العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الأطفال سيم سيم القطط؟

كنت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬قلة‭ ‬قليلة‭ ‬لم‭ ‬تتضايق‭ ‬من‭ ‬الانحباس‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الطاعة‭ ‬تفاديا‭ ‬لكورونا،‭ ‬وقد‭ ‬اعترفت‭ ‬مرارا‭ ‬بأنني‭ ‬صرت‭ ‬أو‭ ‬كدت‭ ‬أصير‭ ‬كائنا‭ ‬‮«‬غير‭ ‬اجتماعي‮»‬،‭ ‬بالمقاييس‭ ‬التي‭ ‬اعتبرها‭ ‬مختلة‭ ‬وتحكم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬زيد‭ ‬اجتماعي‭ ‬وعبيد‭ ‬غير‭ ‬اجتماعي‭ ‬بمدى‭ ‬تواجدهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬يتواجد‭ ‬فيه‭ ‬أصدقاؤهم‭ ‬ومعارفهم،‭ ‬ويقول‭ ‬لك‭ ‬أحدهم‭: ‬ما‭ ‬شفناك‭ ‬في‭ ‬خطوبة‭ ‬سهير،‭ ‬فترد‭ ‬عليه‭ ‬بكل‭ ‬حسن‭ ‬نية‭: ‬والله‭ ‬ما‭ ‬عندي‭ ‬خبر‭ ‬بأن‭ ‬سهير‭ ‬خطبوها؟‭ ‬فيكون‭ ‬التعقيب‭: ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬مواصل‭ ‬الناس‭ ‬كنت‭ ‬عرفت‭.. ‬هنا‭ ‬تركبني‭ ‬العفاريت‭: ‬ربنا‭ ‬يتمم‭ ‬فرحها‭ ‬بخير‭ ‬بس‭ ‬ما‭ ‬لي‭ ‬أنا‭ ‬وخطوبة‭ ‬سهير‭ ‬أو‭ ‬جرير‭ ‬أو‭ ‬الفرزدق؟

فمن‭ ‬أصعب‭ ‬الأشياء‭ ‬على‭ ‬نفسي‭ ‬أن‭ ‬أذهب‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬مزدحم‭ ‬بالناس،‭ ‬لأمكث‭ ‬فيه‭ ‬مدة‭ ‬طويلة،‭ ‬أعني‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬‮«‬الحفلات‮»‬،‭ ‬وبالتحديد‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج،‭ ‬وقد‭ ‬عرف‭ ‬أصدقائي‭ ‬الخلصاء‭ ‬عني‭ ‬هذا،‭ ‬وباتوا‭ ‬يتجاهلونني‭ ‬كلما‭ ‬أقاموا‭ ‬حفلاً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬نسميه‭ ‬عزومة‭ ‬أو‭ ‬عزيمة،‭ ‬فزادني‭ ‬ذلك‭ ‬قربا‭ ‬منهم‭ ‬ومودة‭ ‬لهم،‭ ‬وإذا‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬حفل‭ ‬كبير،‭ ‬فإنني‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬لقاء‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭ ‬وأقاربه‭ ‬بمجرد‭ ‬دخولي‭ ‬موقع‭ ‬الحفل،‭ ‬ثم‭ ‬أتسرب‭ ‬بهدوء‭ ‬ودون‭ ‬استئذان،‭ ‬لأن‭ ‬الداعي‭ ‬سيرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬العيب‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬لك‭ ‬بمغادرة‭ ‬الحفل‭ ‬قبل‭ ‬تناول‭ ‬الطعام،‭ ‬ولكنني‭ ‬أكون‭ ‬مضطراً‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬أو‭ ‬الوليمة‭ ‬الكبيرة،‭ ‬لأن‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭ ‬شخص‭ ‬حساس‭ ‬للغاية،‭ ‬أو‭ ‬تجمعني‭ ‬به‭ ‬صلة‭ ‬قرابة‭ ‬أو‭ ‬رحم‭ ‬ويعتبرني‭ ‬‮«‬مضيفاً‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬إنني‭ ‬لا‭ ‬أحس‭ ‬قط‭ ‬بالشبع‭ ‬في‭ ‬الحفلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬يقدمون‭ ‬فيها‭ ‬طعاماً‭ ‬ديكوراته‭ ‬أكثر‭ ‬وأجمل‭ ‬من‭ ‬محتواه،‭ ‬ربما‭ ‬لأنني‭ ‬أعتبر‭ ‬الأكل‭ ‬مسألة‭ ‬شخصية‭ ‬وخصوصية‭ ‬للغاية،‭ ‬ولا‭ ‬أحس‭ ‬بالراحة‭ ‬عند‭ ‬الأكل‭ ‬أمام‭ ‬غرباء،‭ ‬ويسبب‭ ‬لي‭ ‬هذا‭ ‬مشاكل‭ ‬مستمرة‭ ‬مع‭ ‬عيالي،‭ ‬كلما‭ ‬طلبوا‭ ‬اصطحابهم‭ ‬إلى‭ ‬مطعم،‭ ‬فإما‭ ‬أرفض‭ ‬الذهاب‭ ‬معهم،‭ ‬وإما‭ ‬أرافقهم‭ ‬ولكنني‭ ‬أطلب‭ ‬فاتورة‭ ‬الحساب‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكملوا‭ ‬تناول‭ ‬ثلثي‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬طلبوه‭.‬

وعلى‭ ‬كل‭ ‬حال‭ ‬فإن‭ ‬أمر‭ ‬ذلك‭ ‬هين،‭ ‬فهناك‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬أجامل‭ ‬فيها‭ ‬وقد‭ ‬يدعوني‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬حفل‭ ‬فأقوم‭ ‬باستجوابه‭ ‬حول‭ ‬عدد‭ ‬المدعوين‭ ‬ومدة‭ ‬الحفل،‭ ‬ثم‭ ‬أقول‭ ‬له‭: ‬آسف،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الزحمة‭!! ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬أفعل‭ ‬مع‭ ‬الحفلات‭ ‬النسائية‭ ‬الوبائية،‭ ‬ففي‭ ‬مواسم‭ ‬معينة‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يمر‭ ‬أسبوع‭ ‬دون‭ ‬تلقي‭ ‬زوجتي‭ ‬دعوة‭ ‬لتناول‭ ‬الطعام‭ ‬بمناسبة‭ ‬ودون‭ ‬مناسبة،‭ ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬أقوم‭ ‬بتوصيلها‭ ‬ذهاباً‭ ‬وإيابا،‭ ‬والمشكلة‭ ‬أنها‭ ‬تتلقى‭ ‬دعوة‭ ‬لحفل‭ ‬شاي‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬مساء،‭ ‬وبحكم‭ ‬الخبرة‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬صاحبة‭ ‬الدعوة‭ ‬قبل‭ ‬الثامنة،‭ ‬وتكون‭ ‬أول‭ ‬المدعوات‭ ‬وصولاً،‭ ‬ومعنى‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬أتفادى‭ ‬النوم‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلي‭ ‬التعليمات‭ ‬بإعادتها‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬غالباً‭. ‬ثم‭ ‬عليها‭ ‬ان‭ ‬ترد‭ ‬لهن‭ ‬الصاع‭ ‬صاعين‭ ‬بدعوتهن‭ ‬إلى‭ ‬بيتنا،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أبقى‭ ‬محدود‭ ‬الحركة‭ ‬داخل‭ ‬بيتي‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬محتلا‭ ‬نسائيا‭.‬

ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬أمره‭ ‬هين،‭ ‬ولكن‭ ‬جاءتني‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬قارئ‭ ‬عبر‭ ‬البريد‭ ‬الإلكتروني‭ ‬تفيدني‭ ‬بأمر‭ ‬مستجد‭ ‬في‭ ‬الحفلات،‭ ‬ألا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الدعوة‭ ‬تنتهي‭ ‬بعبارة‭ ‬‮«‬يرجى‭ ‬عدم‭ ‬اصطحاب‭ ‬القطط‭ ‬والكلاب‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يرجو‭ ‬صاحب‭ ‬الدعوة‭ ‬عدم‭ ‬اصطحاب‭ ‬الأطفال،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬حفلات‭ ‬كان‭ ‬خلالها‭ ‬عيال‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجنسيات‭ ‬يتصرفون‭ ‬كما‭ ‬قطط‭ ‬ضالة،‭ ‬لأن‭ ‬ذويهم‭ ‬يعتبرون‭ ‬صالات‭ ‬الحفلات‭ ‬حدائق‭ ‬عامة‭ ‬ويقولون‭ ‬لصغارهم‭ ‬الذين‭ ‬يصطحبونهم‭: ‬روح‭ ‬ألعب‭ ‬هناك‭ ‬جنب‭ ‬العروس‭! ‬والرجاء‭ ‬بـ«عدم‭ ‬اصطحاب‭ ‬القطط‭ ‬والكلاب‮»‬‭ ‬أسلوب‭ ‬ملتوِ‭ ‬المراد‭ ‬منه‭: ‬عيالكم‭ ‬مثل‭ ‬القطط‭ ‬والكلاب‭ ‬فارحمونا‭ ‬ولا‭ ‬تأتوا‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬الحفل‭.‬

وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬المدعوين‭ ‬ستكون‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭: ‬عدم‭ ‬تلبية‭ ‬الدعوة‭ ‬لأنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬‮«‬يحرس‮»‬‭ ‬العيال،‭ ‬أو‭ ‬تجاهل‭ ‬رجاء‭ ‬عدم‭ ‬اصطحاب‭ ‬الأطفال،‭ ‬وهناك‭ ‬أمهات‭ ‬وآباء‭ ‬لا‭ ‬يحبون‭ ‬أن‭ ‬يتركوا‭ ‬عيالهم‭ ‬في‭ ‬رعاية‭ ‬الخادمات‭ ‬ليلاً،‭ ‬ويقول‭ ‬صاحب‭ ‬الرسالة‭ ‬إن‭ ‬تفشي‭ ‬تلك‭ ‬العبارة‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬العنوسة‭ ‬لأن‭ ‬هواة‭ ‬السهر‭ ‬والحفلات‭ ‬سيحجمون‭ ‬عن‭ ‬الزواج‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإنجاب،‭ ‬والإنجاب‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬الحفلات،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬في‭ ‬الختام‭ ‬أن‭ ‬أعترف‭ ‬بأنني‭ ‬طرقت‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬اقترحه‭ ‬عليّ‭ ‬وعدني‭ ‬بعشاء‭ ‬فاخر‭ ‬لو‭ ‬كتبت‭ ‬فيه‭ ‬وحوله،‭ ‬ويسرني‭ ‬أن‭ ‬أقبل‭ ‬الدعوة‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أنا‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬رأس‮»‬‭ ‬أي‭ ‬بمفردنا،‭ ‬وبشرط‭ ‬ألا‭ ‬يصطحب‭ ‬أطفاله‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news