العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

الصحافة والحرية

الكلُّ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يطالبُ‭ ‬بضرورةِ‭ ‬تطويرِ‭ ‬الصحافة‭.. ‬المسؤولون،‭ ‬والمثقفون،‭ ‬والشخصيات‭ ‬العامة،‭ ‬والقراء‭ ‬العاديون‭.‬

وبداهة،‭ ‬نحن‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬الصحافةِ‭ ‬الوطنية‭ ‬أكثرُ‭ ‬الناسِ‭ ‬رغبةً‭ ‬وحرصًا‭ ‬على‭ ‬تطويرِ‭ ‬الصحافةِ‭ ‬بحيث‭ ‬ترتقي‭ ‬إلى‭ ‬الطموحاتِ‭ ‬الوطنيَّةِ‭ ‬المعلقةِ‭ ‬عليها،‭ ‬والدورِ‭ ‬المنوطِ‭ ‬بها،‭ ‬وإلى‭ ‬طموحات‭ ‬القراء‭.‬

القضيةُ‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬تطويرَ‭ ‬الصحافةِ‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المنشودِ‭ ‬له‭ ‬شروطٌ‭ ‬وأسس‭ ‬يجبُ‭ ‬أن‭ ‬تتوفرَ،‭ ‬وقاعدةٌ‭ ‬صلبة‭ ‬يجبُ‭ ‬أن‭ ‬يقومَ‭ ‬عليها‭.‬

لن‭ ‬نتحدثَ‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الأزمةِ‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تعصفُ‭ ‬بالصحفِ‭ ‬وتعرقلُ‭ ‬أي‭ ‬عمليةِ‭ ‬تطويرِ‭ ‬جادة‭. ‬سنتحدث‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬نرى‭ ‬من‭ ‬واقعِ‭ ‬تجربتنا‭ ‬العملية‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬الأهم‭.‬

القاعدةُ‭ ‬الصلبةُ‭ ‬التي‭ ‬يجبُ‭ ‬أن‭ ‬يقومَ‭ ‬عليها‭ ‬أي‭ ‬تطويرٍ‭ ‬للصحافة‭ ‬هي‭ ‬الحرية‭. ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬التغطية‭ ‬الصحفية‭ ‬وفي‭ ‬الطرح‭ ‬والتناول‭ ‬والرأي‭ ‬والتعليق،‭ ‬يستحيلُ‭ ‬أن‭ ‬نتحدثَ‭ ‬عن‭ ‬تطورِ‭ ‬للصحافة‭. ‬هذا‭ ‬أمرٌ‭ ‬متعارفٌ‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬العالمِ‭ ‬كله‭.‬

وحريةُ‭ ‬الصحافةِ‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬انعكاسٌ‭ ‬وتجسيدٌ‭ ‬للحرية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬بصفة‭ ‬عامة‭.‬

نعني‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬تترسَّخ‭ ‬القناعةُ‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المسؤولين‭ ‬والمواطنين‭ ‬العاديين‭ ‬وقوى‭ ‬المجتمع‭ ‬المختلفة‭ ‬بتفهم‭ ‬وإدراك‭ ‬أهمية‭ ‬حريات‭ ‬التعبير‭ ‬بكل‭ ‬معانيها،‭ ‬تترسَّخُ‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬قاعدةُ‭ ‬تطوير‭ ‬الصحافة‭.‬

‭ ‬للأسف‭ ‬الشديد‭ ‬لا‭ ‬نستطيعُ‭ ‬أن‭ ‬نقولَ‭ ‬هذه‭ ‬القاعدةَ‭ ‬مترسخة‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭. ‬ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتأمل‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

أغلب‭ ‬المسؤولين‭ ‬يتهربون‭ ‬من‭ ‬لقاء‭ ‬الصحافة،‭ ‬ويرفضون‭ ‬إمداد‭ ‬الصحف‭ ‬بأي‭ ‬معلومات‭ ‬تتعلق‭ ‬بمسؤولياتهم‭ ‬ومجال‭ ‬عملهم‭.‬

هم‭ ‬يفعلون‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬كرهًا‭ ‬في‭ ‬الصحافة،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬خوف‭ ‬مما‭ ‬يعتقدون‭ ‬بأنه‭ ‬خطر‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يهددَ‭ ‬مناصبَهم‭ ‬ومواقعهم‭.‬

ومن‭ ‬دون‭ ‬امتلاك‭ ‬المعلومات،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للصحافة‭ ‬أن‭ ‬تخدم‭ ‬القارئ‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬تتطور؟‭!.‬

والأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬لا‭ ‬يقبلون‭ ‬النقد‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نوعٍ‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬مستوى‭ ‬ولا‭ ‬يتحملونه،‭ ‬بل‭ ‬يضيقون‭ ‬به‭ ‬ذرعا‭.‬

هذا‭ ‬مع‭ ‬العلم‭ ‬بأن‭ ‬الصحافةَ‭ ‬حين‭ ‬توجه‭ ‬نقدًا‭ ‬موضوعيًّا‭ ‬مسؤولا،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬جهده‭ ‬وعمله،‭ ‬وإنما‭ ‬تقصد‭ ‬الإصلاحَ‭ ‬والترشيد‭.‬

‭ ‬أمر‭ ‬بديهي‭ ‬معروف‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معرفة‭ ‬الأخطاء‭ ‬وأوجه‭ ‬القصور‭ ‬والسلبيات‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬وأي‭ ‬سياسة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدثَ‭ ‬إصلاحٌ‭ ‬أو‭ ‬تطويرٌ‭ ‬أو‭ ‬ترشيدٌ‭ ‬للسياساتِ‭ ‬والممارساتِ‭ ‬العملية‭.‬

والأمر‭ ‬ليس‭ ‬قصرًا‭ ‬على‭ ‬المسؤولين‭ ‬والجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬فقط‭. ‬هناك‭ ‬قوى‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ترفضُ‭ ‬أي‭ ‬نقد‭ ‬أيًّا‭ ‬كان‭ ‬وتمارسُ‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكالِ‭ ‬الترهيب‭ ‬للصحافة‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬أثارت‭ ‬أو‭ ‬انتقدت‭ ‬قناعاتٍ‭ ‬أو‭ ‬ممارسات‭ ‬مرفوضة‭.‬

الأمر‭ ‬الغريب‭ ‬حقا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يحدث،‭ ‬ويتم‭ ‬التضييق‭ ‬على‭ ‬الصحافة‭ ‬بهذه‭ ‬الأشكال،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أعطى‭ ‬فيه‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬كل‭ ‬الحرية‭ ‬للصحافة‭. ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جلالته‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬الصحافة‭ ‬أحد‭ ‬الأركان‭ ‬الكبرى‭ ‬للعمل‭ ‬الوطني‭ ‬ولنهضة‭ ‬وتقدم‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬وشريكٌ‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬البناء‭ ‬والتقدم‭.‬

نريد‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬توفُّرَ‭ ‬الحرية‭ ‬للصحافة‭ ‬بهذه‭ ‬المعاني‭ ‬هو‭ ‬شرطٌ‭ ‬أساسي‭ ‬لتقدمها‭ ‬وتطورها‭ ‬ومصداقيتها‭ ‬وفعالية‭ ‬الدور‭ ‬الوطني‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭.‬

الأمر‭ ‬المهم‭ ‬جدا‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬به،‭ ‬وأولهم‭ ‬المسؤولون‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرسمية،‭ ‬أن‭ ‬صحافة‭ ‬البحرين‭ ‬هي‭ ‬صحافة‭ ‬وطنية‭ ‬مسؤولة،‭ ‬أي‭ ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬حزبية،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬كالصحافة‭ ‬الغربية‭ ‬مثلا‭ ‬التي‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬لا‭ ‬تقيم‭ ‬وزنًا‭ ‬ولا‭ ‬اعتبارًا‭ ‬للقيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬العامة‭ ‬والشخصية‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬للمصالح‭ ‬الوطنية‭.‬

صحافة‭ ‬البحرين‭ ‬دافعت‭ ‬عن‭ ‬الوطن،‭ ‬قيادة‭ ‬وشعبًا،‭ ‬وعن‭ ‬مصالحه‭ ‬العليا‭ ‬ببسالة‭ ‬وحسم،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬وفي‭ ‬أصعب‭ ‬الأوقات‭.‬

لم‭ ‬يحدث‭ ‬أبدا‭ ‬أن‭ ‬استغلت‭ ‬صحافة‭ ‬البحرين‭ ‬مساحات‭ ‬الحرية‭ ‬المتاحة‭ ‬لها‭ ‬للإساءة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬أو‭ ‬سياسة‭ ‬أو‭ ‬للإضرار‭ ‬بأي‭ ‬مصلحة‭ ‬مجتمعية‭ ‬أو‭ ‬وطنية‭ ‬عامة‭. ‬الصحافة‭ ‬استغلت‭ ‬الحرية‭ ‬دائما‭ ‬للإصلاح‭ ‬والترشيد‭ ‬وخدمة‭ ‬الوطن‭ ‬والمجتمع‭.‬

صحافة‭ ‬البحرين‭ ‬الوطنية‭ ‬تستحق‭ ‬أقصى‭ ‬مساحات‭ ‬الحرية‭ ‬في‭ ‬التغطيات‭ ‬الإخبارية،‭ ‬وفي‭ ‬النقد،‭ ‬وفي‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‭.‬

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//