العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

تشومسكي والنفاق الأمريكي

نعوم‭ ‬تشومسكي‭ (‬93‭ ‬عاما‭) ‬مفكر‭ ‬أمريكي‭ ‬شهير‭ ‬جدا‭ ‬ويعتبر‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وأكبر‭ ‬المفكرين‭ ‬الأحياء‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭. ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬عبر‭ ‬تاريخه‭ ‬بانتقاداته‭ ‬الحادة‭ ‬للسياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية‭ ‬عموما‭ ‬تجاه‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وله‭ ‬عشرات‭ ‬الكتب‭ ‬والمقالات‭ ‬المنشورة‭. ‬وتشومسكي‭ ‬يحظى‭ ‬باحترام‭ ‬واسع‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يوافقون‭ ‬على‭ ‬آرائه‭ ‬ومواقفه‭.‬

في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬عبر‭ ‬تشومسكي‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬وآراء‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الحوارات‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬معه‭ ‬تابعت‭ ‬العديد‭ ‬منها‭.‬

‭ ‬الآراء‭ ‬والمواقف‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬تشومسكي‭ ‬تستحق‭ ‬التأمل‭ ‬والتوقف‭ ‬عندها‭ ‬نظرا‭ ‬لما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬وزن‭ ‬وقيمة‭.‬

بداية،‭ ‬اتخذ‭ ‬تشومسكي‭ ‬موقفا‭ ‬انتقاديا‭ ‬حادا‭ ‬من‭ ‬الغزو‭ ‬الروسي‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬واعتبر‭ ‬انه‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬عدوان‭ ‬اجرامي‮»‬‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬يضع‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬اعتاب‭ ‬صراع‭ ‬دموي‭ ‬مفتوح‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الانتقاد‭ ‬لروسيا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مبررا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لتشومسكي‭ ‬لتبرئة‭ ‬ساحة‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭.‬

هو‭ ‬يحمل‭ ‬أمريكا‭ ‬ودول‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬مسؤولية‭ ‬أساسية‭ ‬عما‭ ‬جرى‭ ‬ويعتبر‭ ‬انه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬تجنب‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬وما‭ ‬فعلته‭ ‬روسيا‭ ‬لو‭ ‬انها‭ ‬تصرفت‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭. ‬رأيه‭ ‬هنا‭ ‬يتلخص‭ ‬في‭ ‬انه‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ونهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬تعهد‭ ‬غربي‭ ‬واضح‭ ‬بعدم‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬عضوية‭ ‬حلف‭ ‬الأطلنطي‭ ‬بما‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬إثارة‭ ‬مخاوف‭ ‬روسيا،‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬صيغ‭ ‬مطروحة‭ ‬لحقبة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬وانه‭ ‬لو‭ ‬تمسك‭ ‬الغرب‭ ‬بتعهداته‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الأمر‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭. ‬

يقول‭ ‬انه‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬فرصة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬خلال‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬بوش‭ ‬الأب‭ ‬عندما‭ ‬قدم‭ ‬الرئيس‭ ‬ميخائيل‭ ‬جورباتشوف‭ ‬رؤيته‭ ‬لإدارة‭ ‬حقبة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬واقترح‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منطقة‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬موحدة‭ ‬وممتدة‭ ‬من‭ ‬لشبونة‭ ‬إلى‭ ‬فلاديفوستوك‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تحالفات‭ ‬عسكرية،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬سُمِّي‭ ‬حينها‭ (‬دار‭ ‬أوروبا‭ ‬المشتركة‭)‬،‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬أحد‭ ‬الخيارات‭ ‬المقترحة‮»‬،‭ ‬وخيار‭ ‬الرئيس‭ ‬بوش‭ ‬الأب،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مختلفا‭ ‬جدا‭ ‬عن‭ ‬مقترح‭ ‬نظيره‭ ‬السوفيتي‭ ‬حينها‭. ‬إذ‭ ‬اقترح‭ ‬ما‭ ‬سماها‭ (‬شراكة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭). ‬يرى‭ ‬تشومسكي‭ ‬ان‭ ‬الغرب‭ ‬لو‭ ‬نفذ‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬ولم‭ ‬يخل‭ ‬بتعهداته‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬روسيا‭ ‬لتقدم‭ ‬على‭ ‬غزو‭ ‬أوكرانيا‭ ‬اليوم‭.‬

أما‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬تشومسكي‭ ‬من‭ ‬آراء‭ ‬فيتعلق‭ ‬بتحليله‭ ‬للموقف‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وكشفه‭ ‬لما‭ ‬اعتبر‭ ‬انه‭ ‬نفاق‭ ‬أمريكي‭ ‬فج‭.‬

يقول‭ ‬تشومسكي‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬أمريكا‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭: ‬‮«‬موقف‭ ‬واشنطن‭ ‬هو‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭ ‬حتى‭ ‬يُقتل‭ ‬آخر‭ ‬أوكراني‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬كلماتي‭ ‬وإنما‭ ‬جملة‭ ‬أستعيرها‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬الشخصيات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المحترمة‭ ‬في‭ ‬أمريكا،‭ ‬هو‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬تشارلز‭ ‬فريمان‭. ‬فقد‭ ‬وصف‭ ‬بالتفصيل‭ ‬استراتيجية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إزاء‭ ‬النزاع،‭ ‬وقال‭ ‬إنها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ (‬مواصلة‭ ‬القتال‭ ‬حتى‭ ‬سقوط‭ ‬آخر‭ ‬أوكراني‭)‬،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية،‭ ‬ودون‭ ‬تقديم‭ ‬أي‭ ‬مخرج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭. ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬خيار‭ ‬القتال‭ ‬حتى‭ ‬سقوط‭ ‬آخر‭ ‬أوكراني‭ ‬عند‭ ‬معناه‭ ‬الحرفي،‭ ‬وإنما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬قوي‭ ‬للانتقال‭ ‬إلى‭ ‬صِدام‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬النووية‭ ‬الكبرى،‭ ‬أي‭ ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬الحالي،‭ ‬بصيغة‭ ‬أخرى‮»‬‭.‬

ويتحدث‭ ‬تشومسكي‭ ‬في‭ ‬حواراته‭ ‬عما‭ ‬يعتبر‭ ‬انه‭ ‬نفاق‭ ‬أمريكي‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬خصوصا‭ ‬بجانبين‭: ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وعن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والدكتاتورية‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحديث‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ورغم‭ ‬انتقاداته‭ ‬لبوتين‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬تتذكر‭ ‬اليوم‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬هي‭ ‬اكبر‭ ‬من‭ ‬انتهكه‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬يقول‭: ‬‮«‬صحيح،‭ ‬بالطبع،‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاءها‭ ‬ينتهكون‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يطرف‭ ‬لهم‭ ‬جفن،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬بوتين‭... ‬كان‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ ‬مثلا‭ ‬نموذجا‭ ‬تاما‭ ‬للجرائم‭ ‬التي‭ ‬شنق‭ ‬بسبب‭ ‬مثلها‭ ‬النازيون‭ ‬في‭ ‬نورمبرج،‭ ‬وكان‭ ‬عدوانا‭ ‬بلا‭ ‬أدنى‭ ‬استفزاز‮»‬‭.‬

اما‭ ‬عن‭ ‬مسألة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وزعم‭ ‬أمريكا‭ ‬والدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الدكتاتورية‭ ‬وان‭ ‬خوف‭ ‬بوتين‭ ‬الأكبر‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬تطويق‭ ‬الناتو،‭ ‬بل‭ ‬انتشار‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الليبرالية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬و«الخارج‭ ‬القريب‮»‬‭ ‬من‭ ‬روسيا،‭ ‬فيقول‭: ‬‮«‬بوتين‭ ‬مهتم‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬مثلنا،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بإمكانه‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬فقاعة‭ ‬الدعاية‭ ‬لبضع‭ ‬دقائق،‭ ‬وللولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتدميرها،‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬لذكر‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع؟‭.. ‬إيران‭ ‬عام‭ ‬1953،‭ ‬وجواتيمالا‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬وتشيلي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1973‭.. ‬إلخ‭. ‬والآن،‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نحترم‭ ‬التزام‭ ‬واشنطن‭ ‬الهائل‭ ‬بالسيادة‭ ‬والديمقراطية‭ ‬ونعجب‭ ‬به؟‭.. ‬هل‭ ‬يجوز‭ ‬ان‭ ‬نعتبر‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬لا‭ ‬يهم‭ ‬لأنه‭ ‬حدث‭ ‬لأشخاص‭ ‬آخرين‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬باختصار‭ ‬أهم‭ ‬الآراء‭ ‬والمواقف‭ ‬التي‭ ‬عبر‭ ‬عنها‭ ‬مفكر‭ ‬أمريكي‭ ‬مثل‭ ‬تشومسكي‭. ‬وهي‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬تقدم‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬متوازنة‭ ‬وموضوعية‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news