العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«داعش» يصبغ رمضان أفغانستان بالدماء

في‭ ‬موازاة‭ ‬عودة‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الأفغانية‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬بعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي‭ ‬الفوضوي‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬عاد‭ ‬النشاط‭ ‬الدموي‭ ‬لما‭ ‬يعرف‭ ‬بتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬جرائمه‭ ‬الدموية‭ ‬التي‭ ‬تركزت‭ ‬تحديدا‭ ‬في‭ ‬استهداف‭ ‬دور‭ ‬العبادة‭ ‬لجميع‭ ‬الطوائف‭ ‬الدينية‭ ‬الأفغانية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المساجد‭ ‬والجوامع‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬الهجوم‭ ‬الدموي‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬مسجدا‭ ‬لأبناء‭ ‬الطائفة‭ ‬السنية‭ ‬الكريمة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كابول،‭ ‬الذي‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى‭ ‬وأضعافهم‭ ‬من‭ ‬المصابين،‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬إصاباته‭ ‬خطيرة،‭ ‬وهي‭ ‬الجريمة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يفصلها‭ ‬سوى‭ ‬عدة‭ ‬أسابيع‭ ‬من‭ ‬استهداف‭ ‬مسجد‭ ‬آخر‭ ‬لأبناء‭ ‬الطائفة‭ ‬الشيعية‭ ‬الكريمة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مزار‭ ‬الشريف‭ ‬الذي‭ ‬خلف‭ ‬أعدادا‭ ‬كبيرة‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى‭.‬

حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الأفغانية‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬خط‭ ‬التطرف‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬يعتنقه‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬درجة‭ ‬تطرفها‭ ‬أدنى‭ ‬نسبيا‭ ‬من‭ ‬تطرف‭ ‬الأخير،‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬تسلمت‭ ‬زمام‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬اقتلاعها‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬نفذ‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬هجمات‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬الإرهابية‭ ‬ضد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬المدنية‭ ‬الحيوية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬التنظيم‭ ‬الإرهابي،‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أصبح‭ ‬يشكل‭ ‬عبئا‭ ‬ثقيلا‭ ‬على‭ ‬مهمة‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬شؤون‭ ‬‮«‬إمارتها‭ ‬الإسلامية‮»‬‭.‬

خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأطلسي‭ ‬لأفغانستان،‭ ‬ظل‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬شبه‭ ‬عازف‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬القوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأطلسية‭ ‬كانت‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الوئام‭ ‬مع‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬منافسة‭ ‬وجودية‭ ‬حقيقية‭ ‬بينهما،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬عودة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬تغير‭ ‬الأمر‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬يطمح‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬نصيبه‭ ‬من‭ ‬الكعكة‭ ‬الأفغانية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ترفض‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬أي‭ ‬مشاركة‭ ‬للآخرين‭ ‬في‭ ‬الوليمة‭ ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أنها‭ ‬أحق‭ ‬بها‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬القتال‭ ‬ضد‭ ‬الجيوش‭ ‬الغازية‭.‬

أيًّا‭ ‬تكن‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬وحركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬الأخيرة‭ ‬لن‭ ‬تقدر‭ ‬على‭ ‬التصدي‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬اعتاد‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬القيام‭ ‬بها،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬له‭ ‬وجود‭ ‬تنظيمي‭ ‬فيها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وبعض‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وبنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬والنوعية،‭ ‬حيث‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬انتقاء‭ ‬الأهداف‭ ‬الرخوة‭ ‬أمنيا،‭ ‬مثل‭ ‬الأسواق‭ ‬والمساجد،‭ ‬بهدف‭ ‬إسقاط‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬الأبرياء‭.‬

السجل‭ ‬الحافل‭ ‬بالجرائم‭ ‬التي‭ ‬نفذها‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬يكشف‭ ‬بجلاء‭ ‬نوعية‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يختارها‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم،‭ ‬فجل‭ ‬أعماله‭ ‬الإجرامية،‭ ‬تستهدف‭ ‬الأماكن‭ ‬المدنية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يفرق‭ ‬بين‭ ‬مسجد‭ ‬وكنيسة‭ ‬أو‭ ‬سوق‭ ‬تجاري‭ ‬أو‭ ‬حافلة‭ ‬ركاب‭ ‬جماعي،‭ ‬فبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬إراقة‭ ‬دماء‭ ‬الأبرياء،‭ ‬أيًّا‭ ‬تكن‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية،‭ ‬فالأماكن‭ ‬المستهدفة‭ ‬وهويات‭ ‬الضحايا‭ ‬تؤكد‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭.‬

وهناك‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬غير‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬ومحاصرة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الإرهابية‭ ‬لتنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬تأتي‭ ‬الإمكانيات‭ ‬الذاتية‭ ‬للحركة،‭ ‬فهي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التنظيم‭ ‬الأمني‭ ‬المحكم‭ ‬والمعدات‭ ‬الكفيلة‭ ‬بتحقيق‭ ‬ذلك،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬هذا،‭ ‬فإن‭ ‬الحركة‭ ‬ظلت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬عاجزة،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تريد،‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬وئام‭ ‬داخلي‭ ‬يجمع‭ ‬مختلف‭ ‬أطياف‭ ‬الشعب‭ ‬الأفغاني،‭ ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العجز‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬نفسها،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤمن‭ ‬أصلا‭ ‬بالتعدد‭ ‬ولا‭ ‬تريد‭ ‬سوى‭ ‬نمط‭ ‬أفغاني‭ ‬واحد،‭ ‬وهو‭ ‬النمط‭ ‬الذي‭ ‬أسسته‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬حكمها‭ ‬الأولى،‭ ‬ولم‭ ‬يتغير‭ ‬كثيرا،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬إزاحتها‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭.‬

فأفغانستان،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حكم‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬والنهج‭ ‬الذي‭ ‬تسلكه‭ ‬وطريقة‭ ‬إدارتها‭ ‬للحكم،‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬حلقة‭ ‬رخوة‭ ‬وأهدافا‭ ‬سهلة‭ ‬أمام‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإٍسلامية‮»‬،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬سلطة‭ ‬الحركة‭ ‬لم‭ ‬تنل‭ ‬بعد‭ ‬اعتراف‭ ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬إقدام‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬والخبرات‭ ‬الأمنية‭ ‬لمواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬يقف‭ ‬وراءها‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تبد‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬الجدية‭ ‬الكافية‭ ‬لتطمين‭ ‬مختلف‭ ‬الدول،‭ ‬وفي‭ ‬المقدمة‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسياستها‭ ‬وموقفها‭ ‬الصريح‭ ‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬داعش‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬‭ ‬الجدية‭ ‬الكافية‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬لأنشطته‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬بها‭ ‬أفغانستان‭ ‬تحت‭ ‬قيادة‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬طالبان‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬البلاد‭ ‬مرشحة‭ ‬لاستقبال‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الهجمات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬مستمر‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مواقعه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البلاد‭ ‬وتنسيق‭ ‬أنشطته‭ ‬مع‭ ‬أشقائه‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهناك‭ ‬معلومات‭ ‬شبه‭ ‬مؤكد‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬اللوجستي،‭ ‬بشريا‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى،‭ ‬مع‭ ‬فروع‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تحدثت‭ ‬بعض‭ ‬الأنباء‭ ‬عن‭ ‬نقل‭ ‬عناصر‭ ‬لتنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬إلى‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬المستقبل‭ ‬الأمني‭ ‬لهذا‭ ‬البلد‭ ‬مرشح‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬التدهور،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬موقعا‭ ‬ملائما‭ ‬لأنشطته‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬سلطة‭ ‬مركزية‭ ‬قوية‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهته‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news