العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

شهر الانتصارات!

من‭ ‬سمات‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭ ‬أنه‭ ‬شهر‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬القتال‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وأعدائهم‭ ‬القريبين‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الردة‭ ‬الذين‭ ‬حاولوا‭ ‬نقض‭ ‬العهود‭ ‬والمواثيق‭ ‬التي‭ ‬أعطوها‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭)‬عند‭ ‬وفاته‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬حيث‭ ‬ارتدت‭ ‬بعض‭ ‬القبائل،‭ ‬فكان‭ ‬لزامًا‭ ‬على‭ ‬خليفة‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬الصِدِّيق‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭)‬،‭ ‬أن‭ ‬يردهم‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭..‬هذا‭ ‬عن‭ ‬الأعداء‭ ‬القريبين‭ ‬أما‭ ‬الأعداء‭ ‬البعيدون‭ ‬فهم‭ ‬دولة‭ ‬الفرس‭ ‬ودولة‭ ‬الروم‭ ‬ومن‭ ‬شايعهم‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬العربية‭. ‬ولقد‭ ‬تميز‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬الكريم‭ ‬بكثرة‭ ‬الانتصارات‭ ‬للمسلمين‭ ‬على‭ ‬أعدائهم،‭ ‬وكانت‭ ‬أول‭ ‬مواجهة‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬الحق‭ ‬وأنصار‭ ‬الباطل‭ ‬حدثت‭ ‬فيه‭ ‬هي‭ ‬غزوة‭ ‬بدر‭ ‬الكبرى‭ ‬بين‭ ‬القلة‭ ‬المؤمنة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬المسلمون‭ ‬فيها‭ ‬الثلاث‭ ‬مائة‭ ‬إلا‭ ‬بقليل،‭ ‬ولقد‭ ‬نصرهم‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬فانتصرت‭ ‬الفئة‭ ‬القليلة‭ ‬المؤمنة‭ ‬على‭ ‬الكثرة‭ ‬الكافرة،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‭{‬‭ ‬ولقد‭ ‬نصركم‭ ‬الله‭ ‬ببدر‭ ‬وأنتم‭ ‬أذلة‭ ‬فاتقوا‭ ‬الله‭ ‬لعلكم‭ ‬تشكرون‭}‬‭ ‬آل‭ ‬عمران‭/‬123‭. ‬

إن‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬دوام‭ ‬النصر‭ ‬للأمة‭ ‬المداومة‭ ‬على‭ ‬الطاعات،‭ ‬والحذر‭ ‬من‭ ‬المعاصي،‭ ‬وأن‭ ‬يبيع‭ ‬المؤمن‭ ‬نفسه‭ ‬لله‭ ‬تعالى،‭ ‬وأن‭ ‬يحب‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬كما‭ ‬يحب‭ ‬الأعداء‭ ‬الحياة،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬القائد‭ ‬المظفر‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬الوليد‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬لقائد‭ ‬الروم‭ : ‬جئتك‭ ‬بقوم‭ ‬يحبون‭ ‬الموت‭ ‬كما‭ ‬تحبون‭ ‬الحياة،‭ ‬وهذه‭ ‬نوعية‭ ‬من‭ ‬الجندية‭ ‬لم‭ ‬تتوفر‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬أمة‭ ‬ولن‭ ‬تتوفر‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬أمة‭ ‬الإسلام‭ ‬التي‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬أقصر‭ ‬الطرق‭ ‬إلى‭ ‬الجنة‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭.‬

وفِي‭ ‬رمضان‭ ‬كان‭ ‬الفتح‭ ‬الأعظم،‭ ‬فتح‭ ‬مكة‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثامنة‭ ‬للهجرة،‭ ‬والتي‭ ‬عادت‭ ‬مكة‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حضن‭ ‬الإسلام،‭ ‬وبهذا‭ ‬الفتح‭ ‬صارت‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬كلها‭ ‬مسلمة‭.‬

إن‭ ‬قمة‭ ‬النصر‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الشهادة‭ ‬التي‭ ‬ينتصر‭ ‬فيها‭ ‬المسلم‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬الأمّارة‭ ‬بالسوء،‭ ‬وعلى‭ ‬شيطانه‭ ‬الذي‭ ‬يوسوس‭ ‬له‭ ‬بالحرص‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭ ‬والتمسك‭ ‬بها،‭ ‬وخير‭ ‬الأوقات‭ ‬لملاقاة‭ ‬الأعداء‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬المسلم‭ ‬زاهدًا‭ ‬في‭ ‬ملذات‭ ‬الحياة‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬انتصر‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬وشيطانه‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬ينتصر‭ ‬على‭ ‬أعدائه‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬القتال،‭ ‬لهذا‭ ‬سمي‭ ‬جهاد‭ ‬النفس‭ ‬والهوى‭ ‬والشيطان‭ ‬جهادا‭ ‬أكبر‭!.‬

بعد‭ ‬فتح‭ ‬مكة‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الثامنة‭ ‬للهجرة‭ ‬صارت‭ ‬مكة‭ ‬أرض‭ ‬إسلام،‭ ‬وتفرغ‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬لإقامة‭ ‬دولة‭ ‬الإسلام،‭ ‬ووضع‭ ‬صحيفة‭ ‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬أول‭ ‬دستور‭ ‬للدولة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬والتي‭ ‬أسس‭ ‬فيها‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الديانات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬ليسوا‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬الديانات‭ ‬السماوية‭ ‬قال‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬عنهم‭ : ‬سنوا‭ ‬فيهم‭ ‬سنة‭ ‬أهل‭ ‬الكتاب،‭ ‬ولقد‭ ‬تم‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المواطنة‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬للجميع‭ ‬ما‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬حقوق‭ ‬وما‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬واجبات‭. ‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬وما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬وانتصارات،‭ ‬وما‭ ‬أحوج‭ ‬المسلمين‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬نفحات‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬العظيم،‭ ‬وما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬حكم‭ ‬ومواعظ‭ ‬تعود‭ ‬به‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬إلى‭ ‬سابق‭ ‬مجدها،‭ ‬وريادتها‭ ‬للأمم،‭ ‬وهي‭ ‬جديرة‭ ‬بهذه‭ ‬الريادة‭ ‬لأنها‭ ‬تدين‭ ‬بالدين‭ ‬الكامل،‭ ‬وصاحبة‭ ‬المعجزة‭ ‬الخالدة،‭ ‬والكتاب‭ ‬الذي‭ : ‬‭{‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬تنزيل‭ ‬من‭ ‬حكيم‭ ‬حميد‭}‬‭ ‬فصلت‭/‬42‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news