العدد : ١٦١٢٤ - الاثنين ١٦ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٢٤ - الاثنين ١٦ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٣هـ

مقالات

حــــرب فـي أوروبـــا

بقلم: سميرة رجب.

الأحد ١٥ مايو ٢٠٢٢ - 02:00

هناك‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬علينا‭ ‬التذكير‭ ‬بها‭ ‬دائماً،‭ ‬أمام‭ ‬تدفق‭ ‬أمواج‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬وأمام‭ ‬تقدم‭ ‬تقنيات‭ ‬التضليل‭ ‬وحجب‭ ‬الحقائق،‭ ‬التي‭ ‬توازي‭ ‬في‭ ‬قوتها‭ ‬وخطرها‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬سنكرر‭ ‬التذكير‭ ‬بها،‭ ‬للتنوير‭ ‬ولربط‭ ‬الحقائق‭ ‬اللاحقة‭ ‬بأسبابها‭ ‬وأحداثها‭ ‬السابقة،‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬الموضوعية‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬التي‭ ‬يفتقدهما‭ ‬الإعلام‭ ‬عموماً‭. 

 

لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬تقوم‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬دولتين‭ ‬أوروبيتين‭ ‬وفي‭ ‬المجال‭ ‬الحيوي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬البلقان‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كانت‭ ‬حرباً‭ ‬أهلية‭ ‬كما‭ ‬أراد‭ ‬لها‭ ‬الغرب،‭ ‬رغم‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬الوحشي‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭ ‬فيها،‭ ‬وإنهائها‭ ‬بتفتيت‭ ‬يوغسلافيا‭ ‬إلى‭ ‬ست‭ ‬دول،‭ ‬منزوعة‭ ‬القوة‭.‬

تخوض‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬حربا‭ ‬مصيرية،‭ ‬منذ‭ ‬24‭ ‬فبراير‭/ ‬شباط‭ ‬2022،‭ ‬ضد‭ ‬معسكر‭ ‬الناتو،‭ ‬وتصفها‭ ‬بأنها‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬خاصة،‭ ‬وليست‭ ‬حرباً،‭ ‬وهذا‭ ‬المسمى‭ ‬الجديد‭ ‬سيضاف‭ ‬إلى‭ ‬موسوعة‭ ‬أسماء‭ ‬وأنواع‭ ‬وأجيال‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬عاصرنا‭ ‬أغلبها‭. ‬ومهما‭ ‬اختلفت‭ ‬أسماء‭ ‬الحروب،‭ ‬وكنياتها،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬دمويتها‭ ‬ودمارها،‭ ‬وأضرارها‭ ‬وضحاياها؛‭ ‬إذ‭ ‬يحق‭ ‬للدول‭ ‬العظمى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬لغيرها‭ ‬في‭ ‬تسمية‭ ‬حروبها‭.‬

 

حرب‭ ‬بالوكالة

 

وما‭ ‬هو‭ ‬مؤكدٌ‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬التالي،‭ ‬أولاً‭: ‬إنها‭ ‬حرب‭ ‬بالوكالة،‭ ‬تخوضها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬أرضها،‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الناتو،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬روسيا؛‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬تخوضها‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬بالوكالة‭ ‬عن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ضد‭ ‬الاتحاد‭ ‬الروسي،‭ ‬الذي‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬الإعلام‭ ‬الأمريكي‭ (‬وليس‭ ‬الأوروبي‭) ‬اسم‭ ‬‮«‬العدو‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬تسمية‭ ‬لم‭ ‬يستخدمها‭ ‬إعلام‭ ‬المعسكر‭ ‬الرأسمالي‭ ‬ضد‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بالقرن‭ ‬الماضي،‭ ‬مما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬التهديد‭ ‬التنافسي‭ ‬الذي‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬اليوم‭ ‬أمام‭ ‬روسيا‭ (‬والصين‭)‬؛‭ ‬ثانياً‭: ‬إن‭ ‬القرار‭ ‬الأوروبي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭ ‬أمام‭ ‬اندفاع‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬وإدارة‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ (‬وغيرها‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬تجذير‭ ‬العداء‭ ‬والكراهية‭ ‬بين‭ ‬أوروبا‭ ‬وروسيا،‭ ‬وتفكيك‭ ‬العلاقات‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وتهديد‭ ‬مصالح‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬لصالح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة؛‭ ‬وثالثاً‭: ‬إن‭ ‬فكر‭ ‬وقِيَم‭ ‬وسياسات‭ (‬ومؤسسات‭) ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الليبرالي‭ ‬الغربي،‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬عليها‭ ‬النهضة‭ ‬الغربية‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬يواجه‭ ‬تهديداً‭ ‬داخلياً‭ ‬وخارجياً‭ ‬متصاعداً‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬المعسكر‭ ‬الشيوعي،‭ ‬ويبدو‭ ‬هذا‭ ‬التهديد‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬أزمة‭ ‬دولية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬صعود‭ ‬ومنافسة‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭-‬اقتصادي‭ (‬لا‭ ‬استعماري‭) ‬جديد،‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانيةً‭ ‬وأقل‭ ‬شروراً،‭ ‬تتبناه‭ ‬وتدعو‭ ‬إليه‭ ‬الأقطاب‭ ‬الشرقية‭ (‬الصين‭ ‬وروسيا‭) ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد‭.‬

لذلك‭ ‬ستستمر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالنفخ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬وستستمر‭ ‬في‭ ‬ضخ‭ ‬المزيد‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬السلاح‭ ‬والوقود‭ ‬البشري‭ ‬بهدف‭ ‬إطالة‭ ‬مدة‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬للخسائر‭ ‬البشرية‭ ‬والمادية‭ ‬التي‭ ‬تلحق‭ ‬بأوكرانيا‭ ‬وشعبها،‭ ‬وبأوروبا‭ ‬والعالم‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬خافياً‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬بأنها‭ ‬ستؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬نووية‭ ‬تكتيكية‭ ‬بشعة‭. ‬

 

اهتراء‭ ‬سياسات‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭.. ‬وصحوة‭ ‬الشعوب

 

الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الروسية‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬بأطرافها‭ ‬وأوانها‭ ‬وأسبابها‭ ‬ومقدماتها‭ ‬وتفاصيلها،‭ ‬وحتماً‭ ‬ستكون‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬نتائجها،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬أن‭ ‬روسيا،‭ ‬كقوة‭ ‬عظمى‭ ‬ونووية،‭ ‬تختلف‭ ‬تماماً‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬التي‭ ‬فرض‭ ‬عليها‭ ‬الغرب‭ ‬حصاراً‭ ‬وعقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وحروباً‭ ‬وأنواعاً‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬والتشويه‭ ‬والتضليل‭. ‬لذلك‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬مختلفة‭ ‬جذرياً‭ ‬عما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬حروب،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربي‭ ‬من‭ ‬تضليل‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الروسي،‭ ‬وتقزيم‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬متقدمة،‭ ‬وعلوم‭ ‬ومصانع‭ ‬حربية،‭ ‬وقوة‭ ‬بشرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬عظيمة‭ ‬وموارد‭ ‬طبيعية‭ ‬وزراعية‭ ‬ضخمة‭ ‬تضاهي‭ ‬القوة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولربما‭ ‬تفوقها‭ ‬قوة‭ ‬وثراءً‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬السابق‭ ‬لأوانه‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬مخرجات‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬فإن‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬فُرضت‭ ‬ضد‭ ‬روسيا،‭ ‬قبل‭ ‬تعافي‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬جائحة‭ ‬‮«‬كوفيد‭-‬19‮»‬،‭ ‬بدأت‭ ‬ترتد‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬بتفاقم‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي،‭ ‬والنقص‭ ‬في‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعارها،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬آثارها‭ ‬الخطيرة‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬فقط‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬هناك‭ ‬تبعات‭ ‬سياسية،‭ ‬أكثر‭ ‬خطراً،‭ ‬بدأت‭ ‬تنعكس‭ ‬تدريجياً‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬متوتر‭ ‬وغير‭ ‬مستقر،‭ ‬كما‭ ‬صرّح‭ ‬الرئيس‭ ‬الألماني،‭ ‬فرانك‭-‬فالتر‭ ‬شتاينماير،‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬الجاري‭ ‬الذي‭ (‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬بوتين‭ ‬دمر‭ ‬حلم‭ ‬أوروبا‭ ‬بالعيش‭ ‬في‭ ‬سلام،‭ ‬وأن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬هي‭ ‬‮«‬فاصل‭ ‬تاريخي‮»‬‭ ‬يُجبر‭ ‬الأوروبيين‭ ‬على‭ ‬رؤى‭ ‬مؤلمة‭).‬

الحرب‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬الحروب‭ ‬الأوروبية‭ ‬تأثيراً‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬القارة،‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬فترات‭ ‬التاريخ‭ ‬توتراً‭ ‬ضد‭ ‬سياسات‭ ‬الغرب‭ ‬عموماً‭. ‬ومع‭ ‬صحوة‭ ‬الشعوب‭ ‬بعد‭ ‬عصر‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬وفيضان‭ ‬مشاعر‭ ‬الكراهية‭ ‬ضد‭ ‬الغرب،‭ ‬اقتربت‭ ‬شعوب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬إلى‭ ‬المعسكر‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الأكاذيب‭ ‬والتضليل‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬فتئ‭ ‬الإعلام‭ ‬يمارسه‭ ‬لتشويه‭ ‬الحقائق‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭. ‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬قديمة‭-‬جديدة،‭ ‬لطالما‭ ‬قاومت‭ ‬أوروبا‭ ‬الاعتراف‭ ‬بها‭. ‬الحقيقة‭ ‬الصاخبة‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قد‭ ‬استغلت‭ ‬أوروبا‭ ‬لصالح‭ ‬بقاء‭ ‬دورها‭ ‬القائد‭ ‬للعالم‭ (‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭). ‬وإن‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬والجيش‭ ‬الأطلسي‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬حرب‭ ‬أوروبية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬القارة‭ ‬لبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬قوتها‭ ‬المهددة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬كان‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬أداة‭ ‬حرب‭ ‬أمريكية،‭ ‬مضافة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬فرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬وتحقيق‭ ‬الحلم‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬تشييد‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الاستعمارية‭ ‬الجديدة،‭ ‬سيدة‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬بداياتها،‭ ‬قد‭ ‬أسقطت‭ ‬ادعاءات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬البراقة،‭ ‬وكشفت‭ ‬عن‭ ‬وجه‭ ‬الغرب‭ ‬الحقيقي‭ ‬المناقض‭ ‬لكل‭ ‬تلك‭ ‬الادعاءات‭ ‬والشعارات؛‭ ‬وكشفت‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬ديكتاتورية‭ ‬الأنظمة‭ ‬الغربية،‭ ‬وعنصرية‭ ‬وفوقية‭ ‬ودموية‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬صانعة‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات‭ ‬والموت؛‭ ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الإعلام‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي،‭ ‬ومبادئ‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬التي‭ ‬يتشدق‭ ‬بها‭ ‬هذا‭ ‬الغرب،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬شعارات‭ ‬للاستهلاك‭ ‬السياسي،‭ ‬وسلاح‭ ‬وأداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭.‬

 

سلاح‭ ‬الإعلام‭ ‬أولاً‭ ‬وآخراً

 

في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬سلطة‭ ‬الاتصال‮»‬‭ ‬يذكر‭ ‬المفكر‭ ‬الإسباني‭- ‬الأمريكي‭ ‬مانويل‭ ‬كاستيلز،‭ ‬أن‭ ‬‮«‬للحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقاليد‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬لتبرير‭ ‬أفعالها»؛‭ ‬ويصف‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬الحالة‭ ‬النموذجية‭ ‬للدعاية‭ ‬السياسية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬اخترقت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬وتقارير‭ ‬وتعليقات‭ ‬محللين‭ ‬فقدوا‭ ‬الموضوعية‭ ‬والمصداقية‭ (‬2013‭ ‬Castells‭)... ‬وها‭ ‬قد‭ ‬عاد‭ ‬ذاك‭ ‬الإعلام‭ ‬والتضليل‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬ليمارس‭ ‬سلطته‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬والدعاية‭ ‬السياسية‭ ‬لمصلحة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ضارباً‭ ‬بعرض‭ ‬الحائط‭ ‬قيم‭ ‬المصداقية‭ ‬والحيادية‭ ‬والموضوعية،‭ ‬وقيم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والعولمة‭ ‬وما‭ ‬تُدعى‭ ‬بالقرية‭ ‬الكونية‭ ‬والفضاء‭ ‬المفتوح‭ ‬وحريات‭ ‬الرأي‭ ‬والرأي‭ ‬الآخر،‭ ‬التي‭ ‬رفع‭ ‬الغرب‭ ‬شعاراتها‭ ‬الكاذبة‭ ‬سنين‭ ‬طويلة‭.‬

إن‭ ‬حظر‭ ‬الإعلام‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬الناتو،‭ ‬وحظر‭ ‬ترددات‭ ‬القنوات‭ ‬والإذاعات‭ ‬الفضائية‭ ‬الروسية‭ ‬من‭ ‬البث‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبي‭ ‬والأمريكي،‭ ‬أثبت‭ ‬بالدليل‭ ‬القاطع‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تستفرد‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمي،‭ ‬وإدارته‭ ‬بديكتاتورية‭ ‬وطغيان؛‭ ‬وأن‭ ‬الحرب‭ ‬الإعلامية‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التضليل‭ ‬والكذب‭ ‬بمعدلات‭ ‬ودرجات‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬إعلام‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬والموصوفة‭ ‬بالشمولية‭ ‬والديكتاتورية،‭ ‬والإرهاب‭. ‬

وإن‭ ‬عقوبة‭ ‬إغلاق‭ ‬منافذ‭ ‬التشبيك‭ ‬الفضائي‭ ‬وحظر‭ ‬كل‭ ‬التطبيقات‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬الإعلام‭ ‬الاجتماعي‭ (‬فيسبوك،‭ ‬تويتر،‭ ‬إنستغرام‭....) ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬لهو‭ ‬إثبات‭ ‬قاطع‭ ‬على‭ ‬كذب‭ ‬الادعاءات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وتطبيقاتها‭ ‬غير‭ ‬محكومة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كذريعة‭ ‬لرفضها‭ ‬تشريع‭ ‬أي‭ ‬قانون‭ ‬دولي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬ضبط‭ ‬وتسيير‭ ‬الفضاء‭ ‬الافتراضي‭ (‬Virtual‭ ‬Space‭) ‬وآلياته‭ ‬الأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬وخطراً‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬المعلومات‭ ‬والسيبرانية‭ ‬والتضليل‭ ‬الإعلامي‭... ‬لقد‭ ‬أكدت‭ ‬العقوبات‭ ‬الإعلامية‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬حقيقة‭ ‬دور‭ ‬وكالة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التشبيك‭ ‬الافتراضي‭ ‬الكوني‭ (‬الانترنت‭)‬،‭ ‬لوضع‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬تحت‭ ‬الرقابة‭ ‬والسيطرة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وإن‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬التواصل‭ ‬والإعلام‭ ‬برمتها‭ ‬تعد‭ ‬أسلحة‭ ‬وآليات‭ ‬‮«‬الديكتاتورية‭ ‬الرقمية‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬للهيمنة‭ ‬وابتزاز‭ ‬الدول،‭ ‬ولعب‭ ‬دور‭ ‬شرطي‭ ‬العالم‭.‬

كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬اليوم‭ ‬سبر‭ ‬أسرار‭ ‬حرب‭ ‬المعلومات‭ ‬والتضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬وإنها‭ ‬أخطر‭ ‬الأسلحة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬وتعميم‭ ‬ذرائع‭ ‬الحروب‭ ‬واحتلال‭ ‬الدول‭ ‬ونشر‭ ‬الفوضى،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬تلميع‭ ‬الوجه‭ ‬البشع‭ ‬والوحشي‭ ‬لأنظمة‭ ‬غربية‭ ‬ترفع‭ ‬شعارات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وتمارس‭ ‬كل‭ ‬الموبقات‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬في‭ ‬اغتصاب‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬عن‭ ‬مسرح‭ ‬الحروب‭ ‬والأزمات‭ ‬التي‭ ‬يصنعها‭ ‬الغرب‭ ‬عموماً‭.‬

 

الأمم‭ ‬المتحدة‭ (‬الأمريكية‭)‬

 

لقد‭ ‬أكدت‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الروسية‭ ‬منذ‭ ‬بداياتها‭ ‬مشكلة‭ ‬الغياب‭ ‬التام‭ ‬لدور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وشللها‭ ‬المستدام‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬العدالة‭ ‬وإنصاف‭ ‬حقوق‭ ‬الدول‭ ‬وحماية‭ ‬أمنها‭ ‬وسيادتها‭ ‬أمام‭ ‬التغول‭ ‬الغربي‭. ‬وككل‭ ‬الأزمات‭ ‬السابقة،‭ ‬أكدت‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬تبعية‭ ‬المنظمة‭ ‬الأممية‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لديها‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬أو‭ ‬لأي‭ ‬وازع‭ ‬إنساني،‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬آلاف‭ ‬العقوبات‭ ‬اللاإنسانية‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬بحسب‭ ‬أهوائها‭ ‬ومصالحها،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬نصف‭ ‬شعوب‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬الصفيقة‭.‬

لقد‭ ‬فشلت‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وجميع‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬فشلاً‭ ‬ذريعاً‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬أهم‭ ‬مهامها،‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬بعد‭ ‬الحروب‭ ‬العالمية‭ ‬الطاحنة،‭ ‬وهو‭ ‬درء‭ ‬قيام‭ ‬الحروب‭ ‬وحماية‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬مآسيها،‭ ‬وحماية‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬الدول‭ ‬الكبيرة‭. ‬

إن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الجوع‭ ‬والفقر‭ ‬والمشردين‭ ‬واللاجئين‭ ‬والحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬والأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬والدمار‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الشعوب،‭ ‬لهو‭ ‬دليل‭ ‬قاطع‭ ‬على‭ ‬غياب‭ ‬دور‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬وتبعيتها‭ ‬الكاملة‭ ‬لإرادة‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي‭ ‬الذي‭ ‬شكّل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬الدول‭ ‬المُستعمِرة‭ (‬بكسر‭ ‬الميم‭) ‬والدول‭ ‬المستَعمَرة‭ (‬بفتح‭ ‬الميم‭) ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬المنظمة،‭ ‬وعلى‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬تم‭ ‬تسخير‭ ‬جميع‭ ‬مؤسسات‭ ‬وهيئات‭ ‬وممثلي‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لصالح‭ ‬المعسكر‭ ‬الغربي،‭ ‬مما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بضرورة‭ ‬إيجاد‭ ‬مؤسسة‭ ‬بديلة‭ ‬تملك‭ ‬الإرادة‭ ‬والشرعية‭ ‬لحماية‭ ‬البشرية‭ ‬أمام‭ ‬طغيان‭ ‬الغرب‭ ‬وغطرسته‭ ‬وسياساته‭ ‬الاستبدادية‭. ‬

 

العرب‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية

 

قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬مقالنا‭ ‬هذا،‭ ‬والذي‭ ‬يضاهي‭ ‬أهمية‭ ‬دور‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬تعيش‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭ ‬حالة‭ ‬قصوى‭ ‬من‭ ‬التوجس‭ ‬والترقب‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬بين‭ ‬طرفي‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬روسيا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهما‭ ‬قطبان‭ ‬دوليان‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬طرف‭ ‬منهما‭ ‬لصالح‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬ولو‭ ‬جزئياً،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التعقيدات‭ ‬التي‭ ‬تخللت‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭... ‬وهذا‭ ‬يشبه‭ ‬السير‭ ‬على‭ ‬خيط‭ ‬رفيع‭ ‬بحذر‭ ‬شديد،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭. ‬

لأول‭ ‬مرة،‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحروب‭ ‬العالمية،‭ ‬يتعامل‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬مع‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تدور‭ ‬على‭ ‬أرضهم،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬منطقتنا‭ ‬العربية‭ ‬ساحة‭ ‬للحروب‭ ‬والصراعات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ (‬1948‭: ‬حرب‭ ‬النكبة،‭ ‬فلسطين؛‭ ‬1956‭: ‬حرب‭ ‬العدوان‭ ‬الثلاثي،‭ ‬مصر؛‭ ‬1967‭: ‬حرب‭ ‬النكسة،‭ ‬مصر؛‭ ‬1973‭: ‬حرب‭ ‬سيناء‭ ‬والجولان،‭ ‬مصر‭ ‬وسوريا؛‭ ‬1975‭-‬1990‭: ‬الحرب‭ ‬الأهلية،‭ ‬لبنان؛‭ ‬1980‭-‬1988‭: ‬حرب‭ ‬الثماني‭ ‬سنوات‭ ‬العراقية‭ ‬الإيرانية،‭ (‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الأفغانية‭)‬؛‭ ‬1991‭: ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت؛‭ ‬2003‭: ‬حرب‭ ‬احتلال‭ ‬العراق؛‭ ‬2011‭ (‬وحتى‭ ‬اليوم‭): ‬حروب‭ ‬‮«‬الربيع‮»‬‭ ‬المدمرة‭). ‬ولربما‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬يتفق‭ ‬العرب،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬‮«‬اتفاق‮»‬‭ ‬مباشر،‭ ‬حول‭ ‬رأي‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أحداث‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ذات‭ ‬الأبعاد‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬الخطيرة‭ ‬والشديدة‭ ‬الحساسية‭. ‬

الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬فرضت‭ ‬نوعاً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬الشرقي‭ ‬والغربي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد،‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬وتعقيداً‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة؛‭ ‬يتفاوت‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬حروب‭ ‬القوى‭ ‬الصلبة‭ ‬والناعمة‭ ‬والذكية،‭ ‬وقد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الحروب‭ ‬النووية‭ ‬النوعية‭ ‬والتكتيكية،‭ ‬كما‭ ‬تفاوتت‭ ‬بينهم‭ ‬حروب‭ ‬المعلومات‭ ‬والتضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬التي‭ ‬قاربت‭ ‬أكاذيبها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الفجور‭ ‬وكسر‭ ‬العظم‭. ‬لذلك‭ ‬يؤكد‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬ستفرض‭ ‬أخيراً‭ ‬نظاما‭ ‬دولياً‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب،‭ ‬كما‭ ‬فرضت‭ ‬بداية‭-‬نهاية‭ ‬مركزية‭ ‬القطب‭ ‬الغربي‭ ‬وتَحَكُمُهُ‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬العالم‭. ‬والمتوقع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬تغييرٌ،‭ ‬هو‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬نوعه،‭ ‬في‭ ‬هندسة‭ ‬السياسات‭ ‬الدولية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الفوقية‭ ‬والتبعية‭ ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬وإزاحة‭ ‬قواعد‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭ ‬الموسومة‭ ‬بمبادئ‭ ‬المستعمِر‭ ‬والمستعمَر،‭ ‬وإلغاء‭ ‬مبدأ‭ ‬مركزية‭ ‬أوروبا‭ ‬وهامشية‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وأخيراً‭ ‬خلخلة‭ ‬قواعد‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الليبرالي‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬أثرياء‭ ‬يزدادون‭ ‬ثراءً‭ ‬وفقراء‭ ‬يزدادون‭ ‬فقراً‭... ‬فيا‭ ‬ترى‭ ‬هل‭ ‬سيدخل‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬ككتلة‭ ‬لها‭ ‬هيبة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬صراع‭ ‬الأنداد‭ ‬والمصالح،‭ ‬أم‭ ‬سيدخلونه‭ ‬فرادا‭ ‬فاقدي‭ ‬القوة‭ ‬والبصيرة،‭ ‬باحثين‭ ‬عن‭ ‬أمجاد‭ ‬آنية‭ ‬لا‭ ‬تسمن‭ ‬ولا‭ ‬تغني‭ ‬من‭ ‬جوع؟؟‭!! ‬

إن‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬خانة‭ ‬الحياد‭ ‬الإيجابي،‭ ‬الداعي‭ ‬للسلام؛‭ ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬سيتمكن‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬الضغوطات‭ ‬الغربية،‭ ‬وسيستمر‭ ‬موقفهم‭ ‬الحيادي‭ ‬المعلن‭ ‬هذا؟؟‭!!‬،‭ ‬أم‭ ‬إن‭ ‬تاريخ‭ ‬المنطقة‭ ‬يقول‭ ‬العكس؟؟‭. ‬علماً‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬192‭ ‬دولة‭ ‬أعضاء‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬46‭ ‬دولة‭ ‬فقط‭ ‬انحازت‭ ‬إلى‭ ‬الموقف‭ ‬الغربي‭ ‬الأمريكي‭ (‬في‭ ‬العقوبات‭)... ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ليحدث‭ ‬قبل‭ ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

ولكن‭ ‬قياساً‭ ‬بالتجارب‭ ‬العربية‭ ‬الساذجة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬حربي‭ ‬الأفغان‭ ‬والبلقان،‭ ‬في‭ ‬ثمانينيات‭ ‬وتسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬بالتتالي،‭ ‬وفي‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الإرهاب‭ ‬المستمر‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2001،‭ ‬ورغم‭ ‬الارتدادات‭ ‬الخطيرة‭ ‬لكل‭ ‬تلك‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬فإنه‭ ‬يصعب‭ ‬توقع‭ ‬عدم‭ ‬تكرار‭ ‬ذات‭ ‬الانجرار‭ ‬العربي‭ ‬لصالح‭ ‬الغرب‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أيضاً،‭ ‬وأمام‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط‭ ‬الغربية،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬أمد‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

ومما‭ ‬يؤسف‭ ‬له،‭ ‬أن‭ ‬كبريات‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬العربية‭ ‬تؤكد‭ ‬هذه‭ ‬التوقعات‭ ‬الخطيرة‭ ‬في‭ ‬تقلبات‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تمارسه‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬إعلامية‭ ‬غبية‭ ‬ومنحازة‭ ‬لطرف‭ ‬ضد‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬والتي‭ ‬تثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬تعمل‭ ‬لمصالح‭ ‬الدولة‭ ‬المنسوبة‭ ‬إليها‭ ‬وبإرادتها،‭ ‬أم‭ ‬إن‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭ ‬غافلون‭ ‬عما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القنوات‭ ‬الفضائية‭ ‬الإخبارية‭ ‬الهزيلة‭ ‬فكرياً‭ ‬وثقافياً،‭ ‬والتي‭ ‬تبدو‭ ‬دائماً،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬الأزمات،‭ ‬أنها‭ ‬تابعة‭ ‬لإرادة‭ ‬خارجية‭... ‬ومع‭ ‬التناقض‭ ‬الفاضح‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬سياسات‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وسياسات‭ ‬وسائلها‭ ‬الإعلامية‭ ‬يعيش‭ ‬المشاهد‭ ‬العربي‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الفوضى‭ ‬الإدارية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬عموم‭ ‬منطقتنا‭ ‬العربية‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬حتى‭ ‬باتت‭ ‬الفوضى‭ ‬هي‭ ‬الخطأ‭ ‬الشائع‭. ‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news