العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

سحر «الديمقراطية» انقلب على الساحر الأمريكي

هذه‭ ‬مفارقة‭ ‬تاريخية‭ ‬حقا‭.‬

حين‭ ‬شرعت‭ ‬أمريكا،‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬اعقاب‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخططها‭ ‬الذي‭ ‬أسمته‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬اعتبرت‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬ادواتها‭ ‬لفرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مقدراته‭.‬

مفهوم‭ ‬بالطبع‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬المخطط‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وراءه‭ ‬أي‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬وحقوق‭ ‬الانسان‭ ‬وما‭ ‬شابه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬شعارات‭ ‬وادعاءات‭. ‬

في‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الغربية،‭ ‬يعتبر‭ ‬مخطط‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أداة‭ ‬لتكريس‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬تحقيق‭ ‬ثلاثة‭ ‬اهداف‭ ‬كبرى‭ ‬هي‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

أولا‭: ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬استخدموا‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬ذريعة‭ ‬ومبررا‭ ‬لتدمير‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬وإغراقها‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬والخراب‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬حرفيا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬وفي‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬مع‭ ‬أحداث‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬والتآمر‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظم‭ ‬حكم‭ ‬وتخريب‭ ‬دول‭.‬

الفكرة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬تدمير‭ ‬دول‭ ‬وإنهاء‭ ‬قوتها‭ ‬هو‭ ‬طريق‭ ‬لترسيخ‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬مناطق‭ ‬بأسرها،‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬ظهور‭ ‬دول‭ ‬قوية‭ ‬فرادى‭ ‬ومجتمعة‭ ‬بمقدورها‭ ‬تحدي‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية‭.‬

ثانيا‭: ‬ومفهوم‭ ‬بالطبع‭ ‬ان‭ ‬‮«‬نشر‭ ‬الديمقراطية‮»‬‭ ‬أريد‭ ‬منه‭ ‬فرض‭ ‬النموذج‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬تحت‭ ‬زعم‭ ‬انه‭ ‬هو‭ ‬النموذج‭ ‬الأمثل‭ ‬الذي‭ ‬يحقق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬وحقوق‭ ‬الانسان‭ ‬وهو‭ ‬الأصلح‭ ‬للعالم‭.‬

‭ ‬الفكرة‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬اجبار‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬عل‭ ‬اتباع‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬وتطبيقه‭ ‬سوف‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬اتباعا‭ ‬تلقائيين‭ ‬للغرب‭ ‬مرتبطين‭ ‬به‭ ‬وينفذون‭ ‬أوامره‭ ‬ونواهيه‭.‬

كما‭ ‬ان‭ ‬تطبيق‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬يعني‭ ‬حرمان‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬اتباع‭ ‬نموذج‭ ‬للحكم‭ ‬السياسي‭ ‬وللديمقراطية‭ ‬يناسب‭ ‬ثقافتها‭ ‬وأوضاعها‭ ‬الخاصة‭ ‬وتطورها‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لو‭ ‬حدث‭ ‬سيجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬قوة‭ ‬بالضرورة‭.‬

ثالثا‭: ‬ان‭ ‬مخطط‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬استخدم‭ ‬كما‭ ‬نعلم‭ ‬ذريعة‭ ‬ومبررا‭ ‬لدعم‭ ‬القوى‭ ‬والجماعات‭ ‬العميلة‭ ‬لأمريكا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬ماديا‭ ‬وسياسيا‭ ‬وإعلاميا‭. ‬وتولت‭ ‬مؤسسات‭ ‬أمريكية‭ ‬كبيرة‭ ‬ومعروفة‭ ‬مهمة‭ ‬دعم‭ ‬هؤلاء‭ ‬العملاء‭.‬

وبالطبع‭ ‬تعتبر‭ ‬أمريكا‭ ‬هؤلاء‭ ‬العملاء‭ ‬قاعدة‭ ‬للنفوذ‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬ولتنفيذ‭ ‬مخططاتها‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬اذن‭ ‬اعتبرت‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬ان‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أداة‭ ‬كبرى‭ ‬لتكريس‭ ‬وفرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬وتطويع‭ ‬دول‭ ‬وشعوب‭ ‬العالم‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬التاريخية‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬السحر‭ ‬انقلب‭ ‬على‭ ‬الساحر‭.‬

الذي‭ ‬اعتقده‭ ‬الغرب‭ ‬سحرا‭ ‬للديمقراطية‭ ‬كفيل‭ ‬بتضليل‭ ‬العالم‭ ‬وضمان‭ ‬استمرار‭ ‬الهيمنة،‭ ‬انقلب‭ ‬عليهم‭.‬

بداية،‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬رفضت‭ ‬أصلا‭ ‬هذا‭ ‬الإرهاب‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي‭ ‬بفرض‭ ‬نموذجها‭ ‬عليها‭ ‬وتخريب‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬تحت‭ ‬دعوى‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭.‬

وكل‭ ‬الحجج‭ ‬والدعاوى‭ ‬الغربية‭ ‬لم‭ ‬تنطل‭ ‬يوما‭ ‬على‭ ‬أحد‭.‬

‭ ‬وجاءت‭ ‬أزمة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬الحالية‭ ‬لتكشف‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭ ‬زيف‭ ‬الغرب‭ ‬ودعاواه‭ ‬حول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬وحقوق‭ ‬الانسان‭. ‬الأزمة‭ ‬كشفت‭ ‬عنصرية‭ ‬الغرب‭ ‬القبيحة‭ ‬وانهياره‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والسياسي‭.‬

ما‭ ‬كشفت‭ ‬عنه‭ ‬ازمة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عزز‭ ‬القناعة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأن‭ ‬هيمنة‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬ان‭ ‬تنتهي‭.‬

في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت،‭ ‬كان‭ ‬توحش‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬مخططاتها‭ ‬التخريبية‭ ‬تحت‭ ‬دعوى‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وما‭ ‬حل‭ ‬بالدول‭ ‬العربية‭ ‬بالذات‭ ‬جراء‭ ‬ذلك‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬الأسباب‭ ‬في‭ ‬انصراف‭ ‬حلفاء‭ ‬أمريكا‭ ‬الاساسيين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عنها‭ ‬وفقدان‭ ‬الثقة‭ ‬فيها‭ ‬والشروع‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬تحالفاتهم‭ ‬الدولية‭.‬

هكذا‭ ‬اذن‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬مخططات‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وفرض‭ ‬النموذج‭ ‬الغربي‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬أحد‭ ‬اركان‭ ‬ترسيخ‭ ‬الهيمنة‭ ‬الغربية،‭ ‬أصبحت‭ ‬احد‭ ‬ادوات‭ ‬هدم‭ ‬هذه‭ ‬الهيمنة‭ ‬وإفساح‭ ‬الطريق‭ ‬امام‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭.‬

الغرب‭ ‬كله‭ ‬يدفع‭ ‬اليوم‭ ‬الثمن‭. ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬احتقارهم‭ ‬لاستقلال‭ ‬وسيادة‭ ‬وكرامة‭ ‬دول‭ ‬العالم‭.. ‬يدفعون‭ ‬ثمن‭ ‬استهانتهم‭ ‬بثقافة‭ ‬الشعوب‭ ‬وخصوصيتها‭ ‬وحقها‭ ‬في‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬تجربتها‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تلائم‭ ‬أوضاعها‭.. ‬يدفعون‭ ‬ثمن‭ ‬استغلالهم‭ ‬البشع‭ ‬لقيم‭ ‬ومبادئ‭ ‬نبيلة‭ ‬مثل‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬اجنداتهم‭ ‬الامبريالية‭.‬

والأمر‭ ‬العجيب‭ ‬انه‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬مازالت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬وتصر‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬مخططها‭ ‬التخريبي‭ ‬باسم‭ ‬شعارات‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news