العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

أنـواع الإدارات وقصة السـمكـات الـثلاث

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ١٥ مايو ٢٠٢٢ - 02:00

يحكى‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬ترعة‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬قرية‭ ‬صغيرة‭ ‬وكان‭ ‬تعيش‭ ‬بها‭ ‬سمكات‭ ‬ثلاث؛‭ ‬السمكة‭ ‬الأولى‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬شكلٍ‭ ‬جميل‭ ‬ومعجبة‭ ‬بنفسها‭ ‬جدًا،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬مهملة‭ ‬وكسولة‭ ‬لا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬طعامها،‭ ‬وتقول‭: ‬أنا‭ ‬أحب‭ ‬اللعب،‭ ‬ولا‭ ‬أفكر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أعيشها،‭ ‬وكانت‭ ‬طوال‭ ‬النهار‭ ‬تبحث‭ ‬عمن‭ ‬يمدحها‭ ‬ويمدح‭ ‬جمالها‭ ‬وانسيابية‭ ‬جسمها‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ولنسمِ‭ ‬هذه‭ ‬السمكة‭ ‬بالسمكة‭ ‬المهملة‭.‬

أما‭ ‬السمكة‭ ‬الثانية‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬سمكة‭ ‬ذكيّة،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬مهملة‭ ‬أيضًا‭ ‬ولا‭ ‬مبالية،‭ ‬وكانت‭ ‬تقول‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬أنها‭ ‬تعرف‭ ‬كلّ‭ ‬شيء،‭ ‬وتعرف‭ ‬كيف‭ ‬تدافع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الخطر،‭ ‬فكانت‭ ‬طوال‭ ‬النهار‭ ‬تمرح‭ ‬مع‭ ‬السمكة‭ ‬الأولى‭ ‬وعندما‭ ‬كانت‭ ‬تجوع‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬الترعة‭ ‬وتأكل‭ ‬من‭ ‬بقايا‭ ‬الطعام‭ ‬المرمي‭ ‬والأعشاب‭ ‬المائية‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تفعل‭ ‬الكثير،‭ ‬وتترك‭ ‬أمر‭ ‬التدبير‭ ‬للظروف‭ ‬إن‭ ‬جاءت‭ ‬فلا‭ ‬بأس‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تجئ‭ ‬فأيضًا‭ ‬فلا‭ ‬بأس،‭ ‬فكل‭ ‬شيء‭ ‬سيتغير‭ ‬وينتهي،‭ ‬ولنسمِ‭ ‬هذه‭ ‬السمكة‭ ‬بالسمكة‭ ‬الذكية‭.‬

أما‭ ‬السمكة‭ ‬الثالثة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ليس‭ ‬بذكاء‭ ‬السمكة‭ ‬الثانية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بإهمال‭ ‬السمكة‭ ‬الأولى‭ ‬أيضًا،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬كانت‭ ‬مدبّرة‭ ‬وعاقلة‭ ‬وتحاول‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬طعامها‭ ‬بنشاطها‭ ‬وتعبها،‭ ‬وأن‭ ‬تتجنب‭ ‬المخاطر‭ ‬والمغامرات‭ ‬غير‭ ‬المحسوبة،‭ ‬ودائمًا‭ ‬تحسب‭ ‬حسابًا‭ ‬للمستقبل،‭ ‬وتستعد‭ ‬لأي‭ ‬خطرٍ‭ ‬ممكن‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقع،‭ ‬ولنسمِ‭ ‬هذه‭ ‬السمكة‭ ‬بالسمكة‭ ‬الحذرة‭ ‬العاقلة‭.‬

وفي‭ ‬ذات‭ ‬يومٍ،‭ ‬لمحت‭ ‬السمكة‭ ‬العاقلة‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬الترعة‭ ‬أن‭ ‬صيادًا‭ ‬قادم‭ ‬للترعة‭ ‬ليصطاد‭ ‬السمك،‭ ‬فهرعت‭ ‬لزميلاتها‭ ‬تحذرهن‭ ‬من‭ ‬مغبة‭ ‬الصياد،‭ ‬فقالت‭ ‬لهن‭: ‬إن‭ ‬صيادًا‭ ‬قادما‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬ينوي‭ ‬اصطيادنا،‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬نهرب‭ ‬بسرعة‭. ‬

لم‭ ‬تهتمّ‭ ‬السمكة‭ ‬الجميلة‭ ‬المهملة‭ ‬بكلام‭ ‬صديقتها‭ ‬الحذرة‭ ‬العاقلة،‭ ‬وسخرت‭ ‬منها‭ ‬وقالت‭: ‬اهربي‭ ‬أنت‭ ‬أيتها‭ ‬الجبانة،‭ ‬أما‭ ‬أنا‭ ‬فلن‭ ‬أهرب‭ ‬وسأنتظر‭ ‬قدوم‭ ‬الصياد‭ ‬وأتناول‭ ‬الطُعم‭ ‬الذي‭ ‬سيُلقيه‭ ‬لي،‭ ‬وربما‭ ‬يعجب‭ ‬بجمالي‭ ‬ويتركني‭ ‬أعيش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الترعة‭ ‬ليستمتع‭ ‬بجمالي‭. ‬

أمّا‭ ‬السمكة‭ ‬الذكية‭ ‬فقالت‭: ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أخاف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬صيّاد،‭ ‬سأكون‭ ‬هنا‭ ‬بانتظاره،‭ ‬ثم‭ ‬أتصرف‭ ‬بما‭ ‬يمليه‭ ‬عليّ‭ ‬ذكائي،‭ ‬وربما‭ ‬أتناول‭ ‬الطُعم‭ ‬ولكن‭ ‬بحذر‭ ‬شديد،‭ ‬لذلك‭ ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬اصطيادي،‭ ‬فأنا‭ ‬ذكية‭ ‬جدًا‭ ‬فلا‭ ‬يستطيع‭ ‬أي‭ ‬صياد‭ ‬خداعي،‭ ‬لذلك‭ ‬سأتصرف‭ ‬بطريقة‭ ‬ذكية‭ ‬معه‭.‬

حاولت‭ ‬السمكة‭ ‬الحذرة‭ ‬العاقلة‭ ‬أن‭ ‬تشرح‭ ‬لهن‭ ‬خطورة‭ ‬الموقف،‭ ‬إلا‭ ‬أنهن‭ ‬لم‭ ‬يهتما‭ ‬بكلامها،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬غادرت‭ ‬وابتعدت‭ ‬عن‭ ‬أطراف‭ ‬الترعة،‭ ‬وعندما‭ ‬حانت‭ ‬لها‭ ‬الفرصة‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬الصياد‭ ‬إلى‭ ‬الترعة‭ ‬المجاورة‭.‬

عندما‭ ‬وصل‭ ‬الصياد‭ ‬الترعة،‭ ‬ألقى‭ ‬بصنارته،‭ ‬فاقتربت‭ ‬السمكة‭ ‬الجميلة‭ ‬المهملة‭ ‬من‭ ‬الصنارة،‭ ‬وأخذت‭ ‬تأكل‭ ‬الطُعم‭ ‬بحذرٍ‭ ‬شديد‭ ‬وهي‭ ‬تنظر‭ ‬للصياد‭ ‬لعله‭ ‬يلتفت‭ ‬إليها‭ ‬ويبهر‭ ‬بجمالها‭ ‬وانسيابية‭ ‬جسدها،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬شعر‭ ‬الصياد‭ ‬بالسمكة‭ ‬جذب‭ ‬الصنارة‭ ‬بمهارة‭ ‬وسرعة،‭ ‬وشبكها‭ ‬من‭ ‬فمها‭ ‬ورفعها‭ ‬إليه،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تتلوى‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬السلّة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تتنفس‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬التنفس،‭ ‬فلم‭ ‬يعجب‭ ‬الصياد‭ ‬بجمالها‭ ‬ولا‭ ‬حسنها‭ ‬وإنما‭ ‬ربما‭ ‬يعجب‭ ‬بطعم‭ ‬لحمها‭ ‬اللذيذ‭.‬

لم‭ ‬تبالي‭ ‬السمكة‭ ‬الذكية‭ ‬بهذا‭ ‬المنظر‭ ‬وإنما‭ ‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬نوبة‭ ‬من‭ ‬الضحك‭ ‬على‭ ‬غباء‭ ‬السمكة‭ ‬الأولى،‭ ‬وعندما‭ ‬ألقى‭ ‬الصياد‭ ‬صنارته‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وفيها‭ ‬طُعمٌ‭ ‬آخر‭ ‬جديد،‭ ‬أخذت‭ ‬السمكة‭ ‬الذكية‭ ‬تفكر‭ ‬بطريقة‭ ‬ذكية‭ ‬لتأكل‭ ‬بها‭ ‬الطُعم،‭ ‬كانت‭ ‬تقترب‭ ‬تارة‭ ‬وتبتعد‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬قضمة‭ ‬ومن‭ ‬الجزء‭ ‬الآخر‭ ‬قضمة‭ ‬أخرى،‭ ‬وكانت‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حذرة‭ ‬بأقصى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الصياد‭ ‬كان‭ ‬أذكى‭ ‬منها،‭ ‬فراح‭ ‬يراقبها‭ ‬وفي‭ ‬لمحة‭ ‬البصر‭ ‬داهمها‭ ‬وأمسك‭ ‬بها‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬الخلاص،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬حاولت‭ ‬أن‭ ‬تتملص‭ ‬منه‭ ‬بكل‭ ‬طاقتها‭ ‬وقوتها‭ ‬وفي‭ ‬النهاية‭ ‬عضته‭ ‬في‭ ‬إصبعه،‭ ‬وقفزت‭ ‬إلى‭ ‬الترعة‭ ‬بأسرع‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وابتعدت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أُصيب‭ ‬زُعنفها‭ ‬بالكسر،‭ ‬ثم‭ ‬هربت‭. ‬

عندما‭ ‬وصلت‭ ‬السمكة‭ ‬الذكية‭ ‬عند‭ ‬السمكة‭ ‬الحذرة‭ ‬العاقلة‭ ‬وهي‭ ‬تلهث‭ ‬خوفًا،‭ ‬أخبرتها‭ ‬بما‭ ‬حدث،‭ ‬فقالت‭ ‬السمكة‭ ‬العاقلة‭: ‬الآن‭ ‬فقد‭ ‬أدركتِ‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬عندما‭ ‬هربت‭ ‬من‭ ‬الصياد،‭ ‬لقد‭ ‬خسرنا‭ ‬صديقتنا‭ ‬السمكة‭ ‬الجميلة‭ ‬المهملة‭ ‬الكسولة‭ ‬ولم‭ ‬تسمع‭ ‬النصيحة،‭ ‬وأنتِ‭ ‬أيضًا‭ ‬كاد‭ ‬الصياد‭ ‬أن‭ ‬يُمسك‭ ‬بك،‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬تعلمتِ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدرس‭ ‬للمرات‭ ‬القادمة‭.‬

ولنتخيل‭ ‬إننا‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬أمام‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع‭ ‬من‭ ‬الإدارات‭ ‬وربما‭ ‬حتى‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية،‭ ‬فنحن‭ ‬ثلاث‭ ‬فئات،‭ ‬الفئة‭ ‬المهملة،‭ ‬والفئة‭ ‬الذكية‭ ‬والفئة‭ ‬العاقلة‭ ‬الحذرة‭.‬

فأما‭ ‬الفئة‭ ‬الأولى‭: ‬فهي‭ ‬الإدارات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخطط،‭ ‬وإنما‭ ‬تعيش‭ ‬بعفوية‭ ‬وسذاجة‭ ‬وفوضوية،‭ ‬فهي‭ ‬طوال‭ ‬النهار‭ ‬والليل‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تفعل‭ ‬شيئا،‭ ‬فتتحدث‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬عن‭ ‬إنجازاها‭ ‬وأمجادها،‭ ‬وأنها‭ ‬صنعت‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬إنجازات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحلم‭ ‬بها‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تتواصل‭ ‬مع‭ ‬الإعلاميين‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ ‬كانت‭ ‬وأن‭ ‬تعمل‭ ‬صداقات‭ ‬معهم،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬مهم‭ ‬وإنما‭ ‬حتى‭ ‬تنقل‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬الإعلامية‭ ‬عنها‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الفئة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسة‭ ‬العبقرية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭.‬

ولكن‭ ‬ربما‭ ‬ينكشف‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوهم‭ ‬الذي‭ ‬خلقته‭ ‬هذه‭ ‬الإدارة‭ ‬وهذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬مشكلة،‭ ‬ولا‭ ‬نقول‭ ‬أزمة‭ ‬فهذه‭ ‬الإدارات‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬الأزمات،‭ ‬فيظهر‭ ‬جليًا‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬الناس‭ ‬أنها‭ ‬خلقت‭ ‬وهمًا‭ ‬وخيوط‭ ‬دخان،‭ ‬وأنها‭ ‬مجرد‭ ‬فقاعة‭ ‬هوائية‭ ‬ارتفعت‭ ‬عن‭ ‬سطح‭ ‬الأرض‭ ‬ولكنها‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬انفجرت‭ ‬فاكتشف‭ ‬الناس‭ ‬أنها‭ ‬طبل‭ ‬فارغ‭.‬

فالعالم‭ ‬العربي‭ ‬يعيش‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬مع‭ ‬الأيام‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فلا‭ ‬يتصدى‭ ‬لها‭ ‬أحد؛‭ ‬فالبطالة‭ ‬أزمة،‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬أزمة،‭ ‬والأمن‭ ‬المائي‭ ‬أزمة،‭ ‬وإدارة‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬أزمة،‭ ‬والمناطق‭ ‬ومدن‭ ‬العشوائية‭ ‬أزمة،‭ ‬والتسول‭ ‬أزمة،‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬ودراسة‭ ‬ووضع‭ ‬الحلول‭ ‬الناجعة‭ ‬لها،‭ ‬ولكن‭ ‬سمكتنا‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬يُمدح‭ ‬جمالها‭ ‬وحسنها‭ ‬فقط‭.‬

أما‭ ‬الفئة‭ ‬الثانية‭: ‬فهي‭ ‬إدارات‭ ‬أو‭ ‬مؤسسات‭ ‬ردود‭ ‬أفعال،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تسمي‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬مؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬كذلك،‭ ‬فهذه‭ ‬النوعية‭ ‬من‭ ‬الإدارات‭ ‬لا‭ ‬تخطط‭ ‬ولا‭ ‬تفكر‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تداهمها‭ ‬أزمة‭ ‬ما،‭ ‬وهذه‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬معظم‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬وأنظمتنا‭ ‬العربية،‭ ‬فمعظم‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬ليس‭ ‬لديها‭ ‬خطة‭ ‬مستقبلية،‭ ‬ولا‭ ‬رؤية،‭ ‬ولا‭ ‬أهداف‭ ‬ولا‭ ‬أولويات‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬بوصلة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحدد‭ ‬أولوياتها‭ ‬ولا‭ ‬تعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تقودها‭ ‬الأيام،‭ ‬وإنما‭ ‬تسير‭ ‬وفق‭ ‬مجريات‭ ‬الأحداث،‭ ‬فتارة‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬الغرب‭ ‬وتارة‭ ‬إلى‭ ‬الشرق،‭ ‬وهذا‭ ‬يتملقها‭ ‬وذلك‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يبتزها،‭ ‬ولكنها‭ ‬تسير‭.‬

فمؤسساتنا‭ ‬الإدارية‭ ‬مثلاً‭ ‬عندما‭ ‬انتشرت‭ ‬موضة‭ (‬الخطة‭ ‬الاستراتيجية‭) ‬قامت‭ ‬كل‭ ‬المؤسسات‭ ‬واجتمعت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وضع‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ومن‭ ‬الجميل‭ ‬جدًا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬طُبعت‭ ‬في‭ ‬أوراق‭ ‬وكتب‭ ‬فخمة‭ ‬ووضعت‭ ‬في‭ ‬مكتبات‭ ‬المسؤولين،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬تذهب‭ ‬وتتصفحها‭ ‬تجد‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬كلام‭ ‬إنشائي‭ ‬جميل‭ ‬وليست‭ ‬خطة،‭ ‬وعندما‭ ‬انتشرت‭ ‬موضة‭ (‬التنمية‭ ‬المستدامة‭) ‬ادعى‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬إنجازاته‭ ‬ومؤسساته‭ ‬كانت‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬أهداف‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬وعندما‭ ‬جاءت‭ ‬موضة‭ (‬الحوكمة‭) ‬تحوكمنا،‭ ‬وعندما‭ ‬تحدث‭ ‬الجميع‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬هندسة‭ ‬الأعمال‭ (‬الهندرة‭) ‬قلنا‭ ‬خذونا‭ ‬معكم،‭ ‬وهكذا‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬الإدارات‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬فقط،‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬خطة‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬ولا‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬فهذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬والإدارات‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬بوصلة‭ ‬الأولويات،‭ ‬وقد‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬بعض‭ ‬الأزمات‭ ‬ولكنها‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬تفشل،‭ ‬وعندما‭ ‬تنجح‭ ‬تملأ‭ ‬الدنيا‭ ‬عويلاً‭ ‬صاخبًا‭ ‬وبهرجة‭ ‬إعلامية،‭ ‬وعندما‭ ‬تفشل‭ ‬تسكت‭ ‬أو‭ ‬تبحث‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬شماعة‭ ‬لتضع‭ ‬فشلها‭ ‬عليه،‭ ‬وتظل‭ ‬سمكتنا‭ ‬الثانية‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬الكوارث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الترقيع‭ ‬فقط‭.‬

أما‭ ‬الفئة‭ ‬الثالثة‭: ‬فهي‭ ‬المؤسسات‭ ‬والإدارات‭ ‬العاقلة‭ ‬الحذرة،‭ ‬والتي‭ ‬تضع‭ ‬خططها‭ ‬الطويلة‭ ‬المدى‭ ‬قبل‭ ‬الخطط‭ ‬القصيرة‭ ‬المدى،‭ ‬ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬خططها‭ ‬دائمًا‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬حتى‭ ‬إلى‭ ‬أصغر‭ ‬إنسان،‭ ‬فالجميع‭ ‬يعمل‭ ‬وفق‭ ‬تلك‭ ‬الخطط،‭ ‬والجميع‭ ‬يحاول‭ ‬بكل‭ ‬قدرة‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الطموحات‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬الخطط‭ ‬الموجودة،‭ ‬فالإنسان‭ ‬الموجود‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بالرضا‭ ‬فقط‭ ‬وإنما‭ ‬بالاندماج‭ ‬التام‭ ‬مع‭ ‬النظام،‭ ‬فيشعر‭ ‬أنه‭ ‬هو‭ ‬النظام،‭ ‬وأن‭ ‬النظام‭ ‬هو،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التملق‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬والمؤسسة‭ ‬والإدارة‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬كل‭ ‬طموحات‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬واحتياجاته،‭ ‬لذلك‭ ‬فهو‭ ‬يعيش‭ ‬هذا‭ ‬الشعور،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬تعرف‭ ‬مستقبلها‭ ‬وتعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭. ‬

وحتى‭ ‬عندما‭ ‬تداهمها‭ ‬مشكلة‭ ‬أو‭ ‬أزمة‭ ‬فإنها‭ ‬تتصرف‭ ‬وفق‭ ‬حكمة‭ ‬وبذكاء،‭ ‬لأنها‭ ‬أصلاً‭ ‬لديها‭ ‬خططها‭ ‬الواضحة‭ ‬لإدارة‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬إن‭ ‬أتت،‭ ‬فهي‭ ‬دائمًا‭ ‬مستعدة‭ ‬ودائمًا‭ ‬تعمل‭ ‬بحذر‭ ‬وذكاء‭ ‬وتتصرف‭ ‬وفق‭ ‬خطة‭ ‬محكمة‭ ‬وواضحة،‭ ‬فلا‭ ‬تستطيع‭ ‬الأهواء‭ ‬أو‭ ‬الأمواج‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬عاتية‭ ‬أن‭ ‬تجرفها‭ ‬معها،‭ ‬فأشرعتها‭ ‬عالية‭ ‬تقاوم‭ ‬الرياح‭ ‬ومقودها‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬فئة‭ ‬حكيمة‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬توازن‭ ‬الأمور،‭ ‬فئة‭ ‬مخلصة‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الآنية‭ ‬وفي‭ ‬المستقبل،‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬تحيز‭ ‬أو‭ ‬انحراف‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬الأحوال،‭ ‬أيًا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬نوعية‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬نوعية‭ ‬الإدارة‭ ‬التي‭ ‬أنت‭ ‬تديرها‭ ‬الآن‭ ‬فإن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأخطاء‭ ‬هو‭ ‬مفتاح‭ ‬التحسن‭ ‬المستقبلي،‭ ‬وإنما‭ ‬التستر‭ ‬على‭ ‬الأخطاء‭ ‬لمجرد‭ ‬البهرجة‭ ‬الإعلامية‭ ‬فهي‭ ‬تورد‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬الإدارة‭ ‬مورد‭ ‬الهلاك‭. ‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news