العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

.. وجادلهم بالتي هي أحسن !

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٥ مايو ٢٠٢٢ - 02:00

لقد‭ ‬أقرَّ‭ ‬الإسلام‭ ‬مبدأ‭ ‬الحوار‭ ‬وفَعَّلَهُ‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬آياته‭ ‬وسوره‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: (‬ادع‭ ‬إلى‭ ‬سبيل‭ ‬ربك‭ ‬بالحكمة‭ ‬والموعظة‭ ‬الحسنة‭ ‬وجادلهم‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬إن‭ ‬ربك‭ ‬هو‭ ‬أعلم‭ ‬بمن‭ ‬ضل‭ ‬عن‭ ‬سبيله‭ ‬وهو‭ ‬أعلم‭ ‬بالمهتدين‭) ‬النحل‭/‬125‭.‬

لم‭ ‬يكتف‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بتقرير‭ ‬المبدأ‭ -‬مبدأ‭ ‬الحوار‭- ‬بل‭ ‬رسم‭ ‬للمتحاورين‭ ‬والمتجادلين‭ ‬السبيل‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يسلكوه‭ ‬إذا‭ ‬أرادوا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬سواء‭ ‬تطمئن‭ ‬إليها‭ ‬نفوسهم‭ ‬وترتاح‭ ‬إليها‭ ‬عقولهم‭ ‬فجعل‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تنشأ‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬كل‭ ‬يدلو‭ ‬بدلوه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يتجرد‭ ‬كل‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬قناعاته‭ ‬الخاصة‭ ‬ويبدؤوا‭ ‬الحوار‭ ‬من‭ ‬أرضية‭ ‬مشتركة‭ ‬ثم‭ ‬يبدؤوا‭ ‬الحوار‭ ‬بنية‭ ‬الوصل‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬ينشدها‭ ‬كل‭ ‬فريق‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يؤتي‭ ‬الحوار‭ ‬ثمرته‭ ‬المنشودة‭ ‬فعلى‭ ‬كل‭ ‬فريق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مستعدًا‭ ‬للتنازل‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬قناعاته‭ ‬حتى‭ ‬ينتهي‭ ‬الحوار‭ ‬أو‭ ‬الجدال‭ ‬إلى‭ ‬الغاية‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭ ‬المتجادلون‭ ‬وحتى‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يلتزم‭ ‬المتحاوران‭ ‬بأدب‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬نصت‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: (‬ادع‭ ‬إلى‭ ‬سبيل‭ ‬ربك‭ ‬بالحكمة‭ ‬والموعظة‭ ‬الحسنة‭ ‬وجادلهم‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬إن‭ ‬ربك‭ ‬هو‭ ‬أعلم‭ ‬بمن‭ ‬ضل‭ ‬عن‭ ‬سبيله‭ ‬وهو‭ ‬أعلم‭ ‬بالمهتدين‭) ‬النحل‭/‬125‭.‬

إذًا‭ ‬فالحكمة‭ ‬والموعظة‭ ‬الحسنة‭ ‬والمجادلة‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬هذه‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬أخلاقيات‭ ‬الحوار‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إليه‭ ‬الإسلام‭ ‬ويحرص‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬تستقيم‭ ‬الحياة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

والإسلام‭ ‬كما‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬فهو‭ ‬كذلك‭ ‬يحرص‭ ‬على‭ ‬تنظيمه‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭: (‬ولا‭ ‬تجادلوا‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلا‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭...) ‬العنكبوت‭/‬46‭. ‬لقد‭ ‬اعتمد‭ ‬الإسلام‭ ‬الحوار‭ ‬كوسيلة‭ ‬لحل‭ ‬المنازعات‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬وإطفاء‭ ‬نيران‭ ‬الفتنة‭ ‬بينهم‭ ‬لأنه‭ ‬الوسيلة‭ ‬المثلى‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬الأمة‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬وما‭ ‬ينشب‭ ‬فيها‭ ‬وبين‭ ‬أفرادها‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬وخصومات‭ ‬بين‭ ‬الرجل‭ ‬وزوجه‭ ‬وربما‭ ‬ينتقل‭ ‬الصراع‭ ‬أو‭ ‬الخلاف‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭ ‬فيعكر‭ ‬صفاء‭ ‬الأسرة‭ ‬وينغص‭ ‬عليهم‭ ‬حياتهم‭.‬

والإسلام‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أقرَّ‭ ‬مبدأ‭ ‬الحوار‭ ‬وشجع‭ ‬عليه‭ ‬وبَيَّنَ‭ ‬طرقه‭ ‬ومسالكه‭ ‬قَدَّمَ‭ ‬لنا‭ ‬أمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬تحمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬المجادلة‮»‬‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬قد‭ ‬سمع‭ ‬الله‭ ‬قول‭ ‬التي‭ ‬تجادلك‭ ‬في‭ ‬زوجها‭ ‬وتشتكي‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬والله‭ ‬يسمع‭ ‬تحاوركما‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬سميع‭ ‬بصير‭) ‬المجادلة‭/‬1‭. ‬وهذه‭ ‬السورة‭ ‬تحكي‭ ‬قصة‭ ‬امرأة‭ ‬قال‭ ‬لها‭ ‬زوجها‭: ‬أنت‭ ‬عليّ‭ ‬حرام‭ ‬كظهر‭ ‬أمي‭! ‬وهذا‭ ‬طلاق‭ ‬بائن‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬لا‭ ‬تحل‭ ‬به‭ ‬المرأة‭ ‬لزوجها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬وتحرم‭ ‬عليه‭ ‬قالت‭ ‬المرأة‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭): ‬إن‭ ‬زوجها‭ ‬قال‭ ‬لها‭ ‬أنت‭ ‬عليّ‭ ‬حرام‭ ‬كظهر‭ ‬أمي‭ ‬ولي‭ ‬منه‭ ‬أطفال‭ ‬إن‭ ‬ضممتهم‭ ‬إليَّ‭ ‬جاعوا‭ ‬وإن‭ ‬ضممتهم‭ ‬إليه‭ ‬ضاعوا‭ ‬وهو‭ ‬الآن‭ ‬نادم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬فما‭ ‬السبيل‭ ‬إلى‭ ‬عودة‭ ‬الرابطة‭ ‬الزوجية‭ ‬وكان‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬يقول‭ ‬لها‭: ‬ما‭ ‬أراك‭ ‬إلا‭ ‬قد‭ ‬حرمت‭ ‬عليه‭ ‬فكانت‭ ‬تتوجه‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬بشكايتها‭ ‬حتى‭ ‬نزلت‭ ‬سورة‭ ‬المجادلة‭ ‬بشأنها‭ ‬وذلك‭ ‬بقوله‭ ‬تعالى‭: (‬والذين‭ ‬يظاهرون‭ ‬من‭ ‬نسائهم‭ ‬ثم‭ ‬يعودون‭ ‬لما‭ ‬قالوا‭ ‬فتحرير‭ ‬رقبة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتماسا‭ ‬ذلكم‭ ‬توعظون‭ ‬به‭ ‬والله‭ ‬بما‭ ‬تعملون‭ ‬خبير‭ (‬3‭) ‬فمن‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬فصيام‭ ‬شهرين‭ ‬متتابعين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتماسا‭ ‬فمن‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬فإطعام‭ ‬ستين‭ ‬مسكينًا‭ ‬ذلك‭ ‬لتؤمنوا‭ ‬بالله‭ ‬ورسوله‭ ‬وتلك‭ ‬حدود‭ ‬الله‭ ‬وللكافرين‭ ‬عذاب‭ ‬أليم‭ (‬4‭)) ‬المجادلة‭.‬

وبذلك‭ ‬بطل‭ ‬العمل‭ ‬بهذا‭ ‬اليمين‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬استحالة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الأم‭ ‬كالزوجة‭ ‬وهذ‭ ‬ما‭ ‬بَينَّهُ‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬في‭ ‬قوله‭: (‬الذين‭ ‬يظاهرون‭ ‬منكم‭ ‬من‭ ‬نسائهم‭ ‬ما‭ ‬هن‭ ‬أمهاتهم‭ ‬إن‭ ‬أمهاتهم‭ ‬إلا‭ ‬اللائي‭ ‬ولدنهم‭ ‬وإنهم‭ ‬ليقولون‭ ‬منكرًا‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬وزورا‭ ‬وإن‭ ‬الله‭ ‬لعفو‭ ‬غفور‭) ‬المجادلة‭/‬2‭.‬

وهكذا‭ ‬أبطل‭ ‬الإسلام‭ ‬عادة‭ ‬جاهلية‭ ‬كانت‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬أسر‭ ‬وتشتيت‭ ‬أطفال‭ ‬وإهدار‭ ‬لحقوقهم‭ ‬هم‭ ‬وأمهاتهم‭ ‬بغير‭ ‬حق‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬شأن‭ ‬الإسلام‭ ‬يصحح‭ ‬أوضاعا‭ ‬شاذة‭ ‬ويؤسس‭ ‬لنظم‭ ‬سليمة‭ ‬راشدة‭ ‬ولأن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عليها‭ ‬أصحاب‭ ‬العقول‭ ‬الرشيدة‭ ‬أن‭ ‬الأم‭ ‬ليست‭ ‬كالزوجة‭ ‬وأن‭ ‬الإسلام‭ ‬أباح‭ ‬للرجل‭ ‬من‭ ‬زوجته‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يبحه‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬أمه‭ ‬ووصف‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬هذا‭ ‬اليمين‭ ‬بقوله‭: ‬إنه‭ ‬منكر‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬وزورا‭!!‬

وهكذا‭ ‬نالت‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬نزلت‭ ‬بسببها‭ ‬هذه‭ ‬السورة‭ ‬شرف‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬النساء‭ ‬والجرأة‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬قضيتها‭ ‬وقضية‭ ‬من‭ ‬سيجيئ‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬وكانت‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬إبطال‭ ‬عادة‭ ‬جاهلية‭ ‬جائرة‭ ‬وتصحيح‭ ‬مفاهيم‭ ‬مغلوطة‭ ‬كان‭ ‬الرجال‭ ‬يتعسفون‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭.‬

وهكذا‭ ‬أقر‭ ‬الإسلام‭ ‬الحوار‭ ‬والمجادلة‭ ‬وفق‭ ‬الشروط‭ ‬والضوابط‭ ‬التي‭ ‬أوصى‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نقاش‭ ‬أو‭ ‬جدال‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الأمة‭ ‬وتلجئوها‭ ‬الضرورة‭ ‬إليه‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news