العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

لا تلوموا إلا أنفسكم

تحدثت‭ ‬أمس‭ ‬عن‭ ‬التصريحات‭ ‬التي‭ ‬أدلى‭ ‬بها‭ ‬الجنرال‭ ‬مايكل‭ ‬كوريلا،‭ ‬القائد‭ ‬الأمريكي‭ ‬الجديد‭ ‬للقيادة‭ ‬المركزية،‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬زيارته‭ ‬للإمارات‭ ‬والسعودية‭ ‬ومصر‭ ‬والتي‭ ‬قال‭ ‬فيها‭ ‬إنه‭ ‬أكد‭ ‬لقادة‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬شريك‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬به‭.‬

هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تصريحات‭ ‬كثيرة‭ ‬لقادة‭ ‬ومسؤولين‭ ‬أمريكيين‭ ‬لوحظ‭ ‬تكرارها‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬تحاول‭ ‬تأكيد‭ ‬المعنى‭ ‬نفسه‭ ‬وتحاول‭ ‬إقناع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الحليفة‭ ‬أن‭ ‬أمريكا‭ ‬مازالت‭ ‬متمسكة‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تجاه‭ ‬حلفائها‭.‬

مؤخرا‭ ‬مثلا،‭ ‬أدلى‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكي‭ ‬لويد‭ ‬أوستن‭ ‬بتصريحات‭ ‬حاول‭ ‬فيها‭ ‬طمأنة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬وتبديد‭ ‬مخاوفها‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬التزام‭ ‬أمريكا‭ ‬بردع‭ ‬إيران‭. ‬قال‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬‮«‬ستتابع‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬استعمال إيران للصواريخ‭ ‬والمركبات‭ ‬المسيرة،‭ ‬وسنتابع‭ ‬الوقوف‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬شركائنا‭ ‬لمحاسبة‭ ‬إيران‭ ‬والمليشيات‭ ‬التابعة‭ ‬لها‮»‬‭.‬

أيضا‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬بلنكن‭ ‬له‭ ‬تصريحات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭.‬

من‭ ‬المفهوم‭ ‬بالطبع‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬المسؤولين‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬تجاوز‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصبحت‭ ‬معلنة‭ ‬ومعروفة‭ ‬أبعادها،‭ ‬ومحاولة‭ ‬طمأنة‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭.‬

ومن‭ ‬المفهوم‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬الحالية‭ ‬والذي‭ ‬مثل‭ ‬صدمة‭ ‬لأمريكا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬تتكرر‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭.‬

المشكلة‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬افترضنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إرادة‭ ‬جادة‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬هؤلاء‭ ‬المسؤولين‭ ‬لتجاوز‭ ‬الأزمة‭ ‬وإعادة‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الحليفة‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬عهدها،‭ ‬فإن‭ ‬التطورات‭ ‬والأوضاع‭ ‬تجاوزت‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جانب‭.‬

بداية،‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تتشكك‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬وصدق‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬والسبب‭ ‬أنها‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬المسؤولين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يدلون‭ ‬بها‭ ‬بحكم‭ ‬الحاجة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الملحة،‭ ‬وليس‭ ‬بحكم‭ ‬الاقتناع‭ ‬بالضرورة‭.‬

الأمر‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬الحالية‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬اتبعتها‭ ‬تجاه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬مجيئها‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬عمقت‭ ‬الأزمة‭ ‬ودفعت‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متقدمة‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الرهان‭ ‬عليها‭ ‬كحليف‭.‬

الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬بايدن‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬شخصيا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬بتصريحاته‭ ‬المنفلتة‭ ‬العدائية‭ ‬والمستفزة‭ ‬ضد‭ ‬القادة‭ ‬العرب‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭.‬

وغير‭ ‬مواقفه‭ ‬الشخصية،‭ ‬كل‭ ‬سياساته‭ ‬تجاه‭ ‬المنطقة‭ ‬والقضايا‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬العرب،‭ ‬كقضية‭ ‬ردع‭ ‬إيران‭ ‬مثلا‭ ‬وغيرها،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬أبعد‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬المواقف‭ ‬الشخصية‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬القضية‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تتعلق‭ ‬بتحول‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬العالمية‭ ‬وتجاه‭ ‬المنطقة‭ ‬خصوصا‭.‬

حدث‭ ‬أولا‭ ‬تحول‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬الأولويات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بحيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬بكل‭ ‬قضاياها‭ ‬تمثل‭ ‬أولوية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أمريكا‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬هناك‭ ‬قرار‭ ‬استراتيجي‭ ‬أمريكي‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬الحلفاء‭ ‬العرب‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬أصبحت‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬الحلفاء‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬تهديدات‭ ‬أو‭ ‬حمايتهم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أولوية‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬مهمة‭ ‬يجب‭ ‬القيام‭ ‬بها‭.‬

مؤخرا‭ ‬كشف‭ ‬مسؤول‭ ‬عسكري‭ ‬أمريكي‭ ‬كبير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬صراحة‭ ‬هو‭ ‬الجنرال‭ ‬جوزيف‭ ‬فوتيل،‭ ‬القائد‭ ‬السابق‭ ‬للمنطقة‭ ‬المركزية‭ ‬الأمريكية‭. ‬كان‭ ‬يعلق‭ ‬على‭ ‬التقارير‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬انخفض‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬جدا؛‭ ‬إذ‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬أقل‭ ‬من40‭ ‬ألفا‭ ‬وكان‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬ألفا‭.‬

الجنرال‭ ‬فوتيل‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬والعتاد‭ ‬‮«‬كاف‭ ‬لإمكانية‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬جدي‭ ‬لواحد‭ ‬من‭ ‬مصالح‭ ‬واشنطن‭ ‬الحيوية،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬كافيا‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬شركائنا‭ ‬في‭ ‬المنطقة‮»‬‭.‬

المهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬حين‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬أي‭ ‬أمر‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬شركاء‭ ‬أمريكا،‭ ‬ليس‭ ‬ضمن‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكا،‭ ‬وأن‭ ‬عدد‭ ‬القوات‭ ‬ربما‭ ‬ليس‭ ‬كافيا‭ ‬لردع‭ ‬من‭ ‬يقومون‭ ‬بأدوار‭ ‬سيئة‭ ‬مثل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‮»‬‭.‬

ما‭ ‬يقوله‭ ‬واضح‭. ‬أمريكا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬معنية‭ ‬استراتيجيا‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬حلفائها‭ ‬ولا‭ ‬معنية‭ ‬بردع‭ ‬من‭ ‬يهددهم‭ ‬مثل‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬أو‭ ‬غيره‭.‬

الأمر‭ ‬برمته‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬وصلت‭ ‬حدا‭ ‬من‭ ‬التفاقم‭ ‬يصعب‭ ‬تجاوزه،‭ ‬وليس‭ ‬للأمريكيين‭ ‬أن‭ ‬يلوموا‭ ‬إلا‭ ‬أنفسهم‭. ‬ومثل‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬أن‭ ‬تطمئن‭ ‬أحدا‭ ‬أو‭ ‬تنهي‭ ‬أزمة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news