العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

القدس.. النار الملتهبة

تشهد‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وتحديدا‭ ‬مدن‭ ‬وقرى‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الغليان‭ ‬والتصعيد‭ ‬الأمني‭ ‬الذي‭ ‬ينذر‭ ‬بتفجر‭ ‬الأوضاع‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬انتفاضة‭ ‬شعبية‭ ‬ثالثة،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬عنفا‭ ‬وديمومة‭ ‬من‭ ‬الانتفاضتين‭ ‬السابقتين‭ ‬حيث‭ ‬تفجرت‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬انتفاضة‭ ‬الحجارة‮»‬‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1987،‭ ‬فيما‭ ‬اندلعت‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الثانية‭ ‬‮«‬انتفاضة‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬فالأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬اندلاع‭ ‬الانتفاضتين‭ ‬السابقتين،‭ ‬مثل‭ ‬الوضع‭ ‬المزري‭ ‬للمخيمات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬والقمع‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬أضف‭ ‬إليها،‭ ‬وربما‭ ‬الأخطر،‭ ‬تصاعد‭ ‬الاستفزازات‭ ‬الدينية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المستوطنين‭ ‬واستهدافهم‭ ‬المتكرر،‭ ‬وتحت‭ ‬الحماية‭ ‬الأمنية‭ ‬لسلطات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬الأماكن‭ ‬المقدسة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭. ‬

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬تصاعدت‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬خارج‭ ‬القانون‭ ‬التي‭ ‬تنفذها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬بحق‭ ‬المواطنين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬العزل،‭ ‬بحجة‭ ‬نية‭ ‬هذا‭ ‬المواطن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المواطنة،‭ ‬مهاجمة‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬‮«‬الإسرائيليين‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬شبهة‭ ‬كفيلة‭ ‬بتنفيذ‭ ‬الإعدام‭ ‬المباشر‭ ‬للفلسطيني،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬شل‭ ‬حركة‭ ‬من‭ ‬تشتبه‭ ‬فيه‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬النية‭ ‬في‭ ‬القتل‭ ‬وليس‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬ليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬استفزازات‭ ‬المستوطنين‭ ‬أخذت‭ ‬منحى‭ ‬خطيرا‭ ‬باستهداف‭ ‬الممتلكات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬واللجوء‭ ‬إلى‭ ‬فعاليات‭ ‬استفزازية‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬ديني‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬تسمى‭ ‬بمسيرة‭ ‬الأعلام‭ ‬والطواف‭ ‬بداخل‭ ‬باحة‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬وممارسة‭ ‬الطقوس‭ ‬الدينية‭ ‬اليهودية‭ ‬فيها‭.‬

تصاعد‭ ‬الاستفزازات‭ ‬تجاه‭ ‬المشاعر‭ ‬الوطنية‭ ‬والدينية‭ ‬لأبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬المستوطنين‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬كلها‭ ‬تمثل‭ ‬عوامل‭ ‬مهيئة‭ ‬لاندلاع‭ ‬انتفاضة‭ ‬فلسطينية‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬وخطيرة‭ ‬أيضا،‭ ‬إذ‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬انتفاضة‭ ‬الحجارة‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬أو‭ ‬انتفاضة‭ ‬الأقصى‭ ‬2000،‭ ‬سوى‭ ‬بروفة‭ ‬عملية‭ ‬للانتفاضة‭ ‬المرشحة‭ ‬للاندلاع،‭ ‬فبعد‭ ‬التصعيد‭ ‬الخطير‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬مدينة‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة،‭ ‬وتحديدا‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬خلال‭ ‬الأسابيع‭ ‬الماضية‭.‬

ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة،‭ ‬والتحرش‭ ‬المستمر‭ ‬بالقيم‭ ‬والمقدسات‭ ‬الدينية،‭ ‬الإسلامية‭ ‬والمسيحية‭ ‬على‭ ‬السواء،‭ ‬وتحديدا‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تؤجج‭ ‬الأوضاع‭ ‬وترفع‭ ‬من‭ ‬وتيرة‭ ‬الصدامات‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬الاحتلال‭ ‬والمستوطنين،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق،‭ ‬فإن‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬الاستفزازية،‭ ‬بل‭ ‬وتتغاضى‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬المستوطنين‭.‬

وزير‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬،‭ ‬عمر‭ ‬بارليف‭ ‬صادق‭ ‬مؤخرا‭ ‬على‭ ‬السماح‭ ‬لمسيرة‭ ‬الأعلام‭ ‬التي‭ ‬ستقام‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭ ‬الحالي،‭ ‬بالمرور‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬العامود‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية،‭ ‬وهو‭ ‬استفزاز‭ ‬جديد‭ ‬وخطير‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬وزير‭ ‬التعاون‭ ‬الإقليمي‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮» ‬عيساوي‭ ‬فريج،‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قرار‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬انطلاق‭ ‬المسيرة‭ ‬الاستفزازية‭ ‬في‭ ‬الحي‭ ‬الإسلامي‭ ‬وبوابة‭ ‬نابلس‭ ‬خطأ‭ ‬خطير‭ ‬ومثير‭ ‬للقلق‮»‬،‭ ‬معتبرا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الهدف‭ ‬من‭ ‬المسيرة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬ليس‭ ‬لخير‭ ‬القدس،‭ ‬بل‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬حرقها‮»‬‭.‬

‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الاستفزاز،‭ ‬تطور‭ ‬آخر‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬التطورات‭ ‬الخطيرة‭ ‬جدا‭ ‬والتي‭ ‬تنذر‭ ‬باشتعال‭ ‬مواجهة،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الخطير‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬دعوة‭ ‬رئيس‭ ‬ما‭ ‬تسمى‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬لاهافا‮»‬‭ ‬الصهيونية،‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬قبة‭ ‬الصخرة‭ ‬المشرفة‭ ‬وبناء‭ ‬ما‭ ‬يدعى‭ ‬بالهيكل‭ ‬مكانها،‭ ‬أي‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬التعدي‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أولى‭ ‬قبلتي‭ ‬المسلمين‭ ‬وثالث‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين،‭ ‬وهذه‭ ‬مسألة‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الخطورة،‭ ‬لن‭ ‬تتوقف‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬تجاهها‭ ‬داخل‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬للصراع‭ ‬التقليدي،‭ ‬أي‭ ‬داخل‭ ‬حدود‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬الواجهة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للصراع‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬هدم‭ ‬قبة‭ ‬الصخرة‭ ‬ليست‭ ‬جديدة،‭ ‬ومحاولات‭ ‬بناء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالهيكل‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬ليست‭ ‬بالمحاولات‭ ‬الغريبة،‭ ‬لكن‭ ‬الخطورة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬الذي‭ ‬أطلقت‭ ‬فيه‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الدعوة،‭ ‬حيث‭ ‬يجتاح‭ ‬التطرف‭ ‬الديني‭ ‬والسياسي‭ ‬مجتمع‭ ‬المستوطنين،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬حدود‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬فالحركات‭ ‬الصهيونية‭ ‬المتطرفة‭ ‬أصبحت‭ ‬تسيطر‭ ‬تماما‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬اليمين‭ ‬السياسي‭ ‬المتطرف‭ ‬إلى‭ ‬سدة‭ ‬القيادة‭ ‬بعد‭ ‬تلاشي‭ ‬وضعف‭ ‬القوى‭ ‬اليسارية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أقل‭ ‬تطرفا‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬السياسية،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تتزحزح‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬الحقوق‭ ‬المشروعة‭ ‬التاريخية‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬والتطورات‭ ‬الأيدولوجية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬تشكل‭ ‬خطرا‭ ‬حقيقيا‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬وقد‭ ‬تجر‭ ‬الساحة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحمد‭ ‬عقباه‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news