العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العراق يتجرع أهداف الغزو

بعد‭ ‬مضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬الانتخابات‭ ‬البرلمانية‭ ‬المبكرة‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العراق‭ ‬عجزت‭ ‬القوى‭ ‬الفائزة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬بالسفينة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬مرساها،‭ ‬فاختيار‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬دون‭ ‬تسجيل‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬رئيسي‭ ‬الجمهورية‭ ‬والحكومة‭ ‬العراقية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬عمق‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬نتيجة‭ ‬التركيبة‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬مهندسو‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬لهذا‭ ‬البلد،‭ ‬وهي‭ ‬التركيبة‭ ‬التي‭ ‬قسمت‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الكانتونات‭ ‬العرقية‭ ‬والطائفية،‭ ‬وهي‭ ‬باختصار‭ ‬تكرار‭ ‬للنسخة‭ ‬اللبنانية‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬لبنان‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬المذهبية‭ ‬والعرقية‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‭.‬

المأزق‭ ‬السياسي‭ ‬الحالي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬عجز‭ ‬القوى‭ ‬عن‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬والذي‭ ‬بدوره،‭ ‬حسب‭ ‬الدستور‭ ‬العراقي،‭ ‬يقوم‭ ‬بتكليف‭ ‬مرشح‭ ‬الكتلة‭ ‬البرلمانية‭ ‬الأكثر‭ ‬عددا‭ ‬لتشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة،‭ (‬وهذا‭ ‬مأزق‭ ‬آخر‭ ‬غير‭ ‬المأزق‭ ‬الرئاسي‭)‬،‭ ‬ليس‭ ‬حدثا‭ ‬طارئا‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬بعد‭ ‬الغزو‭ ‬وليس‭ ‬مرتبطا‭ ‬بتغير‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬لهذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬للعجينة‭ ‬التي‭ ‬أفرزها‭ ‬الغزو‭ ‬وما‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬تركيبة‭ ‬سياسية‭ ‬عمودية‭ ‬التشريح‭ ‬وغير‭ ‬صالحة‭ ‬لبناء‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬ديمقراطي‭ ‬متطور‭.‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬وهذه‭ ‬التركيبة‭ ‬فإن‭ ‬الوضع‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬سوف‭ ‬يراوح‭ ‬مكانه‭ ‬ولن‭ ‬يقدر‭ ‬الفرقاء‭ ‬العراقيون‭ ‬على‭ ‬انتشاله‭ ‬من‭ ‬المأزق‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬به،‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬نجح‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفرقاء‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬مأزق‭ ‬اختيار‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬الكردي‭ ‬بالطبع،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الرئيس‭ ‬سيواجه‭ ‬مأزق‭ ‬التشكيل‭ ‬الحكومي‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬أية‭ ‬قائمة‭ ‬انتخابية‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلوبة‭ ‬لتشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬ويتعين‭ ‬على‭ ‬الفائزين‭ ‬تشكيل‭ ‬ائتلاف‭ ‬برلماني‭ ‬يحوز‭ ‬على‭ ‬أغلبية‭ ‬المقاعد‭ ‬ليتسنى‭ ‬لهم‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬المقبلة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬نشب‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الشيعي،‭ ‬بمجرد‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬والتي‭ ‬فازت‭ ‬الكتلة‭ ‬الصدرية‭ ‬بأكبر‭ ‬عدد‭ ‬فيها‭.‬

فوفقا‭ ‬للتركيبة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬ممثل‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بول‭ ‬بريمر،‭ ‬والتي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬نصيبا‭ ‬‮«‬مكتسبا‮»‬‭ ‬لأكراد‭ ‬العراق،‭ ‬فيما‭ ‬يكون‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬للعرب‭ ‬السنة‭ ‬ورئاسة‭ ‬الحكومة‭ ‬للعرب‭ ‬الشيعة،‭ ‬هذه‭ ‬التقسيمة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أمرا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الصعوبة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مستحيلا،‭ ‬فعملية‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التركيبة‭ ‬السيئة،‭ ‬يشترط‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وجود‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬ذات‭ ‬تركيبة‭ ‬وطنية،‭ ‬أي‭ ‬جامعة‭ ‬لمختلف‭ ‬أطياف‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬صعبة‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬العراق‭ ‬الحالية‭ ‬حيث‭ ‬سيطرة‭ ‬الأحزاب‭ ‬ذات‭ ‬التركيبة‭ ‬الضيقة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬وباتت‭ ‬شبه‭ ‬تامة‭.‬

فالعراق‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المعجزة‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬التركة‭ ‬السياسية‭ ‬الثقيلة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي،‭ ‬فهذه‭ ‬المناكفة‭ ‬الحاصلة‭ ‬الآن‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬ذات‭ ‬التركيبة‭ ‬الضيقة،‭ ‬أي‭ ‬الأحزاب‭ ‬الكردية‭ ‬والشيعية‭ ‬والسنية،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬النتيجة‭ ‬الحتمية‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬ركب‭ ‬المشروع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬للعراق‭ ‬بعد‭ ‬الغزو،‭ ‬والذي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أهدافه‭ ‬تشطير‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬تشطيرا‭ ‬عموديا‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬شل‭ ‬القدرة‭ ‬المجتمعية‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬بناء‭ ‬وطن‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬احتضان‭ ‬جميع‭ ‬أبنائه‭ ‬دون‭ ‬تفرقة‭ ‬أو‭ ‬تمييز‭ ‬بسبب‭ ‬العرق‭ ‬أو‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الطائفة‭.‬

فمأزق‭ ‬اختيار‭ ‬الرئيس‭ ‬أو‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬محطات‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬العراق‭ ‬منذ‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي‭ ‬عام‭ ‬2003،‭ ‬وهي‭ ‬أزمات‭ ‬سوف‭ ‬تستمر،‭ ‬وهي‭ ‬مرشحة‭ ‬للتصاعد‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الأحزاب‭ ‬العراقية‭ ‬فيما‭ ‬يشبه‭ ‬الصدام‭ ‬السياسي‭ ‬غير‭ ‬المألوف‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬‮«‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تستوجب‭ ‬قبول‭ ‬جميع‭ ‬المنخرطين‭ ‬فيها‭ ‬بجميع‭ ‬ما‭ ‬تفرزه‭ ‬من‭ ‬نتائج،‭ ‬وهذا‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬عملية‭ ‬انتخابية‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬حيث‭ ‬سارعت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬نتائجها‭.‬

العراق‭ ‬الذي‭ ‬يمتلك‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬النهوض‭ ‬وبناء‭ ‬دولة‭ ‬قوية‭ ‬ومتطورة،‭ ‬بقى‭ ‬عاجزا‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المحنة‭ ‬التي‭ ‬خلقتها‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬الأمريكي،‭ ‬والسبب‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬انخراط‭ ‬جميع‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬المشروع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬بوعي‭ ‬وقبول‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬بغير‭ ‬وعي‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فسيطرة‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬ذات‭ ‬التركيبة‭ ‬الضيقة،‭ ‬عرقيا‭ ‬ودينيا‭ ‬وطائفيا،‭ ‬شل‭ ‬القدرة‭ ‬الوطنية‭ ‬العراقية‭ ‬وأبقاها‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المحنة،‭ ‬أي‭ ‬بتعبير‭ ‬آخر،‭ ‬فإن‭ ‬القوى‭ ‬الضيقة‭ ‬التركيب‭ ‬الهيكلي‭ ‬تترجم‭ ‬عمليا‭ ‬الهدف‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو،‭ ‬أي‭ ‬تجريد‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكانته‭ ‬كرقم‭ ‬إقليمي‭ ‬له‭ ‬وزنه،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news