العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

المنطق البائس المدمر

الذي‭ ‬يتابع‭ ‬مواقف‭ ‬وسياسات‭ ‬أمريكا‭ ‬النظرية‭ ‬والعملية‭ ‬تجاه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬الطويلة‭ ‬الماضية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬منذ‭ ‬عهد‭ ‬إدارة‭ ‬أوباما،‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬وراءها‭ ‬منطقا‭ ‬أمريكيا‭ ‬محددا‭ ‬وواضحا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنه‭ ‬يبرر‭ ‬تماما‭ ‬ما‭ ‬يفعلون،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬منطق‭ ‬بائس‭ ‬ومدمر‭.‬

لنتأمل‭ ‬ما‭ ‬يلي‭:‬

حين‭ ‬أقدم‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬أوباما‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بأبعاده‭ ‬الكارثية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬معروفة،‭ ‬كان‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬برر‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬فعل‭ ‬هو‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬الاتفاق‭ ‬سوف‭ ‬يشجع‭ ‬الاعتدال‭ ‬والقوى‭ ‬المعتدلة‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬وأنه‭ ‬سوف‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬المنطقة‭.‬

بالطبع،‭ ‬كان‭ ‬أوباما‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬منطق‭ ‬مضلل‭ ‬كاذب‭ ‬بائس‭ ‬يخفي‭ ‬به‭ ‬حقيقة‭ ‬نواياه‭. ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بسياسة‭ ‬إيران‭ ‬التوسعية‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لمعسكر‭ ‬اعتدال‭ ‬أصلا،‭ ‬وكان‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬الاتفاق‭ ‬سيطلق‭ ‬الإرهاب‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬عقاله‭ ‬وسيسهم‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬بالضبط‭ ‬بدافع‭ ‬كراهيته‭ ‬العنصرية‭ ‬للعرب‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬وإعجابه‭ ‬بإيران‭. ‬

وحين‭ ‬تآمرت‭ ‬إدارة‭ ‬أوباما‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬مع‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬والقوى‭ ‬الطائفية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وسعت‭ ‬لإسقاط‭ ‬نظم‭ ‬الحكم‭ ‬وإغراق‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬الفوضى،‭ ‬كان‭ ‬المنطق‭ ‬الذي‭ ‬بررت‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬فعلت‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يحقق‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬تطالب‭ ‬بها‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭.‬

وطبعا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬منطقا‭ ‬بائسا‭ ‬كاذبا‭ ‬مضللا‭ ‬يخفي‭ ‬حقيقة‭ ‬أجندة‭ ‬إدارة‭ ‬أوباما‭ ‬بتمزيق‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وإغراقها‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭ ‬وتسليم‭ ‬مقادير‭ ‬الحكم‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬قوى‭ ‬متخلفة‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬حرية‭.‬

نعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه‭ ‬استخدمته‭ ‬أمريكا‭ ‬لتبرير‭ ‬غزو‭ ‬واحتلال‭ ‬العراق‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬ثم‭ ‬انتهى‭ ‬الأمر‭ ‬بتدمير‭ ‬البلاد‭ ‬وتشريد‭ ‬الشعب‭ ‬والغرق‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬الطائفية‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

وإدارة‭ ‬بايدن‭ ‬حين‭ ‬تريد‭ ‬تبرير‭ ‬سعيها‭ ‬المحموم‭ ‬لتوقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي‭ ‬جديد‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬تزعم‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬منع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭. ‬وهذا‭ ‬ادعاء‭ ‬كاذب‭ ‬يخفي‭ ‬الأهداف‭ ‬الحقيقية‭.‬

الاتفاق‭ ‬الجديد‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬تحول‭ ‬كبير‭ ‬جدا‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬أمريكا‭ ‬تجاه‭ ‬المنطقة‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬لتمكين‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وإطلاق‭ ‬يدها‭ ‬لتصعيد‭ ‬سياساتها‭ ‬الإرهابية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إعطاء‭ ‬زخم‭ ‬جديد‭ ‬لمشروعها‭ ‬الطائفي‭ ‬التوسعي‭. ‬والاتفاق‭ ‬يجسد‭ ‬موقف‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الحليفة‭ ‬وتعريض‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬للخطر‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬إدارة‭ ‬بايدن‭ ‬بأسا‭ ‬مثلا‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الإيراني‭ ‬من‭ ‬قائمة‭ ‬الإرهاب‭.‬

كما‭ ‬نرى،‭ ‬المنطق‭ ‬الأمريكي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬بائس‭ ‬ومدمر‭.‬

هو‭ ‬منطق‭ ‬بائس؛‭ ‬لأنه‭ ‬متهافت‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينطلي‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أو‭ ‬يقنع‭ ‬أحدا‭.‬

وهو‭ ‬منطق‭ ‬مدمر؛‭ ‬لأنه‭ ‬برر‭ ‬سياسات‭ ‬ومواقف‭ ‬كانت‭ ‬نتيجتها‭ ‬المباشرة‭ ‬الدمار‭ ‬والخراب‭ ‬للدول‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬ولأن‭ ‬استمرار‭ ‬التذرع‭ ‬به‭ ‬للمضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬سيعني‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الخراب‭ ‬والدمار‭.‬

من‭ ‬سوء‭ ‬حظ‭ ‬أمريكا‭ ‬وحسن‭ ‬حظ‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق‭ ‬سقط‭ ‬وتهاوى‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬دولنا‭ ‬العربية‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

يكفي‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬تبرير‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬تتخذها‭ ‬أمريكا‭ ‬بالحرص‭ ‬على‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬أصبح‭ ‬موضع‭ ‬سخرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ويكفي‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬التواطؤ‭ ‬الفعلي‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬إخفاؤه‭ ‬تحت‭ ‬أي‭ ‬ذريعة،‭ ‬وأصبح‭ ‬المحللون‭ ‬الأمريكيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬يتحدثون‭ ‬عنه‭ ‬وعن‭ ‬مخاطره‭ ‬صراحة‭.‬

ويكفي‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬أمريكا‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬حلفائها‭ ‬والوقوف‭ ‬بجانبهم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬مصداقية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬دوما‭ ‬الوعي‭ ‬بحقيقة‭ ‬النوايا‭ ‬الأمريكية‭ ‬وتفنيد‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬فأمريكا‭ ‬قوة‭ ‬عظمى‭ ‬مازال‭ ‬لها‭ ‬تأثيرها‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬والطريق‭ ‬مازال‭ ‬طويلا‭ ‬أمام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لصياغة‭ ‬استراتيجيات‭ ‬وسياسات‭ ‬مستقلة‭ ‬بمعنى‭ ‬الكلمة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news