العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

الغرب يحارب المستقبل

من‭ ‬أكبر‭ ‬الانتقادات‭ ‬التي‭ ‬يوجهها‭ ‬الغرب‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬بوتين‭ ‬منذ‭ ‬تفجرت‭ ‬أزمة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬أنه‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إحياء‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الروسية‭ ‬وإعادة‭ ‬روسيا‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬إرادتها‭ ‬وتحدي‭ ‬القوى‭ ‬الأخرى‭.‬

وما‭ ‬يعتبره‭ ‬الغرب‭ ‬خطيئة‭ ‬لبوتين‭ ‬ليس‭ ‬عيبا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولا‭ ‬يستديى‭ ‬توجيه‭ ‬سهام‭ ‬الانتقاد‭ ‬له‭. ‬ليس‭ ‬عيبا‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬بوتين،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬زعيم‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬قوة‭ ‬بلاده‭ ‬وإلى‭ ‬جعلها‭ ‬قوة‭ ‬عالمية‭ ‬مؤثرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬مصالحها‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬مخططات‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬منافسة‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬الغرب‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬محاولة‭ ‬بوتين‭ ‬إعادة‭ ‬الماضي‭ ‬جريمة‭ ‬تستوجب‭ ‬أن‭ ‬يحاربها،‭ ‬فإنه‭ ‬يرتكب‭ ‬جريمة‭ ‬كبرى‭. ‬الغرب‭ ‬يحارب‭ ‬المستقبل‭.. ‬مستقبل‭ ‬العالم‭ ‬والبشرية‭ ‬بأسرها‭.‬

الغرب‭ ‬يحارب‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬قيام‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬أكثر‭ ‬توازنا‭ ‬وعدلا‭ ‬وتنوعا‭.‬

ولنا‭ ‬أن‭ ‬نتأمل‭ ‬الجوانب‭ ‬التالية‭:‬

الغرب‭ ‬يحارب‭ ‬بكل‭ ‬قواه‭ ‬وبكل‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تبلغ‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬حدا‭ ‬يمكنها‭ ‬من‭ ‬منافسته،‭ ‬ويمكنها‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

الغرب‭ ‬يفعل‭ ‬هذا‭ ‬بالذات‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬إذ‭ ‬يعتبر‭ ‬أنهما‭ ‬أكبر‭ ‬دولتين‭ ‬مؤهلتين‭ ‬لمنافسته‭ ‬وتحديه‭. ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬البلدين‭. ‬سيفعل‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬أخرى‭ ‬تتحداه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

وهذه‭ ‬استراتيجية‭ ‬غربية‭ ‬معلنة‭ ‬ومعروفة‭. ‬معروف‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكا‭ ‬مثلا‭ ‬تقوم‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬هما‭ ‬أكبر‭ ‬تهديد‭ ‬عالمي‭ ‬لها‭ ‬وتجند‭ ‬إمكانياتها‭ ‬لمحاربتهما‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأصعدة‭.‬

والغرب‭ ‬يحارب‭ ‬بكل‭ ‬قواه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬بروز‭ ‬عالم‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬لا‭ ‬تنفرد‭ ‬فيه‭ ‬قوة‭ ‬واحدة‭ ‬بموقع‭ ‬الهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬المقدرات‭ ‬العالمية‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬اليوم‭.‬

بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬يحارب‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬هيمنته‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭.‬

هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬قيام‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬مستقبلا‭ ‬هو‭ ‬مصلحة‭ ‬لكل‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ويتيح‭ ‬لها‭ ‬فرصا‭ ‬وإمكانيات‭ ‬أكبر‭ ‬لاستغلال‭ ‬التنافس‭ ‬العالمي‭ ‬المتعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬لخدمة‭ ‬مصالحها‭.‬

والغرب‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬عالما‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬قدرة‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬نظام‭ ‬للحكم‭ ‬والممارسة‭ ‬السياسية‭ ‬يلائم‭ ‬ظروفها‭ ‬وأوضاعها‭ ‬الخاصة‭ ‬دون‭ ‬الرضوخ‭ ‬للإرهاب‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إجبار‭ ‬الكل‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي‭ ‬تحت‭ ‬زعم‭ ‬انه‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬ديمقراطية‭.‬

هذا‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الليبرالي‭ ‬الغربي‭ ‬يواجه‭ ‬أزمات‭ ‬طاحنة‭ ‬حاليا‭ ‬كما‭ ‬تحدثنا‭ ‬مرارا،‭ ‬ومستقبلا‭ ‬غير‭ ‬واضح‭ ‬المعالم‭ ‬مفتوحا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الاحتمالات‭.‬

وفي‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬تحارب‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬منفردة‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬مجتمعة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬القوة‭ ‬والإرادة‭ ‬على‭ ‬اتباع‭ ‬السياسات‭ ‬والمواقف‭ ‬المستقلة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الغرب‭ ‬وإملاءاته‭. ‬وتطورات‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬تشهد‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كما‭ ‬نعلم‭. ‬وقد‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬مثلا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ممارسة‭ ‬الضغوط‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬وقف‭ ‬برامج‭ ‬التعاون‭ ‬العسكري‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭.‬

باختصار،‭ ‬الغرب‭ ‬يريد‭ ‬مصادرة‭ ‬مستقبل‭ ‬العالم‭ ‬ومستقبل‭ ‬البشرية‭ ‬لحسابه‭ ‬وحساب‭ ‬أطماعه‭ ‬الامبريالية‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬رد‭ ‬فعله‭ ‬الهستيري‭ ‬ضد‭ ‬روسيا‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭.‬

هذه‭ ‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬يخوضها‭ ‬الغرب‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬خاسرة‭. ‬لن‭ ‬يستطيع‭ ‬إبقاء‭ ‬هيمنته‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬العالم‭ ‬مستقبلا‭ ‬ولن‭ ‬يستطيع‭ ‬منع‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الهيمنة‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬أي‭ ‬قراءة‭ ‬موضوعية‭ ‬للتطورات‭ ‬والأوضاع‭ ‬العالمية،‭ ‬وما‭ ‬يقوله‭ ‬حتى‭ ‬المحللون‭ ‬والباحثون‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬نفسه‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news