العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«العفو الدولية» تخاطب الضمائر الميتة

تساءلت‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬بيانها‭ ‬الذي‭ ‬أصدرته‭ ‬بإدانة‭ ‬جريمة‭ ‬اغتيال‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجنسية،‭ ‬الشهيدة‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬‮«‬كم‭ ‬شخصا‭ ‬بعد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقتل‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحرك‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لمحاسبة‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬على‭ ‬جرائمها‭ ‬المستمرة‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية»؟،‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬اغتيلت‭ ‬برصاصة‭ ‬قناص‭ ‬محترف‭ ‬باستهداف‭ ‬الجزء‭ ‬المكشوف‭ ‬من‭ ‬رأسها،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬شخصية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الأربعين‭ ‬صحفيا‭ ‬فلسطينيا‭ ‬اغتالتهم‭ ‬رصاصات‭ ‬القنص‭ ‬أو‭ ‬سقطوا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استهداف‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإٍسرائيلي‮»‬‭ ‬لمقار‭ ‬عملهم،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العدوان‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الشهداء‭ ‬لا‭ ‬يشكلون‭ ‬سوى‭ ‬قطرة‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬الدماء‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسفوكة‭ ‬ظلما‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭.‬

تساؤل‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بمناسبة‭ ‬اغتيال‭ ‬أيقونة‭ ‬الصحافة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يأتي‭ ‬لتؤكد‭ ‬المنظمة‭ ‬حقيقة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للشك،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الجرائم‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليحدث‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬مساءلة‭ ‬أممية‭ ‬حقيقية‭ ‬للفاعلين‭ ‬والواقفين‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬فسلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬بأن‭ ‬سياسة‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬تحظى‭ ‬بتغطية‭ ‬سياسية‭ ‬قوية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬ومن‭ ‬خلفها‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬حلفاؤها‭ ‬الأوربيون‭ ‬وغيرهم،‭ ‬مما‭ ‬يجعلهم‭ ‬شركاء‭ ‬مباشرين‭ ‬وغير‭ ‬مباشرين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭.‬

الشهيدة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الوضع‭ ‬القانوني‭ ‬تعتبر‭ ‬مواطنة‭ ‬أمريكية‭ ‬وبالتالي‭ ‬تتمتع‭ ‬بحقوق‭ ‬المواطنة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التزام‭ ‬قانوني‭ ‬أمريكي‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬حياتها‭ ‬وحقوقها،‭ ‬ولكن‭ ‬بحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب،‭ ‬وكون‭ ‬أمريكا‭ ‬هي‭ ‬الراعي‭ ‬والضامن‭ ‬للتمرد‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬والشرائع‭ ‬الدولية‭ ‬وهي،‭ ‬أي‭ ‬واشنطن‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬لــ«إسرائيل‮»‬‭ ‬طوق‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب،‭ ‬اكتفت‭ ‬بإدانة‭ ‬مقتل‭ ‬شيرين‭ ‬وطالبت‭ ‬بــ«تحقيق‭ ‬شفاف‮»‬،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬مواقف‭ ‬معلبة‭ ‬تخرج‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬جريمة‭ ‬شنيعة‭ ‬ترتكبها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬واشنطن‭ ‬تمتلك‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬ووسائل‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬حقيقة‭ ‬مقترفي‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬لكن‭ ‬هوية‭ ‬الرصاصة‭ ‬التي‭ ‬اخترقت‭ ‬عنق‭ ‬الشهيدة‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭. ‬

مسؤولو‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬حاولوا‭ ‬التنصل‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬اغتيال‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬تنصلوا‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬الطفل‭ ‬محمد‭ ‬الدرة‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬والده،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يحصى‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬المختلفة،‭ ‬فحاولوا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬المسلحين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬بالضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬لكن‭ ‬مكان‭ ‬الإصابة‭ ‬يؤكد‭ ‬حرفنة‭ ‬القناص‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬نوعية‭ ‬شظايا‭ ‬الرصاصة‭ ‬التي‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬رقبة‭ ‬الشهيدة‭ ‬بفضح‭ ‬مصدرها،‭ ‬لذلك‭ ‬سارعت‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬إلى‭ ‬الطلب‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬مشترك‭ ‬وتسليمها‭ ‬تلك‭ ‬الشظايا،‭ ‬هو‭ ‬الطلب‭ ‬الذي‭ ‬سارعت‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬رفضه‭ ‬لما‭ ‬يتستر‭ ‬خلفه‭ ‬من‭ ‬خبث‭ ‬ومكر‭ ‬‮«‬إسرائيليين‮»‬‭.‬

بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬‮«‬الإسرائيليين‮»‬‭ ‬يقولون‭ ‬إن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬التحقيق‭ ‬الدولي،‭ ‬فليس‭ ‬لديها‭ ‬ما‭ ‬‮«‬تخفيه‮»‬‭ ‬عن‭ ‬جريمة‭ ‬قتل‭ ‬شيرين،‭ ‬وهذا‭ ‬صحيح،‭ ‬فهذا‭ ‬الكيان‭ ‬فوق‭ ‬القوانين‭ ‬والشرائع‭ ‬الدولية،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬اقترفها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سبعة‭ ‬عقود،‭ ‬ورغم‭ ‬جميع‭ ‬التقارير‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬عن‭ ‬لجان‭ ‬التحقيق‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الجرائم‭ ‬والتي‭ ‬حملت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مسئوليتها،‭ ‬فإن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬ولم‭ ‬يحاسب‭ ‬أي‭ ‬مسؤول،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬أي‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭ ‬قتل‭ ‬الصحفية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬سجل‭ ‬الممارسات‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬‭ ‬حافل‭ ‬بشتى‭ ‬أنواع‭ ‬الجرائم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نشهد‭ ‬محاسبة‭ ‬واحدة‭. ‬

المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬بجميع‭ ‬منظماته،‭ ‬مطالب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬بالتحرك‭ ‬لوضع‭ ‬حد‭ ‬لسياسة‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬ومحاسبة‭ ‬المجرمين‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقترفونه‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬بحق‭ ‬الإنسانية،‭ ‬كما‭ ‬أسمتها‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الإدانة‭ ‬الصادر‭ ‬عنها،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تحرك‭ ‬جاد‭ ‬وفعال،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬تحريك‭ ‬لما‭ ‬تمتلكه‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬قانونية‭ ‬وسياسية،‭ ‬فإن‭ ‬شيرين‭ ‬أبو‭ ‬عاقلة‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬سوى‭ ‬رقم‭ ‬تتلوه‭ ‬أرقام‭ ‬وأرقام‭ ‬من‭ ‬الضحايا،‭ ‬هذه‭ ‬حقيقة‭ ‬تؤكدها‭ ‬طبيعة‭ ‬وحجم‭ ‬وأعداد‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬اقترفتها‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سبعة‭ ‬عقود‭ ‬بحق‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مسؤولة‭ ‬قانونيا‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬تقترفها‭ ‬بحق‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬فإن‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬مسؤول‭ ‬أخلاقيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬وعن‭ ‬جريمة‭ ‬تشريد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وتجريده‭ ‬من‭ ‬حقه‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬مستقلة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬شأنه‭ ‬شأن‭ ‬جميع‭ ‬شعوب‭ ‬العالم،‭ ‬وعن‭ ‬أي‭ ‬تداعيات‭ ‬تترتب‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬اقتراف‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬شعب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬وطن،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬شعب‭ ‬مجرد‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬حقوقه‭ ‬الإنسانية‭ ‬وعرضة‭ ‬للبطش‭ ‬والقتل‭ ‬والتنكيل‭ ‬والتشريد‭ ‬شبه‭ ‬اليومي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يدافع‭ ‬عنه‭ ‬ويمنع‭ ‬عنه‭ ‬الإجرام‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news