العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

شهر الرحمة!

إنه‭ ‬رمضان‭.. ‬شهر‭ ‬الرحمة‭ ‬والغفران،‭ ‬أوله‭ ‬رحمة،‭ ‬وأوسطه‭ ‬مغفرة،‭ ‬وآخره‭ ‬عتق‭ ‬من‭ ‬النيران‭!.‬

شهر‭ ‬اجتمع‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الخير‭ ‬العميم‭ ‬لَحَرِّيٌ‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نبالغ‭ ‬في‭ ‬الحفاوة‭ ‬به،‭ ‬وأن‭ ‬نحسن‭ ‬استقباله،‭ ‬والمسارعة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬الخيرات،‭ ‬والإكثار‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الطاعات،‭ ‬وأن‭ ‬نحذر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬المعاصي‭ ‬والسيئات،‭ ‬فلا‭ ‬نصوم‭ ‬نهاره‭ ‬عن‭ ‬الحلال‭ ‬من‭ ‬المطعومات‭ ‬والمشروبات،‭ ‬ثم‭ ‬نفطر‭ ‬في‭ ‬ليله‭ ‬ونهاره‭ ‬على‭ ‬الغيبة‭ ‬والنميمة،‭ ‬والكذب،‭ ‬وأكل‭ ‬أموال‭ ‬الناس‭ ‬بالباطل،‭ ‬وعلينا‭ ‬الحذر،‭ ‬والحذر‭ ‬الشديد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نخوض‭ ‬فيما‭ ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أحاديث‭ ‬قد‭ ‬نجرح‭ ‬بها‭ ‬صيامنا،‭ ‬وتفسد‭ ‬علينا‭ ‬طاعاتنا‭.‬

في‭ ‬رمضان‭.. ‬شهر‭ ‬الرحمة‭ ‬حري‭ ‬بالمسلم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رحيمًا‭ ‬بإخوته‭ ‬في‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ولا‭ ‬يستوعب‭ ‬المسلم‭ ‬فيه‭ ‬معاني‭ ‬الرحمة‭ ‬كلها‭ ‬حتى‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬هدي‭ ‬رسول‭ ‬الإسلام‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬بعثه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬رحمة‭ ‬للعالمين،‭ ‬والعالمون‭ ‬لفظ‭ ‬يستوعب‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يدب‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬وحيوان‭ ‬ونبات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬الجماد،‭ ‬ألم‭ ‬يقل‭ ‬رسول‭ ‬الله‭(‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭): ‬‭[‬أحد‭ ‬جبل‭ ‬يحبنا‭ ‬ونحبه‭!‬‭]‬‭.‬

نعم‭.. ‬العالمون‭ ‬لفظ‭ ‬جامع‭ ‬مانع‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يدب‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬أو‭ ‬يطير‭ ‬في‭ ‬السماء،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬جميعهم‭ ‬مَعْنِّيٌ‭ ‬المسلم‭ ‬برحمتهم،‭ ‬والرفق‭ ‬بهم،‭ ‬ولا‭ ‬تؤتي‭ ‬عباداته‭ ‬ثمارها‭ - ‬وبالأخص‭ ‬عبادة‭ ‬الصيام‭ - ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يلبس‭ ‬المسلم‭ ‬لباس‭ ‬التقوى،‭ ‬ويتدثر‭ ‬بدثارها،‭ ‬وليكن‭ ‬شعاره‭ ‬في‭ ‬رمضان،‭ ‬وفي‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الشهور‭ ‬والأزمان‭: ‬‮«‬الراحمون‭ ‬يرحمهم‭ ‬الرحمن،‭ ‬ارحموا‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬يرحمكم‭ ‬من‭ ‬في‭ ‬السماء‮»‬،‭ ‬أنت‭ ‬حين‭ ‬تبذل‭ ‬الرحمة‭ ‬للخلق‭ ‬يردها‭ ‬خالقك،‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭ ‬إليك‭ ‬أضعافًا‭ ‬مضاعفة‭.‬

ومن‭ ‬الرحمة‭ ‬التي‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬أنه‭ ‬شهر‭ ‬القرآن‭ ‬الذي‭ ‬أكثر‭ ‬فيه‭ ‬الخالق‭ ‬سبحانه‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬الرحمة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬جوانبها‭. ‬لهذا‭ ‬حض‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬من‭ ‬الإكثار‭ ‬من‭ ‬تلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وتدبر‭ ‬آياته‭ ‬وسوره،‭ ‬والإنسان‭ ‬في‭ ‬عمومه‭ ‬مطبوع‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬لنفسه،‭ ‬ولمن‭ ‬يحب،‭ ‬ومن‭ ‬تمام‭ ‬الإيمان‭ ‬وقوته‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬للغير،‭ ‬قال‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭): ‬‭[‬لا‭ ‬يؤمن‭ ‬أحدكم‭ ‬حتى‭ ‬يحب‭ ‬لأخيه‭ ‬ما‭ ‬يحبه‭ ‬لنفسه‭]‬‭ ‬رواه‭ ‬الإمام‭ ‬البخاري‭ ‬في‭ ‬صحيحه،‭ ‬ووالله‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬إله‭ ‬غيره‭ ‬لو‭ ‬جعلنا‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭ ‬نبراسًا‭ ‬لنا،‭ ‬ومنهاجًا‭ ‬في‭ ‬حياتنا،‭ ‬وحرصنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نحب‭ ‬لغيرنا‭ ‬ما‭ ‬نحبه‭ ‬لأنفسنا،‭ ‬لصلحت‭ ‬الدنيا‭ ‬ولعشنا‭ ‬في‭ ‬جنة‭ ‬الأرض‭ ‬قبل‭ ‬جنة‭ ‬السماء‭!.‬

إن‭ ‬حب‭ ‬الخير‭ ‬لغيرك‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يستل‭ ‬من‭ ‬صدرك‭ ‬الحقد،‭ ‬ويشفي‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬البغض‭ ‬والكراهية،‭ ‬لأن‭ ‬البغض‭ ‬والكراهية‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬شفاء‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬بصحيح‭ ‬الإيمان،‭ ‬وبرد‭ ‬اليقين،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‭{‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬وتطمئن‭ ‬قلوبهم‭ ‬بذكر‭ ‬الله‭ ‬ألا‭ ‬بذكر‭ ‬الله‭ ‬تطمئن‭ ‬الًقلوب‭}‬‭ ‬الرعد‭/‬28‭. ‬وكما‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يحب‭ ‬أن‭ ‬يستقبله‭ ‬الناس‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬طيب،‭ ‬فيشعر‭ ‬بالسعادة‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬أحمال‭ ‬كثيرة‭ ‬ينوء‭ ‬بها‭ ‬كاهله،‭ ‬سوف‭ ‬تستريح‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أعده‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬استقبال‭ ‬يوم‭ ‬القيامة،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬بالرحمة‭ ‬تبذلها‭ ‬للناس‭ ‬جميعًا‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬فيهم‭ ‬بين‭ ‬مسلم‭ ‬وغير‭ ‬مسلم،‭ ‬والذي‭ ‬يمتثل‭ ‬لأمر‭ ‬دينه‭ ‬فيبذل‭ ‬الرحمة‭ ‬للمخلوقات‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬فَحَرِّيٌ‭ ‬أن‭ ‬يبذلها‭ ‬لإخوة‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وصدق‭ ‬الله‭ ‬العظيم‭: ‬‭{‬لا‭ ‬ينهاكم‭ ‬الله‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقاتلونكم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬ولَم‭ ‬يخرجوكم‭ ‬من‭ ‬دياركم‭ ‬أن‭ ‬تبروهم‭ ‬وتقسطوا‭ ‬إليهم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬يحب‭ ‬المقسطين‭}‬‭ ‬الممتحنة‭/‬8‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news