العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الفقر في الداخل والمليارات للخارج

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬فيه‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬نجاحات‭ ‬مبهرة‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬ضد‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬وإعلانها‭ ‬مؤخرا‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬إخراج‭ ‬700‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭ ‬خلال‭ ‬الـ30‭ ‬عاما‭ ‬الماضية،‭ ‬والتخطيط‭ ‬لإخراج‭ ‬40‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬الفقر‭ ‬خلال‭ ‬الثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬القادمة،‭ ‬تشير‭ ‬الإحصائيات‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الفقر‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الأرقام‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬38‭ ‬مليون‭ ‬فقير‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬مليون‭ ‬مشرد‭ ‬في‭ ‬أغنى‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬وأكثرها‭ ‬تقدما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القدرة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬باعتبار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاد‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬يعقبه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬السكان‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬وحداثة‭ ‬النهضة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعلمية‭ ‬الصينية‭ ‬بالمقارنة‭ ‬مع‭ ‬الأمريكية‭.‬

مقاومة‭ ‬الفقر‭ ‬والعمل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬القضاء‭ ‬عليه‭ ‬يعد‭ ‬هدفا‭ ‬ثابتا‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني،‭ ‬وهناك‭ ‬فرق‭ ‬شاسع‭ ‬وكبير‭ ‬بين‭ ‬وجهة‭ ‬وأهداف‭ ‬المساعدات‭ ‬الخارجية‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الحكومة‭ ‬الصينية‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فقبل‭ ‬أيام‭ ‬فقط‭ ‬طلب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬من‭ ‬الكونجرس‭ ‬تخصيص‭ ‬33‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬‮«‬لمساعدة‮»‬‭ ‬أوكرانيا‭ ‬على‭ ‬‮«‬الدفاع‮»‬‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬ضد‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية،‭ ‬وهذا‭ ‬المبلغ‭ ‬الكبير‭ ‬جدا‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬لانتشال‭ ‬الملايين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬من‭ ‬آفة‭ ‬الفقر‭ ‬وتوفير‭ ‬مساكن‭ ‬لمئات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المشردين‭.‬

الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬‮«‬مساعدات‮»‬‭ ‬لخدمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬وسد‭ ‬احتياجات‭ ‬الشعوب،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الأموال‭ ‬الأمريكية‭ ‬الذاهبة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬هدفها‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إشعال‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭ ‬وتأجيج‭ ‬المشتعلة‭ ‬منها،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬طلبها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إنما‭ ‬هدفها‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬الصدام‭ ‬العسكري‭ ‬بين‭ ‬روسيا‭ ‬وأوكرانيا،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وضع‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬لما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬أكثر‭ ‬إيلاما‭ ‬على‭ ‬الصعيدين‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والبشري‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬منها‭ ‬لروسيا‭.‬

ما‭ ‬تنفقه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬لتغذية‭ ‬الصراعات‭ ‬وإشعالها‭ ‬أو‭ ‬لتمويل‭ ‬أعمالها‭ ‬العدوانية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التدخلات‭ ‬والغزو‭ ‬المباشر‭ ‬للدول‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مثلا‭ ‬مع‭ ‬فيتنام‭ ‬والعراق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬هي‭ ‬أرقام‭ ‬فلكية،‭ ‬يمكن‭ ‬بجزء‭ ‬يسير‭ ‬منها‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬الفقر‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬لأن‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬فلسفة‭ ‬الجشع‭ ‬والاستغلال‭ ‬البشع‭ ‬للثروات،‭ ‬فإشعال‭ ‬الحروب‭ ‬وتأجيج‭ ‬النزاعات‭ ‬هي‭ ‬صناعة‭ ‬أمريكية‭ ‬مربحة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عمالقة‭ ‬الصناعات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭.‬

فاندلاع‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬إشعالها‭ ‬وتأجيجها‭ ‬تعد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أرباب‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة،‭ ‬فرصا‭ ‬ثمينة‭ ‬يتوجب‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬استغلالها‭ ‬والاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬وما‭ ‬تخصيص‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬‮«‬مساعدات‮»‬‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬إلا‭ ‬تأكيد‭ ‬لذلك،‭ ‬حيث‭ ‬المؤشرات‭ ‬كلها‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬نية‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬رفع‭ ‬مشترياتها‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لتعويض‭ ‬الأسلحة‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬خاصة‭ ‬العتاد‭ ‬العسكري‭ ‬الموروث‭ ‬من‭ ‬الحقبة‭ ‬السوفيتية‭ ‬لدى‭ ‬دول‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية،‭ ‬حيث‭ ‬العوائد‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬المشتريات‭ ‬العسكرية‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬الصناعة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭.‬

هذه‭ ‬‮«‬المساعدات‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬باين‭ ‬على‭ ‬تسريع‭ ‬تخصيصها‭ ‬للجانب‭ ‬الأوكراني،‭ ‬ليس‭ ‬هدفها‭ ‬تمكين‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي،‭ ‬كما‭ ‬تدعي‭ ‬هذه‭ ‬الإدارة،‭ ‬وليس‭ ‬مساعدة‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأعباء‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمادية‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية،‭ ‬وإنما‭ ‬مضاعفة‭ ‬هذه‭ ‬الأعباء‭ ‬والخسائر‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المساعدات‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تطيل‭ ‬من‭ ‬أمد‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬ولن‭ ‬تمكن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬هزيمة‭ ‬روسيا،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ومن‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬فإن‭ ‬إلحاق‭ ‬أكبر‭ ‬أذى‭ ‬وخسائر‭ ‬للجانب‭ ‬الروسي‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬فإنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قلب‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭ ‬حنونا‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬لهذه‭ ‬الدرجة،‭ ‬فأين‭ ‬حنان‭ ‬هذا‭ ‬القلب‭ ‬عن‭ ‬أبناء‭ ‬جلدتهم‭ ‬الذين‭ ‬يفترشون‭ ‬الطرقات‭ ‬وأغطية‭ ‬مجاري‭ ‬الصرف‭ ‬الصحي‭ ‬للتدفئة‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الشتاء،‭ ‬أليس‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬أولى‭ ‬بخيرات‭ ‬بلده‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬المساعدات‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬طابعا‭ ‬إنسانيا،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬بمثابة‭ ‬وقود‭ ‬لإشعال‭ ‬الحروب‭ ‬وإطالتها‭ ‬وتأجيج‭ ‬النزاعات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬والشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

ففي‭ ‬دولة‭ ‬بحجم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ثراء‭ ‬وقوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬جبارة،‭ ‬يفترض‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬للفقر‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وإن‭ ‬وجد،‭ ‬فلا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬رقما‭ ‬مفزعا‭ ‬ومخيفا،‭ ‬كما‭ ‬تؤكد‭ ‬ذلك‭ ‬الإحصائيات‭ ‬والأرقام‭ ‬الموثوقة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الأجهزة‭ ‬المختصة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أجهزة‭ ‬خارجية،‭ ‬كي‭ ‬يطعن‭ ‬في‭ ‬صحتها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news