العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

الأديب بين الحاجة ونداء الروح

بقلم - زينب علي البحراني

السبت ٢١ مايو ٢٠٢٢ - 10:08

الصراع‭ ‬بين‭ ‬حاجة‭ ‬الأديب‭ ‬المُبدع‭ ‬لتلبية‭ ‬نداء‭ ‬روحه‭ ‬بإطلاق‭ ‬سراح‭ ‬مواهبه‭ ‬الإبداعية‭ ‬وبين‭ ‬حاجته‭ ‬لإشباع‭ ‬احتياجات‭ ‬حياته‭ ‬المادية‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬مجالاتٍ‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بمجاله‭ ‬الإبداعي‭ (‬وأحيانًا‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالإبداع‭ ‬من‭ ‬قريبٍ‭ ‬أو‭ ‬بعيد‭!) ‬صراعٌ‭ ‬يزداد‭ ‬حدةً‭ ‬مع‭ ‬تعملُق‭ ‬أفعى‭ ‬الرأسمالية‭ ‬العولّميَّة،‭ ‬حيثُ‭ ‬يزداد‭ ‬التفافها‭ ‬حول‭ ‬وقت‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬نَفَسٍ‭ ‬إبداعي‭ ‬لتعتصره‭ ‬وتخنقه‭ ‬وتُرديه‭ ‬قتيلاً‭.‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬مضى؛‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الإبداعية‭ ‬منها‭- ‬رفاهية‭ ‬بيد‭ ‬الأقليَّة؛‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬الأدباء‭ ‬الذين‭ ‬سمعنا‭ ‬عنهم‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية،‭ ‬مثل‭ ‬أنيس‭ ‬منصور،‭ ‬إحسان‭ ‬عبدالقدوس،‭ ‬غادة‭ ‬السمان،‭ ‬غسان‭ ‬كنفاني‭ ‬وآخرون،‭ ‬صحيحٌ‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬لم‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الصحافة‭ ‬لكنه‭ ‬سُرعان‭ ‬ما‭ ‬وجد‭ ‬به‭ ‬مقعدًا‭ ‬دائمًا‭ ‬يُقدره‭ ‬في‭ ‬بلاطها،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أحوال‭ ‬الصحافة‭ ‬تغيرت‭ ‬مثلما‭ ‬تغيرت‭ ‬أحوال‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ولم‭ ‬يعُد‭ ‬للمبدعين‭ ‬فيها‭ ‬موطئ‭ ‬قلم‭ ‬إلا‭ ‬ضيوفًا‭ ‬إن‭ ‬قبلت‭ ‬استضافتهم‭ ‬ونشر‭ ‬نصوصهم‭ ‬أو‭ ‬مقالاتهم‭ ‬دون‭ ‬مُقابل‭ ‬أو‭ ‬بمكافأة‭ ‬زهيدةٍ‭ ‬مدعومة‭ ‬بألف‭ ‬وساطةٍ،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يعُد‭ ‬بإمكان‭ ‬أديبٍ‭ ‬من‭ ‬الطبقة‭ ‬الكادحة‭ ‬أن‭ ‬يقتنص‭ ‬وظيفةٍ‭ ‬مكتبيةً‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬أعيُن‭ ‬الرقباء‭ ‬وزحام‭ ‬أفواج‭ ‬البشر‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عمل‭ ‬فيها‭ ‬أديب‭ ‬نوبل‭ ‬الأستاذ‭ ‬‮«‬نجيب‭ ‬محفوظ‮»‬،‭ ‬ويخرج‭ ‬منها‭ ‬مُتبعًا‭ ‬نظامًا‭ ‬يوميًا‭ ‬صارمًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬موهبته‭ ‬من‭ ‬التبدد‭.. ‬لقد‭ ‬تضاعف‭ ‬تعداد‭ ‬سُكان‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرَّة،‭ ‬وازدادت‭ ‬رغباتهم‭ ‬ومُتطلباتهم‭ ‬وشكاواهم‭ ‬بينما‭ ‬قل‭ ‬صبرهم‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬الخدمات‭ ‬المُقدمة‭ ‬لهم،‭ ‬وصار‭ ‬المُمسكون‭ ‬بأعلى‭ ‬الهرم‭ ‬في‭ ‬جِهات‭ ‬العمل‭ ‬يُحمّلون‭ ‬الموظف‭ ‬مسؤوليَّات‭ ‬ويُرهقونه‭ ‬بمهام‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يُكلَّف‭ ‬به‭ ‬الموظف‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬بحيث‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬مرور‭ ‬بضع‭ ‬دقائق‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الدوام‭ ‬المُحددة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينشغل‭ ‬بعملٍ‭ ‬يتطلب‭ ‬مجهودًا‭ ‬وتركيزًا‭ ‬باستثناء‭ ‬الفسحة‭ ‬القصيرة‭ ‬المخصصة‭ ‬للصلاة‭ ‬والغداء‭ (‬أو‭ ‬العشاء‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬دوامك‭ ‬ليليًا‭!)‬،‭ ‬وهي‭ ‬فسحةٌ‭ ‬تضن‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬جهات‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬موظفيها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يختلسوها‭ ‬خِلسة‭ ‬وفي‭ ‬أضيق‭ ‬الحدود‭ ‬النادرة،‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬إلا‭ ‬بذهنٍ‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬استقبال‭ ‬المزيد،‭ ‬وجسدٍ‭ ‬يكاد‭ ‬ينهار‭ ‬من‭ ‬الإرهاق،‭ ‬وعقلٍ‭ ‬يُكافح‭ ‬لوقاية‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬الجنون،‭ ‬وبقايا‭ ‬طاقةٍ‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬إلا‭ ‬رعاية‭ ‬التزاماته‭ ‬العائلية‭ ‬الضرورية،‭ ‬فلا‭ ‬يتبقى‭ ‬وقتٌ‭ ‬لقراءة‭ ‬أو‭ ‬كتابة‭ ‬أو‭ ‬أدنى‭ ‬محاولة‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬الإبداع‭ ‬الأدبي،‭ ‬عدا‭ ‬ما‭ ‬يتلقاه‭ ‬في‭ ‬مقر‭ ‬عمله‭ ‬من‭ ‬لومٍ‭ ‬وزجرٍ‭ ‬وتوبيخٍ‭ ‬وأوامر‭ ‬تحُط‭ ‬من‭ ‬مكانته‭ ‬الأدبيَّة‭ ‬وتتعامل‭ ‬معه‭ ‬مُعاملة‭ ‬‮«‬الروبوت‮»‬‭ ‬الآلي،‭ ‬لا‭ ‬باعتباره‭ ‬مشروع‭ ‬ثروة‭ ‬إبداعية‭ ‬وثقافية‭ ‬قومية‭ ‬تُباهى‭ ‬بها‭ ‬الأُمم‭! ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬السلم‭ ‬الوظيفي‭ ‬واحدة‭ ‬أو‭ ‬اثنتان‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬مجهودًا‭ ‬أقل‭ ‬ومواجهات‭ ‬أخف‭ ‬حدَّة‭ ‬مع‭ ‬عامة‭ ‬الناس؛‭ ‬لكن‭ ‬فوق‭ ‬أنها‭ ‬تحط‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬المستوى‭ ‬العلمي‭ ‬للمبدع‭ ‬قبل‭ ‬مستواه‭ ‬الأدبي‭ ‬فإن‭ ‬أجورها‭ ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تُطعم‭ ‬خُبزًا‭ ‬طازجًا‭ ‬بمقاييس‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن،‭ ‬إن‭ ‬قبل‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يعيشَ‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬وجبةٍ‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬شهرٍ‭ ‬كامل‭ ‬فليسَ‭ ‬أمامه‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يتنازل‭ ‬عن‭ ‬هاتفه‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬تسديد‭ ‬فاتورته،‭ ‬وأن‭ ‬ينام‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكُن‭ ‬له‭ ‬أهلٌ‭ ‬يقيم‭ ‬في‭ ‬منزلهم‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬ما‭ ‬يُسدد‭ ‬به‭ ‬إيجار‭ ‬مسكَنٍ‭ ‬ولا‭ ‬فواتير‭ ‬كهرباء‭ ‬وماء،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬سيفقد‭ ‬أيضًا‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الأدب‭ ‬لأنه‭ ‬لن‭ ‬يملك‭ ‬ما‭ ‬يشتري‭ ‬به‭ ‬ثمن‭ ‬كتابٍ‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬جمع‭ ‬مبلغٍ‭ ‬يكفي‭ ‬لنشر‭ ‬كتاب‭!‬

إن‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬المنظور‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬استمرارية‭ ‬المواهب‭ ‬الأدبية‭ ‬أمرًا‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬فالأديبُ‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬خيارين‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يُحلق‭ ‬بأجنحة‭ ‬خياله‭ ‬ويقرأ‭ ‬ويكتب‭ ‬ويُبدع‭ ‬لكنه‭ ‬يهلك‭ ‬جوعًا،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يبيع‭ ‬روحه‭ ‬المُبدعة‭ ‬في‭ ‬صفقةٍ‭ ‬مع‭ ‬جنون‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الحديثة‭ ‬ويكون‭ ‬عبدًا‭ ‬لإحدى‭ ‬وظائفها‭ ‬مُقابل‭ ‬أن‭ ‬يأكل‭ ‬ويشرب‭ ‬ويجد‭ ‬سقفًا‭ ‬ينام‭ ‬تحته‭ ‬بأمان‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news