العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

لا قيمة للتحقيق من دون محاسبة القتلة

بعد‭ ‬مراوغات‭ ‬وتهرب‭ ‬ومحاولة‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬الحقيقة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬حشرت‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬ضيقة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقتل‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجنسية‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة،‭ ‬قدمت‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬رواية‭ ‬تعترف‭ ‬ضمنا‭ ‬بمسؤولية‭ ‬جنودها‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬البشعة،‭ ‬التي‭ ‬استدعت‭ ‬تنديدا‭ ‬دويا‭ ‬واسعا،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تلك‭ ‬التنديدات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬حلفاء‭ ‬وأصدقاء‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬طلب‭ ‬تقدم‭ ‬به‭ ‬عشرات‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬لوكالة‭ ‬المباحث‭ ‬الفيدرالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالتحقيق‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬استشهاد‭ ‬شيرين،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بربط‭ ‬المساعدات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمدى‭ ‬التزام‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

كل‭ ‬الأدلة‭ ‬المتوافرة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وكل‭ ‬الشواهد‭ ‬والقرائن‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإصبع‭ ‬الذي‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الزناد‭ ‬والرصاصة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬عنق‭ ‬أبوعاقلة،‭ ‬هو‭ ‬إصبع‭ ‬ورصاصة‭ ‬‮«‬إسرائيلية‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬حقيقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التنصل‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬إنكارها،‭ ‬وهي‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬سوف‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الجريمة‭ ‬إلى‭ ‬القتل‭ ‬الخطأ‭ ‬وليس‭ ‬العمد،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬استهداف‭ ‬الصحفيين‭ ‬والإعلاميين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬هو‭ ‬نهج‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬وهناك‭ ‬أرقام‭ ‬ثابتة‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬البيانات‭ ‬الموثقة‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬صحفيا‭ ‬وإعلاميا‭ ‬فلسطينيا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬ألفين‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬شيرين‭ ‬أبوعاقلة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الضحية‭ ‬الأخيرة‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬الشهيدة‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬صفة‭ ‬العمد‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬فهناك‭ ‬مصلحة‭ ‬‮«‬إسرائيلية‮»‬‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬النية‭ ‬المبيتة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬استهداف‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬للاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬هي‭ ‬نية‭ ‬سيئة‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬توثيقها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الإعلام‭ ‬المرئي‭ ‬سوف‭ ‬يضيف‭ ‬ضررا‭ ‬جديدا،‭ ‬وربما‭ ‬جسيما‭ ‬للسمعة‭ ‬السيئة‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الضحية‭ ‬مميزة‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬صفتها‭ ‬المهنية‭.‬

الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬محايد‭ ‬ومستقل،‭ ‬هي‭ ‬دعوة‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬لها،‭ ‬لوضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬مصلحة‭ ‬أصدقاء‭ ‬وحلفاء‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬المماطلة‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬مسارها،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تحديدا‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬مسؤولية‭ ‬حماية‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وشيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬واحدة‭ ‬منهم،‭ ‬فالوضع‭ ‬القانوني‭ ‬للشهيدة،‭ ‬أعطى‭ ‬دافعا‭ ‬قويا‭ ‬لتحرك‭ ‬أعضاء‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الشهيدة‭ ‬سقطت‭ ‬وهي‭ ‬تؤدي‭ ‬واجبا‭ ‬مهنيا‭ ‬وأن‭ ‬طبيعة‭ ‬مهنتها‭ ‬تفرض‭ ‬عليها‭ ‬التواجد‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬والساحات‭ ‬الساخنة‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬وفي‭ ‬ميادين‭ ‬الأحداث‭.‬

التحقيق‭ ‬المحايد‭ ‬والشفاف‭ ‬سوف‭ ‬يظهر‭ ‬الحقيقة‭ ‬كاملة،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬والمسؤولون‭ ‬‮«‬الإسرائيليون‮»‬‭ ‬يهيئون‭ ‬أنفسهم‭ ‬لذلك،‭ ‬وهم‭ ‬تعودوا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬سماع‭ ‬الحقائق‭ ‬الصادمة‭ ‬لسياسات‭ ‬حكوماتهم‭ ‬المتعاقبة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬سوف‭ ‬يسفر‭ ‬عنه‭ ‬التحقيق‭ ‬المحايد‭ ‬والشفاف‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬وما‭ ‬سوف‭ ‬يظهره‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬البشعة،‭ ‬وإنما‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التحقيق‭.‬

سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تكترث‭ ‬كثيرا‭ ‬بنتائج‭ ‬التحقيقات‭ ‬الدولية‭ ‬حول‭ ‬سياستها‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬ولا‭ ‬بحالات‭ ‬القتل،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القتل‭ ‬الجماعي،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الاعتداءات‭ ‬المتكررة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬حيث‭ ‬استهدفت‭ ‬أسرا‭ ‬بأكملها،‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬بها‭ ‬قائدا‭ ‬ميدانيا‭ ‬لهذا‭ ‬الفصيل‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬التركيز‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يعقب‭ ‬نتائج‭ ‬التحقيق‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬بحق‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬نفذت‭ ‬الجريمة‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ليست‭ ‬فردية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مطلق‭ ‬الرصاصة‭ ‬القاتلة‭ ‬هو‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الجيش‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭.‬

المسؤولون‭ ‬‮«‬الإسرائيليون‮»‬‭ ‬يكررون‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة،‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يخشون‭ ‬لجان‭ ‬التحقيق،‭ ‬دولية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬غيرها،‭ ‬ليس‭ ‬لأنهم‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬بصحة‭ ‬تصرفاتهم‭ ‬وسياستهم‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬جميع‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ارتكبوها‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تقفل‭ ‬بمجرد‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭ ‬وتحديد‭ ‬الجهة‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬ارتكاب‭ ‬الجريمة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬مأمن‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تطبق‭ ‬بسبب‭ ‬ارتكاب‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمر‭ ‬سنجده‭ ‬يتكرر‭ ‬أيضا‭ ‬مع‭ ‬جريمة‭ ‬الشهيدة‭ ‬شيرين‭.‬

فأولئك‭ ‬الذين‭ ‬تحمسوا‭ ‬للقيام‭ ‬بتحقيق‭ ‬محايد‭ ‬وشفاف‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬مطالبون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بدعم‭ ‬إجراء‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬إجراءات‭ ‬عملية‭ ‬تحاسب‭ ‬المتسبب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬والمعني‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الزناد،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬يقف‭  ‬وراء‭ ‬سياسة‭ ‬القتل‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭ ‬ومن‭ ‬ينفذ‭ ‬عمليات‭ ‬الاغتيال‭ ‬اليومية‭ ‬لمجرد‭ ‬الاشتباه‭ ‬وقراءة‭ ‬نوايا‭ ‬الضحايا،‭ ‬وهي‭ ‬العمليات‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭  ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الممارسة‭ ‬شبه‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬بدون‭ ‬المحاسبة‭ ‬الحقيقية‭ ‬والعادلة،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭  ‬جريمة‭ ‬ما،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬سوى‭ ‬وثيقة‭ ‬أرشيفية‭ ‬تؤرخ‭ ‬لجريمة‭ ‬وتاريخ‭ ‬ارتكابها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news