العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

نـمـاذج الـديـمـقـراطـيـة الـطـائـفـيـة الـبــغـيـضــة

هل‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ (‬الديمقراطية‭) ‬التي‭ ‬يروج‭ ‬لها‭ ‬الغرب‭ (‬وأمريكا‭ ‬تحديدًا‭) ‬طريقًا‭ ‬صحيحًا‭ ‬لاستقرار‭ ‬الشعوب‭ ‬وأمنها‭ ‬ورفاهية‭ ‬عيش‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأخرى؟

طبعًا‭ ‬كلا‭.. ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬السياسية‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الغربي‭ ‬للديمقراطية‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬أنظمة‭ ‬حكم‭ ‬طائفية‭ ‬فاسدة،‭ ‬أبرزها‭ ‬النموذج‭ ‬المشوه‭ ‬للديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬لبنان‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أقدم‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أخذت‭ ‬بالنظام‭ ‬الجمهوري‭ ‬الانتخابي‭ ‬بعد‭ ‬الانتداب‭ ‬الفرنسي،‭ ‬فإنه‭ ‬نظام‭ ‬انتخابي‭ ‬برلماني‭ ‬متقعر‭ ‬في‭ ‬الطائفية‭ ‬البغيضة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬توزيع‭ ‬المناصب‭ ‬السيادية‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬بحسب‭ ‬التوزيع‭ ‬الطائفي،‭ ‬رئيس‭ ‬الجهورية‭ ‬يكون‭ (‬مسيحيا‭ ‬مارونيا‭)‬،‭ ‬ورئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬يكون‭ (‬شيعيا‭)‬،‭ ‬ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬السنية‭! ‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬هذه‭ ‬التوازنات‭ ‬من‭ ‬الاختلال‭ ‬الهيكلي‭ ‬والتجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬اللبنانية‭ ‬الطويلة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1975‭ ‬و1990،‭ ‬وقُتل‭ ‬فيها‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬اللبنانيين‭ ‬وتشرد‭ ‬ملايين‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬بقاع‭ ‬الأرض،‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬عادت‭ ‬الأحزاب‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬التهادن،‭ ‬بحسب‭ ‬‮«‬اتفاق‭ ‬الطائف‮»‬،‭ ‬عادوا‭ ‬أيضًا‭ ‬بتوزيع‭ ‬طائفي‭ ‬بنسخة‭ ‬كربونية‭ ‬مكررة‭ ‬للنظام‭ ‬الطائفي‭ ‬القديم،‭ ‬وانشغلت‭ ‬الأحزاب‭ ‬وقياداتها‭ ‬وزعماؤها‭ ‬بنهب‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬وتراكم‭ ‬ثرواتها‭ ‬الطائلة‭ ‬في‭ ‬حساباتهم‭ ‬المصرفية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تاركين‭ ‬لبنان‭ ‬والشعب‭ ‬اللبناني‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تدهور‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومعيشي‭ ‬وفقر‭ ‬وبطالة،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬إفلاس‭ ‬مالي‭ ‬حقيقي‭ ‬لميزانية‭ ‬الدولة،‭ ‬ومصرفها‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬استولى‭ ‬على‭ ‬مدخرات‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬اللبنانية‭.. ‬وتركهم‭ ‬بلا‭ ‬نقود‭! ‬وللأسف‭ ‬جاءت‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬لتكرس‭ ‬حكم‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الفاسدة‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬مع‭ ‬رتوش‭ ‬صغيرة‭ ‬متناثرة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭.. ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬نفس‭ ‬الأحزاب‭ ‬الطائفية‭ ‬المتحالفة‭ ‬مع‭ (‬حزب‭ ‬الله‭ ‬اللبناني‭) ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬اللبنانية‭ ‬المفلسة‭ ‬والعاجزة‭.‬

النموذج‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الطائفية‭ ‬صنعته‭ (‬أمريكا‭) ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬احتلاله‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬الجيش‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجيش‭ ‬البريطاني‭ ‬عام‭ ‬2003‭.. ‬فقد‭ ‬صنعت‭ ‬أمريكا‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬طائفي‭ ‬بغيض‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬ولا‭ ‬يقل‭ ‬تخلفًا‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أكثر‭ ‬سوءًا‭ ‬منه،‭ ‬ووزعت‭ (‬واشنطن‭) ‬المناصب‭ ‬بالطريقة‭ ‬اللبنانية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية،‭ ‬ورئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬السنية،‭ ‬ورئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬من‭ (‬الأكراد‭)! ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كانت‭ ‬أمور‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬تدار‭ ‬بشكل‭ ‬طائفي‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ (‬حزب‭ ‬الله‭) ‬هو‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬فإن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الطائفية‭ (‬الأمريكية‭) ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أعطت‭ ‬إيران،‭ ‬ومليشيات‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬لاحقًا،‭ ‬سلطة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭ ‬في‭ ‬العراق‭.. ‬فصارت‭ ‬إيران‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬لبنان‭! ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬العراق‭! ‬وصار‭ ‬قائد‭ ‬فيلق‭ ‬القدس‭ ‬بالحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ (‬قاسم‭ ‬سليماني‭ ‬سابقًا،‭ ‬وإسماعيل‭ ‬قاآني‭ ‬حاليا‭) ‬هما‭ ‬من‭ ‬كانا‭ ‬يحددان‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬العراق‭! ‬وها‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بلا‭ ‬حكومة‭ ‬منذ‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬الأخيرة،‭ ‬التي‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬انتظارها‭ ‬شهورا،‭ ‬وقد‭ ‬تدخل‭ ‬عاما‭ ‬بأكمله‭ ‬في‭ ‬مراوحات‭ ‬وسجالات‭ ‬وصراعات‭ ‬وحرب‭ ‬مليشيات‭ ‬وتفجيرات‭ ‬إرهابية‭ ‬بسبب‭ ‬إصرار‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬رجلها‭ ‬الوفي‭ (‬نوري‭ ‬المالكي‭) ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭!!‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬نماذج‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الطائفية‭ ‬التي‭ ‬تروج‭ ‬لها‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬عمومًا‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭.. ‬نماذج‭ ‬حكم‭ ‬فاسدة‭ ‬وطائفية‭ ‬بغيضة،‭ ‬وقد‭ ‬كادت‭ (‬البحرين‭) ‬تقع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفخ‭ ‬الطائفي‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬حين‭ ‬روج‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ (‬باراك‭ ‬أوباما‭) ‬ووزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬آنذاك‭ (‬هيلاري‭ ‬كلينتون‭) ‬لتسويق‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬طائفي‭ ‬مماثل‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬مشابه‭ ‬تمامًا‭ ‬لنظام‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وعملت‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬آنذاك‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬وتمكين‭ ‬قوى‭ ‬طائفية‭ ‬ممولة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬ومدعومة‭ ‬ماليًّا‭ ‬ولوجستيًّا‭ ‬وعقائديًّا‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني،‭ ‬بل‭ ‬وتدريب‭ ‬إيران‭ ‬لعناصر‭ ‬إرهابية‭ ‬على‭ ‬السلاح‭ ‬واستخدام‭ ‬المتفجرات‭ ‬في‭ ‬البحرين‭.. ‬حقًا‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬أو‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تزرع‭ ‬أمريكا‭ ‬فيها‭ ‬آنذاك‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬طائفي‭ ‬إيراني‭ ‬استنساخًا‭ ‬لما‭ ‬فعلته‭ ‬في‭ ‬العراق‭!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news