ‬فيها‭ ‬حلفاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬غطتها‭ ‬الأغبرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يأخذ‭ ‬أي‭ ‬واحد‭ ‬منها‭ ‬مجراه‭ ‬للتنفيذ‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭.‬

هذه‭ ‬القضية‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬مآس‭ ‬إنسانية،‭ ‬وما‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬اضطهاد‭ ‬وتعذيب‭ ‬وتشريد‭ ‬وقتل‭ ‬شبه‭ ‬يومي‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭ ‬وتمييز‭ ‬عنصري‭ ‬قبيح،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬المدانة‭ ‬وفقا‭ ‬لجميع‭ ‬القوانين‭ ‬والشرائع،‭ ‬لم‭ ‬تحرك‭ ‬ضمائر‭ ‬ومشاعر‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬ذات‭ ‬التأثير‭ ‬القوي‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأحداث‭ ‬الدولية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬المأساة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬شجع‭ ‬المعتدي‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬اعتداءاته‭ ‬وممارساته‭ ‬غير‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬مؤخرا‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬حلقة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬المقيتة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news