العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٨ - الأربعاء ٢٩ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٣٠ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

البيان المصري التاريخي

قبل‭ ‬أيام‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬عن‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بتعليق‭ ‬عضوية‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭. ‬القرار‭ ‬صدر‭ ‬بصعوبة‭ ‬شديدة‭ ‬وبأغلبية‭ ‬ضئيلة‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الضغوط‭ ‬التي‭ ‬مارستها‭ ‬أمريكا‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء،‭ ‬فقد‭ ‬ايده‭ ‬93‭ ‬دولة‭ ‬ورفضه‭ ‬او‭ ‬امتنع‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬عليه‭ ‬82‭ ‬دولة‭.‬

‭ ‬مصر‭ ‬والبحرين‭ ‬واغلب‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬امتنعت‭ ‬عن‭ ‬التصويت‭ ‬على‭ ‬القرار‭.‬

‭ ‬الأمر‭ ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬مصر‭ ‬حرصت‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬تصدر‭ ‬بيانا‭ ‬تفصيليا‭ ‬تحدد‭ ‬فيه‭ ‬موقفها‭ ‬والذي‭ ‬يتلخص‭ ‬في‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬وجاهة‭ ‬لطرح‭ ‬مشروع‭ ‬القرار‭ ‬اصلا،‭ ‬وفي‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬تأثيراته‭ ‬السلبية‭.‬

‭ ‬البيان‭ ‬المصري‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬وحاسما‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أسباب‭ ‬الانتقادات‭ ‬الحادة‭ ‬لمشروع‭ ‬القرار،‭ ‬والتي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬الجوانب‭ ‬التالية‭:‬

أولا‭: ‬ان‭ ‬مشروع‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬متصلا‭ ‬بأزمة‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬أو‭ ‬مبدأ‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬المسلحة‭ ‬أو‭ ‬المساس‭ ‬بسيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وإنما‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتوجه‭ ‬نحو‭ ‬تسييس‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووكالاتها‭ ‬المتخصصة‭. ‬وهذا‭ ‬توجه‭ ‬مرفوض‭ ‬مبدئيا‭ ‬اذ‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬إهدار‭ ‬للغرض‭ ‬الذي‭ ‬أنشئت‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬المنظمة‭ ‬ووكالاتها‭ ‬وأجهزتها،‭ ‬وما‭ ‬يقود‭ ‬إليه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬دحض‭ ‬لمصداقيتها‭ ‬وللعمل‭ ‬الدولي‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭.‬

ثانيا‭: ‬ان‭ ‬طرح‭ ‬مشروع‭ ‬القرار‭ ‬يمثل‭ ‬منعطفاً‭ ‬خطيراً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عمرها،‭ ‬فهو‭ ‬يعد‭ ‬إهدارا‭ ‬لآليات‭ ‬المنظمة‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬كانت‭ ‬محل‭ ‬ثقة‭ ‬أعضاء‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬ومؤشرا‭ ‬ينذر‭ ‬ببدء‭ ‬اهتزاز‭ ‬مصداقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وآلياتها،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬سيكون‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬بالغة‭ ‬الأثر‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاضطلاع‭ ‬بمسئولياتها،‭ ‬وفقاً‭ ‬لميثاقها،‭ ‬وما‭ ‬استقر‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬بشأنه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬خمسة‭ ‬وسبعين‭ ‬عاماً‭.‬

ثالثا‭: ‬انتقد‭ ‬البيان‭ ‬المصري‭ ‬بصراحة‭ ‬استمرار‭ ‬المعايير‭ ‬المزدوجة‭ ‬والكيل‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬مكيال،‭ ‬وتساءل‭: ‬‮«‬كم‭ ‬من‭ ‬المرات‭ ‬تم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بقرارات‭ ‬أقل‭ ‬حسما‭ ‬وأكثر‭ ‬تساهلا‭ ‬إزاء‭ ‬انتهاكات‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬ماض‭ ‬ليس‭ ‬بالبعيد‮»‬‭.‬

رابعا‭: ‬مع‭ ‬الرفض‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬لأي‭ ‬انتهاكات‭ ‬جسيمة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وخرق‭ ‬التزامات‭ ‬الدول‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬يجب‭ ‬مواجهة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخروقات‭ ‬وفقاً‭ ‬للآليات‭ ‬الأممية،‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬التصدي‭ ‬لتلك‭ ‬الأعمال‭ ‬المشينة‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الملائم‭ ‬لمواجهتها‭.‬

كما‭ ‬نرى‭ ‬البيان‭ ‬المصري‭ ‬يعتبر‭ ‬ان‭ ‬القرار‭ ‬مسيس‭ ‬وتسييس‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويدمر‭ ‬مصداقيتها،‭ ‬ويجسد‭ ‬معايير‭ ‬مزدوجة‭ ‬بشكل‭ ‬سافر‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬وسيادة‭ ‬الدول‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬بيان‭ ‬تاريخي‭. ‬لماذا؟‭ ‬لأنه‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬حق‭ ‬وعن‭ ‬جوهر‭ ‬إرادة‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬فارقة‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬الحادث‭ ‬اليوم‭ ‬ان‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬عموما‭ ‬فضحتهم‭ ‬ازمة‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬ويشعرون‭ ‬ان‭ ‬نفوذهم‭ ‬العالمي‭ ‬ينهار‭ ‬ويتهاوى‭ ‬وسيطرتهم‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬سبيلها‭ ‬للانتهاء‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬سبيل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬هيمنته‭ ‬ومحاولة‭ ‬مقاومة‭ ‬حركة‭ ‬التاريخ،‭ ‬يسعى‭ ‬الغرب‭ ‬وبشكل‭ ‬جنوني‭ ‬الى‭ ‬تجنيد‭ ‬كل‭ ‬المنظمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مجال‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬خدمة‭ ‬مصالحه‭ ‬ومشروعه‭. ‬يفعل‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬منظمات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومع‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭... ‬الخ‭ ‬الخ‭.‬

الغرب‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬يستخدم‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان‭ ‬او‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وانما‭ ‬كأدوات‭ ‬في‭ ‬معركته‭ ‬للنيل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬ومحاولة‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬صعودها‭ ‬كقوة‭ ‬عالمية‭ ‬تنافس‭ ‬أمريكا‭ ‬والغرب‭ ‬وهيمنته،‭ ‬ومن‭ ‬اجل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬بقائه‭ ‬مسيطرا‭ ‬على‭ ‬مقدرات‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬الغرب‭ ‬وهو‭ ‬يفعل‭ ‬هذا‭ ‬يدمر‭ ‬مصداقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وكل‭ ‬المنظمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬ويعرض‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وقضاياها‭ ‬العادلة‭ ‬للخطر‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬ليست‭ ‬ملكا‭ ‬لأمريكا‭ ‬ولا‭ ‬للغرب،‭ ‬وانما‭ ‬كافح‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬قيامها‭ ‬طويلا،‭ ‬وهي‭ ‬ملك‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬بأسره‭.‬

‭ ‬لهذا‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتصدى‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭. ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬ترفض‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬الغربية‭ ‬المدمرة‭ ‬للمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬وان‭ ‬ترفع‭ ‬صوتها‭ ‬بذلك‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬قلت‭ ‬ان‭ ‬البيان‭ ‬المصري‭ ‬يعتبر‭ ‬تاريخيا‭ ‬اذ‭ ‬يسجل‭ ‬موقفا‭ ‬للتاريخ‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتحدد‭ ‬فيها‭ ‬المواقف‭.‬

‭ ‬وبالمناسبة،‭ ‬الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬العربي‭ ‬من‭ ‬ازمة‭ ‬اوكرانيا‭ ‬الرافض‭ ‬للخضوع‭ ‬للضغوط‭ ‬والاملاءات‭ ‬الغربية‭ ‬يندرج‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬أيضا‭.‬

اليوم‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تهب‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬الدولية‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬الغرب‭ ‬وبشكل‭ ‬جنوني‭ ‬لاغتصابها‭ ‬وتسخيرها‭ ‬لحساب‭ ‬مصالحه‭ ‬الامبريالية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news