العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عندما رفضت شفاعة النيل

ظللت‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬حائراً‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬عادة‭ ‬عجيبة‭ ‬يمارسها‭ ‬أهلي‭ ‬النوبيون‭ ‬خلال‭ ‬مراسيم‭ ‬الزواج،‭ ‬فهناك‭ ‬طقس‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬كلودن‭ ‬كاشي‮»‬،‭ ‬وكلود‭ ‬في‭ ‬النوبية‭ ‬هو‭ ‬العدد‭ ‬سبعة،‭ ‬والنون‭ ‬في‭ ‬آخرها‭ ‬للملكية‭ ‬والنسبة،‭ ‬فإذا‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬جعفر‮»‬‭ ‬تقول‭ ‬‮«‬جعفرن‭ ‬كتاب‮»‬،‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الدقة‭ ‬تكون‭ ‬‮«‬جافرن‭ ‬كتاب‮»‬‭ ‬لأن‭ ‬العين‭ ‬لا‭ ‬تنطق‭ ‬عندنا‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬ينحشر‭ ‬شيء‭ ‬ما‭ ‬‭ ‬مثل‭ ‬شوكة‭ ‬سمك‭- ‬في‭ ‬حلوقنا‭ ‬فنجاهد‭ ‬لإخراجه،‭ ‬و«كاشي‮»‬‭ ‬تعني‭ ‬يمزج‭ ‬أو‭ ‬يخلط‭ ‬أو‭ ‬يلخبط‭ ‬ويخربط‭.‬

المهم‭ ‬أنه‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬ينتظر‭ ‬العريس‭ ‬عروسه‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬مفروشة‭ ‬بالحصير‭ ‬الملون‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬سعف‭ ‬النخل‭ ‬ونسميه‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬‮«‬بِرِش‮»‬،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تدخل‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬يحملها‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ثم‭... ‬يسير‭ ‬بها‭ ‬قليلاً‭ ‬ويلقي‭ ‬بها‭ ‬أرضا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أطراف‭ ‬الغرفة،‭ ‬طبعاً‭ ‬يقوم‭ ‬معظم‭ ‬العرسان‭ ‬برمي‭ ‬عرائسهم‭ ‬برفق،‭ ‬ولكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬وصف‭ ‬تلك‭ ‬الممارسة‭ ‬بالقسوة‭ ‬والغلظة،‭ (‬فقد‭ ‬تعني‭ ‬ضمنا‭: ‬وقعتك‭ ‬سودة‭ ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬الناس‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬يجلس‭ ‬الاثنان‭ ‬قبالة‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض‭ ‬ويتبادلان‭ ‬بالأكف‭ ‬خليطاً‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬المحمصة،‭ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬ومن‭ ‬ينتهي‭ ‬عنده‭ ‬الدور‭ ‬يقوم‭ ‬بإلقاء‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الآخر،‭ ‬فيختلط‭ ‬الحابل‭ ‬بالنابل‭ ‬ويتبادل‭ ‬جميع‭ ‬الحضور‭ ‬رمي‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬الوجوه،‭ ‬ويعم‭ ‬الضحك‭ ‬والسرور،‭ ‬وقالوا‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التفاؤل‭ ‬بوفرة‭ ‬الخير‭ ‬والطعام‭.‬

أذكر‭ ‬أنه‭ ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬مراسيم‭ ‬زواجي‭ ‬طلبوا‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أتوجه‭ ‬في‭ ‬موكب‭ ‬مهيب‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭ ‬لأغسل‭ ‬وجهي‭ ‬من‭ ‬مائه،‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬السيرة‮»‬‭ ‬بإمالة‭ ‬حرف‭ ‬السين،‭ ‬والكلمة‭ ‬من‭ ‬‮«‬سار‭ ‬يسير‮»‬،‭ ‬وتتخللها‭ ‬أهازيج‭ ‬نسائية‭ ‬تتردد‭ ‬فيها‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬عريسنا‭/ ‬عروستنا‭ ‬سار‭/ ‬سارت‮»‬‭ ‬منغمة،‭ ‬ولما‭ ‬رفضت‭ ‬ذلك‭ ‬قالوا‭ ‬لي‭ ‬إنني‭ ‬لن‭ ‬أنجب‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬فأخبرتهم‭ ‬بأنني‭ ‬لا‭ ‬أعتزم‭ ‬إنجاب‭ ‬فاصوليا‭ ‬أو‭ ‬قمح‭ ‬أو‭ ‬حمص،‭ ‬وتساءلت‭: ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نستثمر‭ ‬مياه‭ ‬النيل‭ ‬في‭ ‬السياحة‭ ‬الطبية‭ ‬ونشجع‭ ‬جميع‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬العقم‭ ‬على‭ ‬زيارة‭ ‬بلادنا‭ ‬وغسل‭ ‬وجوههم‭ ‬في‭ ‬النيل‭ ‬‮«‬بدل‭ ‬المرة‭ ‬ألف‮»‬‭ ‬فيمتلئ‭ ‬العالم‭ ‬بالعيال‭!! ‬وإذا‭ ‬كنت‭ ‬أجد‭ ‬تفسيراً‭ ‬لعادة‭ ‬غسل‭ ‬الوجه‭ ‬في‭ ‬النيل،‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬امتداد‭ ‬لتقديس‭ ‬النوبيين‭ ‬القدماء‭ ‬للنيل‭ (‬والسودان‭ ‬الشمالي‭ ‬والأوسط‭ ‬كانا‭ ‬نوبيين‭ ‬لقرون‭ ‬طويلة‭)‬،‭ ‬باعتباره‭ ‬مصدر‭ ‬الخصوبة،‭ ‬فلا‭ ‬تفسير‭ ‬لعادة‭ ‬إلقاء‭ ‬العروس‭ ‬أرضاً‭ ‬سوى‭ ‬أنها‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬سطوة‭ ‬الرجل‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يمسح‭ ‬بزوجته‭ ‬الأرض‮»‬‭!!‬

وتلقيت‭ ‬عبر‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬رسالة‭ ‬توضح‭ ‬بعض‭ ‬عادات‭ ‬الزواج‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬الشعوب،‭ ‬ومعظمها‭ ‬تؤكد‭ ‬ضرورة‭ ‬إعطاء‭ ‬الزوجة‭ ‬العين‭ ‬الحمراء‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬اليوم‭ ‬الأول‮»‬،‭ ‬ففي‭ ‬بلد‭ ‬إفريقي‭ ‬عربي،‭ ‬يقوم‭ ‬العريس‭ ‬بضرب‭ ‬عروسه‭ ‬أمام‭ ‬الضيوف‭ ‬لتأكيد‭ ‬أنه‭ ‬الآمر‭ ‬الناهي،‭ ‬وفي‭ ‬جزيرة‭ ‬جرينلاند‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬القطبية‭ ‬الشمالية‭ ‬يسحب‭ ‬الزوج‭ ‬عروسه‭ ‬من‭ ‬شعرها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ليدخل‭ ‬بها‭ ‬مكان‭ ‬الاحتفال،‭ ‬ولحسن‭ ‬حظ‭ ‬النساء‭ ‬هناك‭ ‬فإن‭ ‬الأرض‭ ‬مغطاة‭ ‬بالجليد‭ ‬طوال‭ ‬السنة‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬عملية‭ ‬الجرجرة‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬التزلج،‭.. ‬أما‭ ‬في‭ ‬بورما‭ ‬التي‭ ‬صار‭ ‬اسمها‭ ‬ميانمار،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬كبار‭ ‬جنرالات‭ ‬الجيش‭ ‬يتعاقبون‭ ‬على‭ ‬كراسي‭ ‬الحكم‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬الطوال،‭ ‬فإن‭ ‬رجلاً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬يتوسط‭ ‬حلبة‭ ‬حفل‭ ‬الزفاف‭ ‬ويقوم‭ ‬بثقب‭ ‬أذن‭ ‬العروس‭ ‬بينما‭ ‬تتولى‭ ‬الموسيقى‭ ‬الصاخبة‭ ‬دفن‭ ‬صرخاتها‭ ‬ومعنى‭ ‬ذلك‭: ‬اسمعي‭ ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬الناس‭... ‬حياتك‭ ‬اعتبارا‭ ‬من‭ ‬اليوم‭ ‬عذاب‭ ‬ولن‭ ‬يستمع‭ ‬أحد‭ ‬إلى‭ ‬صرخاتك‭ ‬فاستري‭ ‬حالك‭ ‬و«انكتمي‮»‬‭!! ‬ولكن‭ ‬بعض‭ ‬قبائل‭ ‬بولينيزيا‭ ‬أكثر‭ ‬ديمقراطية‭ ‬لأن‭ ‬العروسين‭ ‬يقفان‭ ‬أمام‭ ‬زعيم‭ ‬القبيلة‭ ‬فيمسك‭ ‬برأسيهما‭ ‬و‭... ‬طاخ‭... ‬يضرب‭ ‬رأسها‭ ‬برأسه،‭ ‬ربما‭ ‬تذكيراً‭ ‬لهما‭ ‬بوجع‭ ‬الرأس‭ ‬الذي‭ ‬سيتعرضان‭ ‬له،‭ ‬ولكن‭ ‬جزر‭ ‬كوك‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬طقوس‭ ‬الزواج‭ ‬فيها‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬المرأة‭ ‬هي‭ ‬الكل‭ ‬في‭ ‬الكل،‭ ‬لأنها‭ ‬وخلال‭ ‬موكب‭ ‬الزفاف‭ ‬تمر‭ ‬فوق‭ ‬أجساد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬يستلقون‭ ‬أرضاً‭ ‬متراصين‭!! ‬أما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬فيصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تقاليد‭ ‬زواج‭ ‬ثابتة،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬تظهر‭ ‬موضة‭ ‬جديدة،‭ ‬ومعظم‭ ‬تلك‭ ‬التقاليد‭ ‬‮«‬تقليد‮»‬‭ ‬أي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الأصالة‭!!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news