العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

في مسرحية هاراكيري لمسرح الصواري: جدلية الخلاص:
الفنان حسين عبدعلي لا يهادن الواقع بل يشاكس كعادته!

السبت ٢١ مايو ٢٠٢٢ - 10:06

تعمد‭ ‬حسين‭ ‬عبدعلي‭ ‬أن‭ ‬يشاكس‭ ‬كعادته‭ ‬في‭ ‬المناورة‭ ‬والتواري‭ ‬مرة،‭ ‬وفي‭ ‬الإعلان‭ ‬والكشف‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭ ‬منطلقا‭ ‬من‭ ‬إعلان‭ ‬عنوان‭ ‬مسرحيته‭ (‬هاراكيري‭)‬؛‭ ‬ليدفع‭ ‬المتلقي‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬أن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬العنوان؛‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬يستعين‭ ‬بمحركات‭ ‬البحث‭ ‬الإلكترونية‭ ‬عبر‭ ‬الشبكة‭ ‬العنكبوتية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الهاركيري،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬ينتظر‭ ‬العرض‭ ‬ليقف‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬هذا‭ ‬العنوان،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬سيترك‭ ‬له‭ ‬التخمين‭ ‬واضطراب‭ ‬الأسئلة‭ ‬عن‭ ‬العنوان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يرد‭ ‬ولو‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬العرض‭.‬

الكل‭ ‬متشح‭ ‬باللون‭ ‬الأسود‭ ‬ممثلين‭ ‬وفضاء‭ ‬المسرح،‭ ‬فهناك‭ ‬سوداوية‭ ‬مظلمة‭ ‬تجثم‭ ‬على‭ ‬الركح،‭ ‬ولا‭ ‬تغادره،‭ ‬والحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬المرأة،‭ ‬وأبعد‭ ‬من‭ ‬التشنج‭ ‬المجتمعي‭ ‬إزاء‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬الممتدة‭ ‬عبر‭ ‬الحياة،‭ ‬بدءا‭ ‬بالمرأة‭ ‬التي‭ ‬بدأ‭ ‬بها‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬بتشكل‭ ‬شخصيتها‭ ‬القلقة‭ ‬الصامتة‭ ‬المرتجفة،‭ ‬انتهاء‭ ‬بالخلاص‭ ‬الاختياري‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬لسيادة‭ ‬القهر‭ ‬والعنف‭ ‬الجندري،‭ ‬وأراد‭ ‬عبدعلي‭ ‬أن‭ ‬يختزلها‭ ‬في‭ ‬بطلته‭ ‬التي‭ ‬تتعدد‭ ‬اختناقاتها‭ ‬مستمدا‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬واقعية‭ ‬متداولة‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬مثل‭ ‬الاغتصاب،‭ ‬والزواج‭ ‬القسري،‭ ‬والنساء‭ ‬المعلقات،‭ ‬والمعنفات،‭ ‬والمطلقات،‭ ‬وضحايا‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الخطرة‭ ‬وجلها‭ ‬الإناث،‭ ‬والنظرة‭ ‬المجتمعية‭ ‬المؤلمة‭ ‬التي‭ ‬تجثم‭ ‬على‭ ‬صدر‭ ‬المرأة،‭ ‬وتدفعها‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬أسوأ‭ ‬القرارات‭ ‬وتنفيذها‭.‬

حسين‭ ‬عبدعلي‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬يهادن‭ ‬الواقع،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬مخاتلا‭ ‬في‭ ‬رؤيته‭ ‬للحدث‭ ‬الدرامي،‭ ‬فهو‭ ‬يحفر‭ ‬بعمق‭ ‬في‭ ‬الحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬التراجيدي؛‭ ‬لا‭ ‬ليفتح‭ ‬كوة‭ ‬ينبثق‭ ‬منها‭ ‬الضوء،‭ ‬وتقدم‭ ‬جرعات‭ ‬من‭ ‬بصيص‭ ‬أمل‭ ‬ينتشل‭ ‬المرأة‭ ‬من‭ ‬واقعها‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البائس،‭ ‬بل‭ ‬يحفر‭ ‬وبقوة‭ ‬ليعمّق‭ ‬المأساة،‭ ‬ويسد‭ ‬كل‭ ‬فجوة‭ ‬ممكن‭ ‬أن‭ ‬يتسرب‭ ‬فيها‭ ‬نور‭ ‬يحتضن‭ ‬المرأة،‭ ‬فالمحقق‭ ‬وموظفا‭ ‬الفندق‭ ‬ووالدها‭ ‬والقاضي،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذكور‭ ‬كلهم‭ ‬اجتمعوا‭ ‬عليها،‭ ‬وتصلبوا‭ ‬أمامها،‭ ‬واتخذوا‭ ‬مواقف‭ ‬سلبية‭ ‬حيالها؛‭ ‬لتبقى‭ ‬وحيدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الزخم‭ ‬الشعوري‭ ‬المحبط؛‭ ‬والانتكاسة‭ ‬المصيرية‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬فيها،‭ ‬ولم‭ ‬يتركوا‭ ‬لها‭ ‬مجالا‭ ‬لمراجعة‭ ‬النفس،‭ ‬العمل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مولودراميا،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬واقعيا‭ ‬صريحا‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬منتشرة،‭ ‬وربما‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أكثر‭ ‬تراجيدية‭ ‬مما‭ ‬ضمه‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي،‭ ‬فهو‭ ‬وضع‭ ‬حدا‭ ‬صارما‭ ‬لتلك‭ ‬الحياة‭ ‬كما‭ ‬وضعتها‭ ‬الضحية‭ ‬الفتاة‭ ‬المصرية‭ ‬البريئة‭ ‬التي‭ ‬فضلت‭ ‬الانتحار‭ ‬على‭ ‬نظرة‭ ‬أهلها‭ ‬والمجتمع‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فبرك‭ ‬أحدهم‭ ‬صورها‭ ‬ظلما‭ ‬وعدوانا‭ ‬ليبتزها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬غرائزه‭ ‬البهيمية‭ ‬في‭ ‬واقعة‭ ‬هزت‭ ‬المجتمع‭ ‬المصري‭ ‬والوطن‭ ‬العربي‭.‬

يتشكل‭ ‬مكان‭ ‬الحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬الذي‭ ‬يأخذ‭ ‬رمزية‭ ‬الإقامة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬وربما‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬تنم‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬اللا‭ ‬استقرار،‭ ‬وذلك‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬النهاية‭ ‬والخلاص،‭ ‬ففيه‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬صخب‭ ‬الحياة،‭ ‬وفوضوية‭ ‬البشر،‭ ‬ونهاية‭ ‬العابرين‭ ‬والخلاص‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬الحياة‭ ‬باختيار‭ ‬الطريقة‭ ‬المثلى‭ ‬للانتحار‭ ‬بهدوء‭ ‬وترو‭ ‬مع‭ ‬تدخين‭ ‬سيجارة‭ ‬أخيرة‭.‬

هنالك‭ ‬انتحر‭ ‬كثيرون‭ ‬وبطرق‭ ‬مختلفة،‭ ‬وقد‭ ‬اعتاد‭ ‬موظفو‭ ‬الفندق‭ ‬الذكور‭ ‬على‭ ‬رائحة‭ ‬الموت،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اشمئزاز‭ ‬أو‭ ‬ارتباك،‭ ‬ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬الانتحار‭ ‬على‭ ‬العنصر‭ ‬النسوي،‭ ‬كالجدة‭ ‬وسواها،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬العنصر‭ ‬الرجالي‭ ‬لهم‭ ‬نصيب،‭ ‬كطباخ‭ ‬المطعم‭.‬

ليس‭ ‬مهما‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬أسماء‭ ‬لشخصيات‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي،‭ ‬فعلى‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬يتحسس‭ ‬نفسه،‭ ‬ويستشعر‭ ‬رقبته،‭ ‬ويفتش‭ ‬عن‭ ‬ذاته،‭ ‬وذاكرته‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬المعيشية‭ ‬اليوم،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬معاناة‭ ‬المرأة‭ ‬وقضاياها‭ ‬الكثيرة‭ ‬الممتدة‭ ‬عبر‭ ‬حقب‭ ‬التاريخ،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تجسيد‭ ‬لكل‭ ‬البشرية‭ ‬المتخمة‭ ‬بالألم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬قراءته‭ ‬من‭ ‬العنوان‭ (‬هاراكيري‭) ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬انتحار‭ ‬الساموراي‭ ‬الياباني‭ ‬الغريبة‭ ‬الدامية‭ ‬بعد‭ ‬هزيمته،‭ ‬إذ‭ ‬يفضل‭ ‬أن‭ ‬يشق‭ ‬بطنه‭ ‬بخنجره‭ ‬بطريقة‭ (‬مقرفة‭)‬؛‭ ‬ليستعيد‭ ‬كرامته،‭ ‬أو‭ ‬يطهر‭ ‬مساوئه‭ ‬وإخفاقاته‭ ‬العسكرية،‭ ‬وإن‭ ‬قلنا‭ ‬الساموراي‭ ‬فهو‭ ‬البطل‭ ‬والقائد‭ ‬الكبير،‭ ‬وهذا‭ ‬يذكرني‭ ‬بقول‭ ‬المتنبي‭ ‬متبرما‭:‬

كفى‭ ‬بك‭ ‬داء‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬الموت‭ ‬شافيا‭ ‬

‭           ‬وحسب‭ ‬المنايا‭ ‬أن‭ ‬يكن‭ ‬أمانيا

خلت‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬طاولة‭ ‬وكرسيين،‭ ‬تتشكل‭ ‬الأحداث‭ ‬عليها‭ ‬وحولها،‭ ‬فهي‭ ‬منطقة‭ ‬الألم‭ ‬التي‭ ‬تتكدس‭ ‬عليها‭ ‬الآلام‭ ‬والمعاناة،‭ ‬وليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬كفنا‭ ‬أو‭ ‬تابوتا‭ ‬كمكان‭ ‬مستقر‭ ‬للخلاص‭ ‬والسكينة‭ ‬بعد‭ ‬العذابات‭ ‬والمعاناة‭ ‬الأليمة؛‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬التابوت‭ ‬أبيض‭ (‬استعمال‭ ‬البانيو‭ ‬عادة‭ ‬للراحة‭ ‬والاستجمام‭) ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬محارب‭ ‬الساموراي‭ ‬أثناء‭ ‬الانتحار،‭ ‬والتي‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬الدعة‭ ‬والسلام‭.‬

وهناك‭ ‬اشتغال‭ ‬مسرحي‭ ‬جميل‭ ‬في‭ ‬الإضاءة‭ ‬الخافتة‭ ‬المتنقلة،‭ ‬وقرع‭ ‬الناقوس‭ ‬الذي‭ ‬يشي‭ ‬بالقلق‭ ‬والارتياب،‭ ‬والعزف‭ ‬على‭ ‬الآلة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الهرمونيكا‭ ‬أثناء‭ ‬رواية‭ ‬حادثة‭ ‬الاغتصاب‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬حالة‭ ‬الاسترخاء‭ ‬للجاني،‭ ‬وما‭ ‬يقابله‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬للضحية،‭ ‬وكانت‭ ‬مشهدية‭ ‬رائعة‭ ‬بإضاءتها‭ ‬المميزة‭ ‬حينما‭ ‬أطلقت‭ ‬البطلة‭ ‬الفقاعات‭ ‬البلورية‭ ‬الفارغة؛‭ ‬لتصور‭ ‬لنا‭ ‬معنى‭ ‬الحياة‭ ‬المؤقتة‭ ‬التي‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى،‭ ‬برغم‭ ‬جمالها‭ ‬وانسيابها‭ ‬وألوانها‭ ‬المختلفة؛‭ ‬فتتلاشى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تكبر‭ ‬وتصعد‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى،‭ ‬وتتطاير‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭ ‬أو‭ ‬غاية‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬النهاية‭ ‬الطبيعية‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬رغم‭ ‬جمالها‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمكث‭ ‬بفائدة‭ ‬مرجوة،‭ ‬فهو‭ ‬تصور‭ ‬لعبثية‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬يتلوى‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬ألما‭ ‬ومعاناة‭ ‬طيلة‭ ‬بقائه،‭ ‬وكأنما‭ ‬وجد‭ ‬الإنسان‭ ‬ليشقى،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أقراص‭ ‬البندول‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬نازلي‭ ‬الفندق‭ ‬وربما‭ ‬الجميع‭ ‬يحمل‭ ‬تلك‭ ‬الأقراص‭ ‬المهدئة‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬الحياتية‭ ‬وتعقيداتها‭.‬

لقد‭ ‬كثّف‭ ‬المخرج‭ ‬الفضاء‭ ‬المسرحي‭ ‬المسود‭ ‬والمتماهي‭ ‬مع‭ ‬الحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬جاعلا‭ ‬من‭ ‬الظلمة‭ ‬غلافا‭ ‬لا‭ ‬خروج‭ ‬لأحد‭ ‬منه،‭ ‬فالموت‭ ‬أو‭ ‬الانتحار‭ ‬يتم‭ ‬ليلا،‭ ‬وقبل‭ ‬الشروق،‭ ‬والإضاءة‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬محدودة‭ ‬النطاق‭ ‬المكاني،‭ ‬ليس‭ ‬بحاجة‭ ‬إليها‭ ‬كثيرا،‭ ‬إن‭ ‬المنتحر‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلان‭ ‬قبل‭ ‬الانتحار،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جلبة‭ ‬وإضاءة،‭ ‬وما‭ ‬يكفيه‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬تكون‭ ‬بسيطة،‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬شفرة‭ ‬الحلاقة،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬استعمال‭ ‬تعقيدات‭ ‬لتنفيذه‭ ‬كالمشنقة‭ ‬أو‭ ‬طلقات‭ ‬الرصاص‭ ‬وغيرها‭.‬

لغة‭ ‬الحوار‭ ‬المسرحي‭ ‬كانت‭ ‬إجمالا‭ ‬عربية‭ ‬فصحى‭ (‬تتعدد‭ ‬الأخطاء‭ ‬النحوية‭ ‬في‭ ‬الحوارات،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يسلم‭ ‬منه‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭ ‬باللغة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭) ‬مع‭ ‬إقحام‭ ‬بعض‭ ‬الحوارات‭ ‬باللهجة‭ ‬العامية،‭ ‬وقد‭ ‬استخدمها‭ ‬بيضاء‭ ‬مفهومة‭ ‬للجميع،‭ ‬عدا‭ ‬كلمة‭ (‬مضروبة‭) ‬الطبق‭ ‬البحريني‭ ‬الشعبي‭ ‬المعروف،‭ ‬ولم‭ ‬يختر‭ ‬عبدعلي‭ ‬الاسم‭ ‬اعتباطا‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬بل‭ ‬لرمزيتها‭ (‬اللغوية‭) ‬اسم‭ ‬مفعول‭ ‬من‭ ‬الضرب،‭ ‬فهي‭ ‬تطلب‭ ‬تلك‭ ‬الطبخة‭ ‬لتبيان‭ ‬حالها‭ ‬المأساوي‭ ‬المعنّف؛‭ ‬المتماهي‭ ‬معها؛‭ ‬ولتشير‭ ‬إلى‭ ‬قسوة‭ ‬واقعها‭ (‬الضرب‭ ‬والعنف‭ ‬ضد‭ ‬النساء‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬لطمها‭ ‬فعلا‭ ‬حبيبها‭ ‬الخائن،‭ ‬واستخدم‭ ‬القوة‭ ‬معها‭ ‬أثناء‭ ‬الاغتصاب‭ ‬وسط‭ ‬نداءات‭ ‬الترجي‭ ‬والاستعطاف‭ ‬لئلا‭ ‬يواصل‭ ‬فعلته‭ ‬اللعينة‭.‬

وتبقى‭ ‬هنالك‭ ‬إشكالية‭ ‬قذفها‭ ‬المؤلف‭ / ‬المخرج‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المتلقي‭ ‬المتمثلة‭ ‬بحالة‭ ‬قيمية‭ ‬إنسانية،‭ ‬وهي‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬طريقة‭ ‬نهاية‭ ‬حياته،‭ ‬وهل‭ ‬الانتحار‭ ‬مقبول‭ ‬كقيمة‭ ‬أخلاقية،‭ ‬وهل‭ ‬ممكن‭ ‬تبرير‭ ‬ذلك‭ ‬إنسانيا،‭ ‬ومن‭ ‬المؤمل‭ ‬ان‭ ‬تتضارب‭ ‬الآراء‭ ‬وتتنافر‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الحالة‭ ‬الثقافية‭ ‬والقيمية‭ ‬للمتلقي،‭ ‬وربما‭ ‬ينقسم‭ ‬المتلقون‭ ‬إلى‭ ‬متفهم‭ ‬لما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬البطلة،‭ ‬وقسم‭ ‬يراه‭ ‬عملا‭ ‬جبانا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬ضعف‭ ‬الإرادة،‭ ‬والشخصية‭ ‬المهلهلة‭.‬

مسرحية‭ (‬هاراكيري‭) ‬عرض‭ ‬جميل‭ ‬استطاع‭ ‬المؤلف‭/ ‬المخرج‭ ‬أن‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬وفنيات‭ ‬الإخراج‭ ‬الإبداعية،‭ ‬وإجادة‭ ‬الممثلين‭ ‬لأدوارهم،‭ ‬وتعايشهم‭ ‬معها،‭ ‬مع‭ ‬تركيزه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسرحية‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬القضية‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مواربة‭ ‬ولا‭ ‬غموض،‭ ‬وجعلها‭ ‬بارزة،‭ ‬ولم‭ ‬يتعمق‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬الرمزية‭ ‬بحيث‭ ‬يخفي‭ ‬القضية‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى،‭ ‬ولم‭ ‬يقشر‭ ‬البرتقالة‭ ‬ليلقمها‭ ‬المتلقي‭ ‬بسهولة،‭ ‬بل‭ ‬ترك‭ ‬أسئلة‭ ‬وإيحاءات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬المتلقي‭ ‬فكره‭ ‬في‭ ‬تفسيرها‭ ‬ومقاربتها‭. ‬لا‭ ‬غرابة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يبدع‭ ‬الأستاذ‭ ‬حسين‭ ‬عبدعلي‭ ‬وطاقمه‭ ‬الجميل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬وسواه،‭ ‬فهو‭ ‬الفنان‭ ‬المسرحي‭ ‬ممثلا‭ ‬ومخرجا‭ ‬وكاتبا،‭ ‬وكذلك‭ ‬السينمائي‭ ‬تمثيلا‭ ‬وإخراجا،‭ ‬والروائي‭ ‬والقاص‭ ‬والشاعر‭ ‬والرسام‭ ‬التشكيلي‭ ‬والمثقف‭ ‬المطلع‭ ‬والمتابع‭ ‬للشأن‭ ‬الفني‭ ‬والثقافي‭ ‬والناقد‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تخصصه‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإعلام،‭ ‬متعدد‭ ‬المواهب‭ ‬والإمكانات‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أعماله‭ ‬منبثقة‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬فنية‭ ‬عميقة‭ ‬ودقيقة‭ ‬تحتاج‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها‭ ‬ودراستها‭ ‬بدقة‭ ‬ومسئولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news