العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الدول الإسلامية في مواجهة التطرف

ليست‭ ‬سوى‭ ‬أيام‭ ‬معدودات،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬نقل‭ ‬ساعات‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عددها‭ ‬عدد‭ ‬أصابع‭ ‬اليدين،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬أبعاد‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬جريمة‭ ‬اقتحام‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬‮«‬الإسرائيلي‮»‬‭ ‬والاعتداء‭ ‬على‭ ‬المصلين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتوفير‭ ‬الحماية‭ ‬لجحافل‭ ‬المستوطنين‭ ‬وتمكينهم‭ ‬من‭ ‬تدنيس‭ ‬الحرم‭ ‬القدسي،‭ ‬وبين‭ ‬جريمة‭ ‬حرق‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬المتشدد‮»‬‭ ‬الدنماركي،‭ ‬راسموس‭ ‬بالودان،‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬المتطرفين‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬وهي‭ ‬جرائم‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬ليست‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببضعها‭ ‬البعض‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬المنفذين‭ ‬لها،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تندرج‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الممارسات‭ ‬المتطرفة،‭ ‬عسكريا‭ ‬وفكريا‭ ‬ودينيا‭ ‬أيضا‭.‬

هذه‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬الذي‭ ‬يشهد‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ (‬الجرائم‭)‬،‭ ‬هي‭ ‬أيام‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العبر‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬أمام‭ ‬المسؤولية‭ ‬التاريخية‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬الوقوف‭ ‬أمامها‭ ‬بكل‭ ‬جدية‭ ‬ومحسوبية،‭ ‬فما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬لأولى‭ ‬القبلتين،‭ ‬وما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬تدنيس‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬متطرفين،‭ ‬إنما‭ ‬تظهر‭ ‬للجميع‭ ‬مدى‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬درجة‭ ‬الاستخفاف‭ ‬وعدم‭ ‬احترام‭ ‬مشاعر‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬كافة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يستدعي‭ ‬وقفة‭ ‬جادة‭ ‬ورسائل‭ ‬مباشرة‭ ‬لمنع‭ ‬تكرار‭ ‬ومواصلة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءات‭.‬

صحيح‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الخمسين‭ ‬عاما‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬انقضت‭ ‬على‭ ‬احتلال‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬مدينة‭ ‬القدس،‭ ‬حاضنة‭ ‬أولى‭ ‬القبلتين،‭ ‬فإن‭ ‬عمليات‭ ‬التدنيس‭ ‬والاقتحامات،‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال‭ ‬والمستوطنين،‭ ‬للمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬لم‭ ‬تتوقف،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المناسبات،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الآن،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬المناسبات،‭ ‬وقد‭ ‬اصطبغت‭ ‬ساحات‭ ‬المسجد‭ ‬وبواباته‭ ‬ومختلف‭ ‬ردهاته،‭ ‬بدماء‭ ‬عشرات‭ ‬الشهداء‭ ‬الذين‭ ‬هبوا‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مقدساتهم‭ ‬وحرماتها،‭ ‬وبالقدر‭ ‬نفسه،‭ ‬لم‭ ‬يسلم‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬الإساءة،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المتطرفين‭ ‬الدينيين‭ ‬وغير‭ ‬الدينيين،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬‮«‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬التصدي‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءات‭ ‬بحجة‭ ‬الكفالة‭ ‬الدستورية‭ ‬والقانونية‭ ‬لـــ«حرية‭ ‬الرأي‭ ‬والتعبير‮»‬‭.‬

الإساءات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬الرموز‭ ‬الدينية‭ ‬المقدسة‭ ‬لدى‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬فتعرض‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬لهذه‭ ‬الهجمة‭ ‬الصهيونية‭ ‬الشرسة‭ ‬بمشاركة‭ ‬جحافل‭ ‬المستوطنين‭ ‬تحت‭ ‬الحماية‭ ‬الرسمية‭ ‬‮«‬الإسرائيلية‮»‬،‭ ‬وحرق‭ ‬نسخ‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬السلطات‭ ‬السويدية‭ ‬للحيلولة‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الفعل‭ ‬المشين‭ ‬والمسيء‭ ‬لعقيدة‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬مواطنون‭ ‬من‭ ‬المملكة‭ ‬السويدية،‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬لتقع‭ ‬وتتكرر‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم،‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬ارتكبت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أيضا،‭ ‬وبمثل‭ ‬هذه‭ ‬الخسة‭ ‬والدناءة،‭ ‬قوبلت‭ ‬بإجراءات‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬تكرارها‭ ‬أمرا‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الخطورة‭.‬

الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تقطع‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ترتكب‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفعال‭ ‬والجرائم،‭ ‬فهناك‭ ‬علاقات‭ ‬تاريخية‭ ‬وقوية‭ ‬مع‭ ‬مملكة‭ ‬السويد‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ترفض‭ ‬التطرف،‭ ‬ولها‭ ‬مواقف‭ ‬بناءة‭ ‬وإيجابية‭ ‬من‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬وترفض‭ ‬سياسة‭ ‬الاحتلال‭ ‬والتنكيل‭ ‬بأبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وبإمكان‭ ‬الدول‭ ‬الإٍسلامية‭ ‬التعويل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬لإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬صريحة‭ ‬وواضحة‭ ‬بأن‭ ‬تكرار‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإساءة‭ (‬حرق‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬المصحف‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭) ‬يسيء‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬ويهدد‭ ‬استقرارها‭.‬

المطلوب‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬لمواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬واستمرار‭ ‬الإساءة‭ ‬لرموز‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬أن‭ ‬تأخذ‭ ‬بيدها‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬الحقيقي‭ ‬عن‭ ‬المعتقدات‭ ‬والرموز‭ ‬الدينية‭ ‬المقدسة،‭ ‬وإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬والذين‭ ‬يجيزونها‭ ‬تحت‭ ‬الحجج‭ ‬غير‭ ‬المنطقية‭ ‬وغير‭ ‬المقبولة،‭ ‬بأن‭ ‬استمرارها‭ ‬وتكرارها‭ ‬يعني‭ ‬القبول‭ ‬بتخريب‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬ودولة‭ ‬مثل‭ ‬السويد‭ ‬وغيرها،‭ ‬مع‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬لا‭ ‬تنطبق‭ ‬على‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬قضية‭ ‬تدنيس‭ ‬والإساءة‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬لأن‭ ‬القضية‭ ‬لها‭ ‬أبعاد‭ ‬ليست‭ ‬دينية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬أبعاد‭ ‬سياسية‭.‬

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬مطالبة‭ ‬أيضا‭ ‬بأخذ‭ ‬المسؤولية‭ ‬إزاء‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬على‭ ‬عاتقها‭ ‬مباشرة،‭ ‬لسد‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬استغلال‭ ‬المتطرفين‭ ‬لهذه‭ ‬القضايا‭ ‬والقيام‭ ‬بأعمال‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬للدين‭ ‬الإٍسلامي‭ ‬بصلة،‭ ‬مثل‭ ‬القيام‭ ‬بأعمال‭ ‬تخريبية‭ ‬وحرق‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬بالضبط‭ ‬في‭ ‬السويد،‭ ‬بحجة‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الإساءات،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬الدم‭ ‬والعنف،‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬أن‭ ‬تسيء‭ ‬إلى‭ ‬المواقف‭ ‬الإسلامية‭ ‬المعتدلة‭ ‬والوسطية،‭ ‬ولا‭ ‬تخدم‭ ‬الهدف‭ ‬الأسمى‭ ‬وهو‭ ‬حماية‭ ‬المقدسات‭ ‬الدينية‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حرمتها‭ ‬والوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الإساءة‭ ‬إليها‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news