العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العراق يراوح في أزماته

حتى‭ ‬الآن‭ ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬السبعة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬العراقية‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تفرز‭ ‬تكتلا‭ ‬نيابيا‭ ‬موحدا‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬المقبلة،‭ ‬فإن‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬تراوح‭ ‬مكانها،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬الممثلة‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد‭ ‬اختيار‭ ‬رئيس‭ ‬للجمهورية‭ ‬والذي‭ ‬بدونه‭ ‬لن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬أي‭ ‬تشكيل‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة،‭ ‬فاختيار‭ ‬الرئيس‭ ‬منوط‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الفصيلين‭ ‬الكرديين،‭ ‬أي‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬والاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬الكردستاني‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬مرشح‭ ‬كردي‭ ‬لهذا‭ ‬المنصب،‭ ‬اتساقا‭ ‬مع‭ ‬الوصفة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬اخترعها‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬الحاكم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬بعد‭ ‬الغزو،‭ ‬أي‭ ‬الرئاسة‭ ‬كردية‭ ‬ورئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬إسلامية‭ ‬شيعية‭ ‬فيما‭ ‬رئاسة‭ ‬البرلمان‭ ‬يكون‭ ‬مسلما‭ ‬سنيا،‭ ‬وهي‭ ‬نسخة‭ ‬مكررة‭ ‬للنسخة‭ ‬اللبنانية‭.‬

لا‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أية‭ ‬بوادر‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬إمكانية‭ ‬حلحلة‭ ‬المعضلة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات،‭ ‬فالأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬فقط‭ ‬بأزمة‭ ‬اختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬وإنما‭ ‬المعضلة‭ ‬الأكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬نجح‭ ‬البرلمان‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الرئيس،‭ ‬هي‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الكتل‭ ‬النيابية‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الصراعات‭ ‬المحتدمة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية،‭ ‬الشيعية‭ ‬تحديدا‭ ‬كونها‭ ‬وبحسب‭ ‬خلطة‭ ‬بريمر‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تسند‭ ‬إليها‭ ‬مهمة‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬فالكتلة‭ ‬الصدرية‭ ‬التي‭ ‬فازت‭ ‬بأكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الانتخابات،‭ ‬لا‭ ‬يؤهلها‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬بتشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬رغم‭ ‬تحالفها‭ ‬مع‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬وقوى‭ ‬أخرى‭ ‬وتشكيلها‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬إنقاذ‭ ‬وطن‮»‬‭ ‬‮«‬إذ‭ ‬إنها،‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلوبة‭ ‬لذلك،‭ ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬يخص‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬الإطار‭ ‬التنسيقي‮»‬‭ ‬الطرف‭ ‬المنافس‭ ‬للأول‭.‬

هذه‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬حشد‭ ‬220‭ ‬نائبا‭ ‬لتسهيل‭ ‬عملية‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬بدأت‭ ‬المغازلة‭ ‬السياسية‭ ‬مع‭ ‬كتلة‭ ‬المستقلين‭ ‬وعددهم‭ ‬40‭ ‬نائبا،‭ ‬وهو‭ ‬العدد‭ ‬الذي‭ ‬يؤهل‭ ‬الكتلة‭ ‬الصدرية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لحشد‭ ‬220‭ ‬نائبا‭ ‬لاختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬بعد‭ ‬قرار‭ ‬المحكمة‭ ‬الاتحادية‭ ‬العليا،‭ ‬الذي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬اختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تصويت‭ ‬ثلثي‭ ‬عدد‭ ‬نواب‭ ‬البرلمان،‭ ‬البالغ‭ ‬220‭ ‬نائبا‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬تحقيقه‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المحورين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أصوات‭ ‬المستقلين،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هؤلاء‭ ‬النواب‭ ‬هم‭ ‬تقريبا‭ ‬من‭ ‬يمسكون‭ ‬بالكفة‭ ‬الترجيحية‭.‬

جميع‭ ‬المحاولات‭ ‬لجذب‭ ‬النواب‭ ‬المستقلين‭ ‬لم‭ ‬تؤتِ‭ ‬أكلها‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬النواب‭ ‬يرون‭ ‬في‭ ‬المغازلة‭ ‬السياسية‭ ‬من‭ ‬التكتلين‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬البلدين،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬لاستغلالهم‭ ‬لتكميل‭ ‬العدد‭ ‬المطلوب‭ ‬لانتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬بل‭ ‬ويذهبون‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مثل‭ ‬تسمية‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬مستقل‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لمح‭ ‬إليه‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر،‭ ‬لكن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬يعد‭ ‬أمرا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الصعوبة‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬تتقاذفه‭ ‬الصراعات‭ ‬الحزبية‭ ‬الحادة،‭ ‬وتداخل‭ ‬المصالح‭ ‬والمحسوبيات،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬التوقعات‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رئيس‭ ‬ورئيس‭ ‬حكومة‭.‬

فرئيس‭ ‬وزراء‭ ‬عراقي‭ ‬مستقل‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬مزحة‭ ‬أو‭ ‬تهريج‭ ‬سياسي،‭ ‬فالصورة‭ ‬السياسية‭ ‬للعراق‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬الحاكم‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭ ‬تكرست‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الرافدين‭ ‬ومن‭ ‬الصعب،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬تغييرها‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬العراق،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نجحت‭ ‬السياسة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬تقسيم‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬تقسيما‭ ‬عموديا‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬التكتلات‭ ‬الضيقة،‭ ‬العرقية‭ ‬منها‭ ‬والدينية،‭ ‬بل‭ ‬والطائفية‭ ‬أيضا،‭ ‬وليس‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تحالفات‭ ‬بين‭ ‬كتل‭ ‬شيعية‭ ‬وسنية‭ ‬أو‭ ‬مع‭ ‬الأكراد،‭ ‬إلا‭ ‬مجرد‭ ‬مناوشات‭ ‬سياسية‭ ‬ومشاغبات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تغيِّر‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬شيئا‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تحديد‭ ‬رئيس‭ ‬العراق‭ ‬القادم‭ ‬منوط‭ ‬باختيار‭ ‬الحزبين‭ ‬الكرديين‭ ‬العراقيين‭ ‬الرئيسيين‭ ‬اللذين‭ ‬يتقاسمان‭ ‬السلطة‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬وهما‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬والاتحاد‭ ‬الوطني،‭ ‬فإن‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬لن‭ ‬يخرج‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬العراقية‭ ‬والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬رئاسة‭ ‬البرلمان‭ ‬حيث‭ ‬اختير النائب‭ ‬عن‭ ‬محافظة‭ ‬الأنبار‭ ‬محمد‭ ‬الحلبوسي‭ ‬من‭ ‬الطائفة‭ ‬السنية،‭ ‬فهذه‭ ‬التركيبة‭ ‬السياسية‭ ‬للعراق‭ ‬هي‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬نشوء‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬وتردي‭ ‬الأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬منذ‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭. ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬الصعب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬السياسية‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬‮«‬التحالفات‮»‬‭ ‬البرلمانية‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬توافقية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬‮«‬مستقلة‮»‬‭ ‬خارج‭ ‬سلطة‭ ‬الأحزاب‭ ‬والتحالفات‭ ‬السياسية‭ ‬القائمة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬نجح‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬رئيس‭ ‬للجمهورية،‭ ‬وهي‭ ‬نظريا‭ ‬مهمة‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬مستقلة‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬سطوة‭ ‬الأحزاب،‭ ‬رغم‭ ‬فشل‭ ‬البرلمان‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news