العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

(النفط) جوهر صراع المصالح الدولية والداخلية في ليبيا

هناك‭ ‬دولٌ‭ ‬يكونُ‭ ‬النفطُ‭ ‬في‭ ‬أراضيها‭ ‬عاملَ‭ ‬نعمة‭ ‬واستقرارٍ‭ ‬ورفاهية‭ ‬لشعوبِها‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وبقية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬هناك‭ ‬دولٌ‭ ‬يكونُ‭ ‬النفطُ‭ ‬في‭ ‬أراضيها‭ ‬عاملَ‭ (‬نقمة‭) ‬وشؤم‭ ‬وسببًا‭ ‬للصراعِ‭ ‬السياسي‭ ‬والقتالِ‭ ‬بين‭ ‬شعوبِها،‭ ‬وصراع‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬للسيطرة‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدول،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدولِ‭ (‬فنزويلا‭) ‬التي‭ ‬تعدُّ‭ ‬منتجًا‭ ‬للنفط،‭ ‬ولكنها‭ ‬تستوردُ‭ ‬النفطَ‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬بسبب‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬الداخلية،‭ ‬وبسبب‭ ‬رغبة‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬هناك‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الدولِ‭ ‬العربيَّةِ‭ ‬التي‭ ‬يعدُّ‭ ‬النفطُ‭ ‬عاملَ‭ (‬نقمة‭) ‬عليها‭ ‬هي‭ (‬ليبيا‭)‬،‭ ‬فهي‭ ‬تمتلكُ‭ ‬أجودَ‭ ‬أنواعِ‭ ‬النفطِ‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬ولكنها‭ ‬ابتُليت‭ ‬بكونها‭ ‬إحدى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬الرئيسُ‭ ‬الأمريكي‭ (‬باراك‭ ‬أوباما‭) ‬في‭ ‬أجندتِه‭ ‬التدميريةِ‭ ‬بإسقاط‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭ ‬فيما‭ ‬يسمى‭ (‬بربيع‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭)! ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬وقام‭ ‬حلفُ‭ ‬الناتو‭ ‬بقصفِ‭ ‬ليبيا‭ ‬بطائراته‭ ‬المقاتلة‭ ‬وأسقط‭ ‬نظامَ‭ (‬القذافي‭) ‬تاركًا‭ ‬ليبيا‭ ‬تعيشُ‭ ‬حمام‭ ‬دمٍ‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭.. ‬وكانت‭ ‬حجة‭ ‬أمريكا‭ ‬والناتو‭ ‬والغرب‭ ‬عمومًا‭ ‬هو‭ ‬تخليصُ‭ ‬الشعب‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ (‬دكتاتور‭).. ‬فإذا‭ ‬بهم‭ ‬يصنعون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دكتاتور‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وسط‭ ‬صراعٍ‭ ‬على‭ ‬بحيرة‭ ‬نفطية‭ ‬تسيل‭ ‬لعابَ‭ ‬دولٍ‭ ‬أوروبية‭ ‬وإقليمية‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الليبي‭.. ‬ومثلما‭ ‬فعل‭ ‬الغربُ‭ ‬مع‭ ‬اليمن‭ ‬بإبقاء‭ ‬الوضع‭ ‬فيه‭ (‬لا‭ ‬غالب‭ ‬ولا‭ ‬مغلوب‭) ‬كذلك‭ ‬يفعلُ‭ ‬الغربُ‭ ‬حاليًا‭ ‬مع‭ ‬ليبيا‭.. ‬أي‭ ‬إبقاء‭ ‬الوضع‭ ‬فيه‭ (‬لا‭ ‬غالب‭ ‬ولا‭ ‬مغلوب‭) ‬لكي‭ ‬يصبح‭ ‬الغرب‭ ‬وقوى‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى‭ (‬مثل‭ ‬تركيا‭) ‬المتحكم‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬الليبي‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬عام‭ ‬2021‭ ‬عامَ‭ ‬تفاؤلٍ‭ ‬بصنع‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬ونهاية‭ ‬الصراعات‭ ‬العسكرية،‭ ‬والدخول‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬برلمانية‭ ‬وأخرى‭ ‬رئاسية‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬وشاهدنا‭ ‬علاماتٍ‭ ‬إيجابية‭ ‬في‭ ‬حدوث‭ ‬مصالحات‭ ‬داخلية،‭ ‬أبرزها‭ ‬مصالحة‭ ‬المشير‭ ‬خليفة‭ ‬حفتر‭ ‬مع‭ (‬فتحي‭ ‬باشاغا‭) ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وزيرًا‭ ‬للداخلية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ (‬فايز‭ ‬السراج‭) ‬السابقة،‭ ‬ولكن‭ ‬ظل‭ ‬صراع‭ ‬المصالح‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الخفاء،‭ ‬وحال‭ ‬دون‭ ‬إنجاح‭ ‬مسيرة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬عاملُ‭ ‬المصالحِ‭ ‬الشخصية‭ ‬وتذوق‭ ‬حلاوة‭ ‬طعم‭ ‬كرسي‭ ‬السلطة‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬المؤقتة‭ (‬عبدالحميد‭ ‬الدبيبة‭)‬،‭ ‬والذي‭ ‬كانت‭ ‬مهمته‭ ‬ومهمة‭ ‬المجلس‭ ‬الرئاسي‭ ‬هي‭ ‬التحضيرُ‭ ‬للانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬والرئاسية‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬يحق‭ ‬لهم‭ ‬الترشح‭ ‬للانتخابات،‭ ‬فإذا‭ ‬بنا‭ ‬نجد‭ (‬الدبيبة‭) ‬يعلنُ‭ ‬ترشُّحَه‭ ‬في‭ ‬منافسات‭ ‬منصب‭ ‬الرئاسة‭!! ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬بحسب‭ ‬اتفاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ولكن‭ ‬مثلما‭ ‬قلنا‭ ‬تذوق‭ ‬طعم‭ ‬السلطة‭ ‬يصبح‭ ‬مثل‭ ‬الإدمان‭ ‬في‭ ‬بحيرة‭ ‬النفط‭ ‬الليبية‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬اللاعبين‭ ‬الدوليين‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وتركيا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬وروسيا‭ ‬لم‭ ‬يحسموا‭ ‬خلافاتهم‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ (‬وخصوصا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بكعكة‭ ‬النفط‭) ‬داخل‭ ‬ليبيا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬وجدنا‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬المربع‭ ‬الأول‭ (‬حكومة‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬برئاسة‭ ‬الدبيبة‭ ‬الذي‭ ‬رفض‭ ‬الاستقالة‭)‬،‭ ‬وحكومة‭ ‬أخرى‭ ‬برئاسة‭ ‬فتحي‭ ‬باشاغا‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬البرلمان‭ ‬الليبي‭! ‬و«كأنك‭ ‬يا‭ ‬بوزيد‭ ‬ما‭ ‬غزيت‮»‬‭! ‬وعدنا‭ ‬إلى‭ ‬الصراع‭ ‬العسكري‭ ‬القديم،‭ ‬ومنذ‭ ‬يومين‭ ‬اندلعت‭ ‬اشتباكات‭ ‬مسلحة‭ ‬عنيفة‭ ‬استمرت‭ ‬ساعات‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مليشيات‭ (‬الدبيبة‭) ‬لمنع‭ (‬باشاغا‭) ‬من‭ ‬دخول‭ ‬مدينة‭ ‬طرابلس‭ ‬لممارسة‭ ‬مهامه‭ ‬الرسمية‭ ‬كرئيس‭ ‬للحكومة‭ ‬معين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البرلمان،‭ ‬واندلعت‭ ‬اشتباكات‭ ‬مسلحة‭ ‬بين‭ (‬القوة‭ ‬الثامنة‭) ‬وهي‭ ‬مجموعة‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬مؤيدة‭ ‬لباشاغا‭ ‬مع‭ ‬مليشيات‭ ‬مسلحة‭ ‬مؤيدة‭ ‬للدبيبة‭!! ‬اضطر‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ (‬باشاغا‭) ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬حقنًا‭ ‬للدماء‭.‬

لو‭ ‬كانت‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬مقام‭ (‬الصومال‭) ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬حربًا‭ ‬أهلية‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬لما‭ ‬التفت‭ ‬إليه‭ ‬الغرب‭ ‬وعقد‭ ‬المؤتمرات‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬ولكن‭ ‬مشكلة‭ ‬ليبيا‭ ‬أنه‭ ‬بلد‭ ‬غني‭ ‬جدا‭ ‬بالنفط‭ ‬يسكنه‭ ‬7‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬جغرافية‭ ‬مترامية‭ ‬الأطراف،‭ ‬ويصعب‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬موانئه‭ ‬وحدوده‭ ‬البرية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الغرب‭ ‬لديه‭ ‬مخططات‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تقسيم‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬دويلات‭ ‬عدة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تسترجع‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬قوتها‭ ‬المركزية‭ ‬القديمة‭ ‬وتتقاسم‭ ‬الشركات‭ ‬الغربية‭ ‬غنائم‭ ‬احتكار‭ ‬إنتاج‭ ‬وتصدير‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬الليبي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news