العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

أمريكا متمسكة بقيادة (القطب الواحد) فيما حلفاؤها يدفعون الثمن

معظمُ‭ ‬دولِ‭ ‬العالمِ‭ ‬تتطلعُ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يسودَ‭ ‬بعد‭ ‬حربِ‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عالمٌ‭ (‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭)‬،‭ ‬فيما‭ ‬تواصلُ‭ ‬أمريكا‭ ‬مساعيها‭ ‬للإبقاءِ‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ (‬القطب‭ ‬الأمريكي‭ ‬الواحد‭) ‬في‭ ‬قيادةِ‭ ‬العالم‭!‬

وتؤكدُ‭ (‬واشنطن‭) ‬تمسكَها‭ ‬بهذه‭ ‬السياسةِ‭ (‬السوبر‭ ‬باور‭) ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬التي‭ ‬يقومُ‭ ‬بها‭ ‬الرئيسُ‭ ‬الأمريكي‭ (‬جو‭ ‬بايدن‭) ‬إلى‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬انتهى‭ ‬تقريباً‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬إلى‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬لتهدئة‭ ‬مخاوف‭ (‬سول‭) ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الصاروخية‭ ‬النووية‭ ‬التي‭ ‬تجربها‭ ‬جارتها‭ ‬اللدودة‭ (‬بيونغ‭ ‬يانغ‭)‬،‭ ‬ولكنها‭ ‬في‭ ‬الوقتِ‭ ‬نفسه‭ ‬هي‭ ‬زيارةٌ‭ ‬تركزُ‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬التعاونِ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬ومن‭ ‬قاعدة‭ (‬أوسان‭) ‬الجوية‭ ‬الكورية‭ ‬هبطت‭ ‬طائرة‭ (‬بايدن‭) ‬متوجها‭ ‬إلى‭ ‬مصنع‭ ‬لأشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬تابعة‭ ‬لشركة‭ (‬سامسونغ‭) ‬الكورية‭ ‬الجنوبية‭ ‬العملاقة‭ ‬برفقة‭ ‬الرئيس‭ ‬الكوري‭ ‬الجنوبي‭ (‬يون‭ ‬سوك‭ ‬يول‭) ‬الذي‭ ‬تولى‭ ‬منصبه‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬مايو،‭ ‬وبحسب‭ ‬وكالة‭ (‬فرانس‭ ‬برس‭) ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيار‭ ‬مصنع‭ (‬سامسونغ‭) ‬ليكون‭ ‬أول‭ ‬محطة‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬اعتباطياً،‭ ‬فالتزود‭ ‬بأشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬الأساسية‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬معظم‭ ‬الأجهزة‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬الهواتف‭ ‬إلى‭ ‬السيارات‭ ‬والأسلحة‭ ‬العالية‭ ‬التقنية،‭ ‬ويشهد‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬نقصاً‭ ‬ضمن‭ ‬التباطؤ‭ ‬العام‭ ‬لسلاسل‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬الذي‭ ‬يهدد‭ ‬بتقويض‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬وباء‭ ‬كورونا،‭ ‬وتوفر‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬حوالي‭ ‬70‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬وباتت‭ ‬سلعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬وأن‭ (‬واشنطن‭) ‬تحاول‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬صناعتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعاون‭ ‬شركة‭ ‬سامسونغ‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭.‬

إذن‭ ‬زيارة‭ ‬بايدن‭ ‬إلى‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬ليست‭ ‬سياسية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬اقتصادية‭ ‬أيضاً،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ (‬بايدن‭) ‬اليوم‭ ‬الأحد‭ ‬بزيارة‭ ‬إلى‭ (‬طوكيو‭) ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬حيث‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬القمة‭ ‬الإقليمية‭ ‬للتحالف‭ ‬الرباعي‭ (‬كواد‭) ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬أستراليا‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.. ‬لكن‭ ‬دعونا‭ ‬نتوقف‭ ‬قليلاً‭ ‬فيما‭ ‬قاله‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭ (‬جيك‭ ‬سوليفان‭) ‬من‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬طائرة‭ (‬إير‭ ‬فورس‭ ‬وان‭): (‬من‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تريد‭ ‬‮«‬تأكيد‮»‬‭ ‬صورة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬العالم‭ ‬إذا‭ ‬اجتمعت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المنفتحة‭ ‬لإملاء‭ ‬قواعد‭ ‬العمل‭ ‬وفق‭ ‬حس‭ ‬القيادة‭ ‬الأمريكي‭)!!‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ (‬واشنطن‭) ‬متمسكة‭ ‬بنظام‭ ‬القطب‭ ‬الواحد‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬حجم‭ ‬الضرائب‭ ‬والأثمان‭ ‬الباهظة‭ ‬التي‭ ‬يدفعها‭ ‬حلفاء‭ ‬أمريكا‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬وتوريطهم‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬خارجية‭ ‬من‭ ‬صنع‭ (‬القيادة‭ ‬الأمريكية‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬وتجعل‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬مغامراتها‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ (‬العشرين‭ ‬عاماً‭) ‬وحدث‭ ‬في‭ ‬يوغسلافيا‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬ويحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭.. ‬مسلسلات‭ ‬درامية‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭ ‬الذي‭ ‬تحدثه‭ ‬واشنطن‭ ‬لحلفائها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثنائية‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬وحتى‭ ‬الآن‭.‬

لاحظوا‭ ‬ان‭ ‬أمريكا‭ ‬استبعدت‭ ‬أية‭ ‬دولة‭ ‬أوروبية‭ ‬في‭ ‬تحالف‭ (‬كواد‭) ‬الرباعي‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أزعج‭ ‬فرنسا،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لأنها‭ ‬تعتبر‭ ‬نفسها‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬مياه‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادي،‭ ‬ولكن‭ ‬أمريكا‭ ‬حالياً‭ ‬تدفع‭ ‬بأوروبا‭ ‬وتزجها‭ ‬بقوة‭ ‬للتورط‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬عسكرياً‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬ويدفع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬حالياً‭ ‬أثماناً‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬المحروقات‭ ‬والمواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬وزادت‭ ‬نسبة‭ ‬التضخم‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬بنسبة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬بالمائة‭ ‬بعد‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬والملاحية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭.‬

هكذا‭ ‬تتصرف‭ ‬أمريكا‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ (‬القطب‭ ‬الأوحد‭) ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬العالم،‭ ‬إنها‭ ‬تستخدم‭ ‬الدول‭ ‬المتحالفة‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬حرب‭ ‬خارجية‭ ‬كوقود‭ ‬معارك‭ ‬تخوضها‭ ‬بالنيابة‭ ‬عن‭ ‬أمريكا‭!‬

ولم‭ ‬تتعلم‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬التي‭ ‬ورطتها‭ (‬واشنطن‭) ‬فيها‭ ‬عشرين‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬موت‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬الأوروبيين‭ ‬هناك،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬أمريكا‭ ‬تسعى‭ ‬مجدداً‭ ‬إلى‭ ‬توريط‭ (‬أوروبا‭) ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬وتستخدم‭ (‬حلف‭ ‬الناتو‭) ‬كأداة‭ ‬عسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ولذلك‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬تخوض‭ ‬أمريكا‭ ‬حرباً‭ ‬شاملة‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬تكون‭ ‬الأراضي‭ ‬الأوروبية‭ ‬هي‭ ‬ساحتها‭ ‬الرئيسية،‭ ‬وتجعل‭ ‬الشعوب‭ ‬الأوروبية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الثمن‭ ‬باهظاً‭.. ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الشعوب‭ ‬الأوروبية‭ ‬تدفع‭ ‬الآن‭ ‬الثمن‭ ‬اقتصادياً‭ ‬من‭ ‬قوت‭ ‬يومهم‭ ‬جراء‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬فإن‭ ‬مستقبلاً‭ ‬وحين‭ ‬تندلع‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الروسية‭ ‬سوف‭ ‬يدفع‭ ‬الأوروبيون‭ ‬الثمن‭ ‬من‭ ‬حياتهم،‭ ‬وأن‭ ‬تتحول‭ ‬المدن‭ ‬الأوروبية‭ ‬الجميلة‭ ‬إلى‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ (‬أوكرانيا‭) ‬حالياً‭.. ‬مدن‭ ‬محطمة‭ ‬ومهجورة‭ ‬ومشردين‭ ‬أوروبيين‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬السيناريو‭ ‬الكئيب‭ ‬والمليء‭ ‬بالموت‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬أوروبا‭ ‬والعالم‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬استمرت‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬العالم‭ (‬بقطب‭ ‬واحد‭) ‬فقط‭.. ‬مصير‭ ‬مدمر‭ ‬وكارثي‭ ‬بلا‭ ‬شك‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news