العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

مسافات

عبدالمنعم ابراهيم

أمريكا تسعى إلى إفشال صفقة «التمساح» العسكرية بين السعودية والصين

العالمُ‭ ‬بأكملِه‭ ‬يفكرُ‭ ‬في‭ ‬مصالحِه‭ ‬أولًا‭.. ‬وكلُّ‭ ‬دولةٍ‭ ‬حاليًا‭ ‬تفكرُ‭ ‬بشكلٍ‭ ‬برجماتي‭ ‬في‭ ‬علاقتها‭ ‬بالدول‭ ‬الأخرى‭.. ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المصالحِ‭ ‬السياسيًّةِ‭ ‬أو‭ ‬العسكريَّةِ‭ ‬أو‭ ‬الاقتصاديَّة‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيَّة،‭ ‬وهذا‭ ‬ينطبقُ‭ ‬على‭ ‬الدولِ‭ ‬الكبرى‭ ‬أيضًا،‭ ‬وكلنا‭ ‬يتذكرُ‭ ‬الأزمةَ‭ ‬السياسيَّةَ‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وأمريكا‭ ‬وأستراليا‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬حين‭ ‬ألغت‭ ‬أستراليا‭ ‬صفقة‭ ‬عسكرية‭ ‬مبرمة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬فرنسا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سابق‭ ‬لشراء‭ ‬غواصات‭ ‬تقليدية‭ ‬فرنسية‭ ‬تُقدّر‭ ‬بالمليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬واستبدلتها‭ ‬بصفقة‭ ‬غواصات‭ ‬أمريكية‭ ‬تعملُ‭ ‬بالطاقةِ‭ ‬النووية‭ ‬مقابل‭ ‬مليارات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الدولارات،‭ ‬وحينها‭ ‬غضبت‭ ‬فرنسا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التصرفِ‭ (‬الأسترالي‭ ‬‭ ‬الأمريكي‭) ‬واعتبرته‭ (‬طعنةً‭ ‬في‭ ‬الظهر‭)‬،‭ ‬وتم‭ ‬سحبُ‭ ‬السفراء‭ ‬في‭ ‬أستراليا‭ ‬وأمريكا‭ ‬للتشاور‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭.. ‬وطبعًا‭ ‬كلنا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ (‬واشنطن‭) ‬فكَّرت‭ ‬في‭ ‬مصالحِها‭ ‬التجاريَّةِ‭ ‬والاقتصاديَّةِ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الصفقةِ‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬علاقتها‭ ‬مع‭ ‬فرنسا‭ ‬كبلدٍ‭ ‬صديق‭.. ‬أي‭ ‬أن‭ (‬واشنطن‭) ‬باعت‭ ‬مفهومَ‭ (‬الصداقة‭) ‬مقابل‭ ‬كسب‭ ‬مليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬من‭ ‬أستراليا‭!! ‬وأستراليا‭ ‬بدورها‭ ‬قالت‭: ‬‮«‬إنها‭ ‬فكرت‭ ‬في‭ ‬مصالح‭ ‬بلادها‭ ‬وأمنها‭ ‬العسكري‭ ‬القومي‭ ‬حين‭ ‬استبدلت‭ ‬الغواصاتِ‭ ‬الفرنسية‭ ‬التقليدية‭ ‬بغواصات‭ ‬أمريكية‭ ‬نووية‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الحادثةُ‭ ‬الشهيرةُ‭ ‬التي‭ ‬عرضت‭ ‬العلاقاتِ‭ ‬السياسية‭ ‬للاهتزاز‭ ‬بين‭ ‬فرنسا‭ ‬وأمريكا‭ ‬واستراليا‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬نضعها‭ ‬أمام‭ ‬خبر‭ ‬نُشر‭ ‬أمس‭ ‬يقول‭: (‬طلبت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬السعودية،‭ ‬عدم‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬أسلحة‭ ‬من‭ ‬الصين،‭ ‬متوقع‭ ‬وصولها‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر‭ ‬الجاري‭ (‬مايو‭) ‬ضمن‭ ‬برنامج‭ ‬سري‭)!! ‬وقال‭ ‬موقع‭ (‬ذا‭ ‬انترسبت‭) ‬الإخباري‭ ‬الأمريكي‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة‭ ‬الماضي،‭ ‬إن‭ ‬مدير‭ ‬المخابرات‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭ (‬سي‭.‬آي‭.‬إيه‭) ‬‮«‬دليم‭ ‬بيرنز‮»‬‭ ‬زار‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬السعودي‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬جدة،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الاجتماع‭ ‬كان‭ ‬سريًّا‭ ‬وغير‭ ‬اعتيادي‭.. ‬ووفقا‭ ‬للموقع‭ ‬فإن‭ ‬الحكومة‭ ‬السعودية‭ ‬تخطط‭ ‬لاستيراد‭ (‬صواريخ‭ ‬بالستية‭) ‬من‭ ‬الصين‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬سري‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ (‬التمساح‭).‬

لماذا‭ ‬أمريكا‭ ‬ترفض‭ ‬أن‭ ‬تتم‭ ‬صفقة‭ (‬التمساح‭) ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬والصين؟‭ ‬أولًا‭ ‬لأنها‭ ‬تريدُ‭ ‬أن‭ ‬تحتكرَ‭ ‬سوق‭ ‬السلاح‭ ‬السعودي‭ ‬في‭ ‬يدها‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬لأسباب‭ ‬تتعلق‭ ‬بتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬طائلة‭ ‬تقدر‭ ‬بالمليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬تذهب‭ ‬سنويًّا‭ ‬إلى‭ ‬خزينة‭ ‬مصانع‭ ‬الأسلحة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭.. ‬وثانيًا‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬للصين‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬موقعُ‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬صفقات‭ ‬التسلح‭ ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬الأخرى،‭ ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ (‬جو‭ ‬بايدن‭) ‬جمَّدت‭ ‬العملَ‭ ‬بصفقات‭ ‬أسلحة‭ ‬أبرمها‭ ‬سلفه‭ (‬ترامب‭) ‬مع‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬وسحبت‭ ‬أمريكا‭ ‬صواريخ‭ ‬باتريوت‭ ‬وثاد‭ ‬الأمريكية‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬لحماية‭ ‬الأراضي‭ ‬السعودية‭ ‬ضد‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬للإرهابيين‭ ‬الحوثيين‭!!‬

والآن‭ ‬تأتي‭ ‬إدارة‭ (‬بايدن‭) ‬لتطلب‭ ‬بكل‭ ‬بساطةٍ‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ ‬عدم‭ ‬المضي‭ ‬قدمًا‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬أسلحة‭ ‬من‭ ‬الصين؟‭! ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ (‬الصداقة‭) ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬والسعودية‭!! ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تحترم‭ ‬علاقةَ‭ ‬الصداقة‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬وفرنسا‭ ‬حين‭ ‬ألغت‭ ‬صفقة‭ ‬الغواصات‭ ‬الفرنسية‭ ‬مع‭ ‬أستراليا‭!!‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موجودًا‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ (‬البيت‭ ‬الأبيض‭) ‬قبل‭ (‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭) ‬وبعدها،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تثق‭ ‬في‭ ‬الصداقة‭ ‬مع‭ ‬أمريكا،‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬مصالحها‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬حكومات‭ ‬صديقة‭ ‬بجرة‭ ‬قلم‭! ‬ولنتوقف‭ ‬قليلًا‭ ‬مع‭ (‬تركيا‭) ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عضو‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ (‬الناتو‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬مضت‭ (‬أنقرة‭) ‬قدمًا‭ ‬في‭ ‬صفقة‭ ‬سلاح‭ ‬مع‭ (‬روسيا‭) ‬واشترت‭ ‬منظومة‭ ‬صواريخ‭ ‬روسية‭ ‬متقدمة،‭ ‬واحتجت‭ (‬واشنطن‭) ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الصفقة،‭ ‬وجمدت‭ ‬العمل‭ ‬بعقود‭ ‬تسلح‭ ‬حول‭ ‬طائرات‭ ‬مقاتلة‭ ‬أمريكية‭ ‬متقدمة،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ (‬أنقرة‭) ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬الصفقة‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬وتخطط‭ ‬لعقد‭ ‬صفقة‭ ‬مماثلة‭ ‬مع‭ (‬موسكو‭) ‬أيضًا‭.‬

باختصار‭ ‬أمريكا‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬تملي‭ ‬رغباتها‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬صفقات‭ ‬تسلح‭ ‬تركيةروسية،‭ ‬وتريد‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬تملي‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭ ‬بإسقاط‭ ‬صفقة‭ (‬التمساح‭) ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬والصين‭!!‬

الغريبُ‭ ‬في‭ ‬الأمرِ‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬تحضِّر‭ ‬حاليًّا‭ ‬لحرب‭ ‬هجينة‭ ‬أوروبية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬احتمالا‭ ‬كبيرا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ (‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة‭)‬،‭ ‬وكل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬تريد‭ ‬حصانة‭ ‬قوتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬بتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬السلاح‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وليس‭ ‬حصر‭ ‬التسلح‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬والغرب‭ ‬فقط،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وخصوصًا‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬وبقية‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬السلاح‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬السلاح‭ ‬الأمريكي‭ ‬أو‭ ‬البريطاني‭ ‬أو‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ (‬توطين‭) ‬صناعة‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وصناعتها‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬استيرادها‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬وهي‭ ‬مهمة‭ ‬بدأت‭ ‬تأخذ‭ ‬بها‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬ودول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

العالم‭ ‬برمته‭ ‬يتغير‭.. ‬فيما‭ ‬عدا‭ (‬واشنطن‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفكر‭ ‬بعقل‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ (‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭)!!‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالمنعم ابراهيم"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news