العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الغطرسة الأمريكية لم تعد مطلقة

ليس‭ ‬معلوما‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬عند‭ ‬أي‭ ‬حدود‭ ‬جغرافية‭ ‬ستتوقف‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬الجارية‭ ‬حاليا‭ ‬فوق‭ ‬الأراضي‭ ‬الأوكرانية‭ ‬مع‭ ‬دخولها‭ ‬شهرها‭ ‬الثالث‭ ‬ودخول‭ ‬غالبية‭ ‬دول‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬وشركائهم‭ ‬عبر‭ ‬المحيطات‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فتح‭ ‬الخزائن‭ ‬المالية‭ ‬ومستودعات‭ ‬الأسلحة‭ ‬وضخها‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الصراع‭ ‬دعما‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬وهذا‭ ‬الغموض‭ ‬بشأن‭ ‬تطورات‭ ‬ووجهة‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬العسكري،‭ ‬وانعكاساته‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬مجمل‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬يخرج‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬ويثير‭ ‬زوبعة‭ ‬خطيرة‭ ‬ومن‭ ‬العيار‭ ‬الثقيل‭ ‬بتصريحه‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬لليابان‭ ‬عن‭ ‬استعداد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للدفاع‭ ‬عسكريا‭ ‬عن‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬لهجوم‭ ‬عسكري‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭.‬

قد‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬زلة‮»‬‭ ‬لسان،‭ ‬كما‭ ‬اعتاد‭ ‬الجميع‭ ‬سماع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الزلات‭ ‬والهفوات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬مثل‭ ‬وصفه‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬بــ«مجرم‭ ‬حرب‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ليس‭ ‬كذلك،‭ ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬منذ‭ ‬بدأ‭ ‬نجم‭ ‬الصين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعلمي‭ ‬في‭ ‬الصعود‭ ‬وهي‭ ‬تضع‭ ‬نصب‭ ‬أعينها‭ ‬عدة‭ ‬سيناريوهات‭ ‬لإيقاف‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬المكانة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬كأكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬التصريح‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬تدخلا‭ ‬فجا‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لجمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭.‬

تعرف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وجميع‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬ركبها‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬تجاه‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬واضحة‭ ‬وصريحة،‭ ‬وهي‭ ‬ترفض‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬استبعاد‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬لإعادة‭ ‬الجزيرة‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬الأم،‭ ‬بل‭ ‬وتقولها‭ ‬صراحة‭ ‬إنها‭ ‬مستعدة‭ ‬لمثل‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬اعلان‭ ‬الجزيرة‭ ‬استقلالها‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬دخول‭ ‬قوات‭ ‬أجنبية‭ ‬إليها،‭ ‬بكين‭ ‬تنطلق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬الجزيرة‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية،‭ ‬باعتراف‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬نفسه‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أيضا،‭ ‬حين‭ ‬أعيد‭ ‬مقعد‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬والمنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬تايوان‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬فإن‭ ‬مسألة‭ ‬تبعية‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬للوطن‭ ‬الصيني‭ ‬الأم‭ ‬ليست‭ ‬قضية‭ ‬قابلة‭ ‬للمساومة‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف،‭ ‬والصين‭ ‬تعودت‭ ‬على‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الاستفزازات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتوقف،‭ ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬تصاعدت‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وخاصة‭ ‬بعد‭ ‬الموقف‭ ‬الصيني‭ ‬المحايد‭ ‬من‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ورفض‭ ‬بكين‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالركب‭ ‬الأمريكي‭ ‬والغربي‭ ‬الساعي‭ ‬إلى‭ ‬عزل‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬سياسيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬ورياضيا‭ ‬وثقافيا‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المجالات،‭ ‬ومع‭ ‬إدراك‭ ‬بكين‭ ‬لهذه‭ ‬الاستفزازات،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتجاهل‭ ‬التصريحات‭ ‬الخطيرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭.‬

المتحدث‭ ‬باسم وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭ ‬وانغ‭ ‬وين‭ ‬بين‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬‮«‬يتعين‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عدم‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬استقلال‭ ‬تايوان،‭ ‬وإنه‭ ‬‮«‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للتهاون‭ ‬أو‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬تتعلق‭ ‬بسيادة‭ ‬الصين‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضيها‮»‬،‭ ‬مشددا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬بكين‭ ‬‮«‬مستعدة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬الوطنية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتايوان‭.. ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لأحد‭ ‬أن‭ ‬يسيء‭ ‬تقدير‭ ‬عزيمة‭ ‬الشعب‭ ‬الصيني‭ ‬الحازمة‭ ‬وإرادته‭ ‬القوية‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الوطنية‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضي‮ ‬الصين‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬اكتراث‭ ‬الجانب‭ ‬الصيني‭ ‬بتلويح‭ ‬بايدن‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بطريقة‭ ‬وكيفية‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬تايوان‭.‬

الغطرسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ولغة‭ ‬القوة‭ ‬والتحدي‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬مسؤوليها‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مطلقة‭ ‬أو‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬نهاية،‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬وهذه‭ ‬السياسة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬قيمة‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لقوى‭ ‬عالمية‭ ‬تمتلك‭ ‬من‭ ‬المقومات‭ ‬النوعية‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لردع‭ ‬الغطرسة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فوجود‭ ‬ترسانة‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬لدى‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬يضع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬التحدي‭ ‬والقوة‭ ‬مع‭ ‬خصومها‭ ‬الذين‭ ‬تتحرش‭ ‬بهم‭.‬

تايوان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬أراضيها،‭ ‬والسكوت‭ ‬والصبر‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الشاذ‭ ‬القائم‭ ‬حاليا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬تسليما‭ ‬صينيا‭ ‬بضياع‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬الوطن،‭ ‬وإنما‭ ‬مصلحة‭ ‬الشعب‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬الضفتين‭ ‬تجعل‭ ‬القيادة‭ ‬الصينية‭ ‬تصبر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الوضع،‭ ‬لكنها‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬لا‭ ‬تسلم‭ ‬به،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬تأخذه‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد،‭ ‬فاستقلال‭ ‬تايوان‭ ‬يعني‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬الصين،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬أمام‭ ‬بكين‭ ‬من‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬سلامة‭ ‬ووحدة‭ ‬أراضي‭ ‬الوطن‭ ‬الأم‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬قوة،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القوة‭ ‬النوعية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news