العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

«ماذا أسمي امرأة تسكنني»؟
في عيد الأم، أدباء وكتاب يتحدثون عن أمهاتهم

السبت ٢٦ مارس ٢٠٢٢ - 10:06

شعراء‭ ‬وروائيون‭ ‬لهم‭ ‬لغتهم‭ ‬الجميلة‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬الأم،‭ ‬حتى‭ ‬تتلبس‭ ‬حروفهم‭ ‬روح‭ ‬أخرى،‭ ‬شفافة،‭ ‬لتعطيها‭ ‬إشراقة‭ ‬مختلفة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نسمع‭ ‬من‭ ‬الأدباء،‭ ‬عن‭ ‬أمهاتهم،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬لهن‭ ‬أثر‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬حياتهم،‭ ‬وفي‭ ‬مسيرتهم‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬الخصوص‭.‬

الشاعر‭ ‬علي‭ ‬عبدالله‭ ‬خليفة‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬قصيدة‭ ‬عن‭ ‬أمه‭ ‬قال‭ ‬فيها‭:‬

‮«‬ماذا‭ ‬أسمّي‭ ‬امرأةً‭ ‬تسكنني‭ ‬

في‭ ‬هدوءٍ‭ ‬وسلامٍ‭ ‬ودعَه؟‭!‬

أحسّها‭ ‬في‭ ‬الدّم‭ ‬تجري

وأرى‭ ‬ظلاً‭ ‬لها‭ ‬

عبر‭ ‬بحاري‭ ‬الأربعة

فهي‭ ‬التي‭ ‬أذكت‭ ‬شعوراً‭ ‬في‭ ‬دمي

يعُـزُّ‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬بهِ‭ ‬في‭ ‬كلِّ‭ ‬يومٍ‭ ‬مُـرضعَة‮»‬‭.‬

تحدث‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬والدته،‭ ‬وقال‭: ‬نشأت‭ ‬وسط‭ ‬عائلة‭ ‬جذورها‭ ‬ممتدة‭ ‬ومرتبطة‭ ‬بصناعة‭ ‬الغوص‭ ‬على‭ ‬اللؤلؤ‭. ‬وكان‭ ‬لبعض‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬العائلات‭ ‬العريقة‭ ‬شخصية‭ ‬قويّة‭ ‬ذات‭ ‬دور‭ ‬قيادي‭ ‬مدّخر‭ ‬لفترات‭ ‬غياب‭ ‬ربّ‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬لشهور‭. ‬والدي‭ ‬كان‭ ‬شيخاً‭ ‬عندما‭ ‬تزوج‭ ‬والدتي‭ ‬ويكبرها‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬السنوات،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لمرضه‭ ‬تولّت‭ ‬والدتي‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬تربيتي‭ ‬وأخويّ،‭ ‬فكانت‭ ‬امرأة‭ ‬قوية‭ ‬الشخصية،‭ ‬عاملة‭ ‬ومدبّرة‭ ‬تدير‭ ‬مشغلاً‭ ‬بيتيًا‭ ‬لتطريز‭ ‬ثياب‭ (‬النشل‭) ‬الثمينة،‭ ‬وتربي‭ ‬الماشية‭ ‬بالبيت‭. ‬فلقد‭ ‬نشأت‭ ‬ومن‭ ‬حولي‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المساعدات‭ ‬والعاملات‭ ‬ببيت‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬البشر‭. ‬ربتني‭ ‬الوالدة‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المُثل‭ ‬والقيم‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬النبيلة،‭ ‬وتعاملتْ‭ ‬معنا‭ ‬بالشدة‭ ‬والتدرّب‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬المصاعب‭ ‬وعدم‭ ‬التهيّب‭ ‬من‭ ‬الأخطار‭. ‬

من‭ ‬حسن‭ ‬حظّي‭ ‬أن‭ ‬أغلب‭ ‬أقربائي‭ ‬من‭ ‬حفظة‭ ‬الشعر‭ ‬الشعبي،‭ ‬فكانت‭ ‬نصوص‭ ‬الموال‭ ‬والأزجال‭ ‬يتمثلها‭ ‬الجميع‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬وكانت‭ ‬والدتي‭ ‬بذاكرة‭ ‬حيّة‭ ‬عجيبة‭ ‬تحفظ‭ ‬كمّاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المواويل‭ ‬والنصوص‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬استقبلتها‭ ‬ذاكرتي‭ ‬البكر‭ ‬بإعجاب‭ ‬وانبهار‭ ‬أسس‭ ‬لديّ‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬قاعدة‭ ‬غنيّة‭ ‬من‭ ‬التعابير‭ ‬الإيقاعية‭ ‬والصور‭ ‬والأوزان‭ ‬الشعرية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رقيق‭ ‬وعميق‭ ‬المعاني‭. ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬أغـنتـني‭ ‬الأم‭ ‬بالمحفوظات‭ ‬الشعرية‭ ‬تولى‭ ‬الوالد‭ ‬تزويدي‭ ‬بحكايات‭ ‬البحر‭ ‬وأهوال‭ ‬الغوص‭ ‬على‭ ‬اللؤلؤ‭.‬

لقد‭ ‬أصرّت‭ ‬والدتي،‭ ‬رحمها‭ ‬الله،‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬السادسة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أحفظ‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬الكتّاب‭ ‬قبل‭ ‬الانتظام‭ ‬بالمدرسة،‭ ‬فكان‭ ‬ذلك‭ ‬محور‭ ‬تحوّل‭ ‬مهم‭ ‬في‭ ‬حياتي،‭ ‬فقد‭ ‬التهمتُ‭ ‬سور‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بشغف‭ ‬وحفظته‭ ‬في‭ ‬كُـتّاب‭ ‬السيدة‭ ‬الجليلة‭ ‬معلمتي‭ ‬لطيفة‭ ‬بنت‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬سليم،‭ ‬فهي‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬علّمني‭ ‬القراءة‭ ‬وأساليب‭ ‬الحفظ‭ ‬والتجويد‭ ‬وأسرار‭ ‬تضعيف‭ ‬الحرف‭ ‬ومده‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يعنيه‭ ‬السُّكون‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحروف‭ ‬المتحرًكة،‭ ‬فاستقبلت‭ ‬ذاكرتي‭ ‬البكر‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬حينها‭ ‬تلك‭ ‬المعلومات‭ ‬الأولية‭ ‬لأوزان‭ ‬الشعر‭. ‬فكان‭ ‬تأسيس‭ ‬موهبتي‭ ‬الشعرية‭ ‬يرجع‭ ‬فيها‭ ‬الفضل‭ ‬إلى‭ ‬أمي‭ ‬وإلى‭ ‬معلمتي،‭ ‬رحمهما‭ ‬الله‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬الشعراء‭ ‬أيضًا،‭ ‬تحدث‭ ‬لنا‭ ‬الشاعر‭ ‬كريم‭ ‬رضي‭ ‬عن‭ ‬أمه،‭ ‬وقال‭: ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذاكرتي‭ ‬تستعيد‭ ‬كتب‭ ‬أمي‭. ‬كان‭ ‬لأمي‭ ‬كتب‭ ‬غريب‭ ‬شكلها،‭ ‬فهي‭ ‬كانت‭ ‬تفتح‭ ‬طوليا‭ ‬لا‭ ‬عرضيا‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬كتبنا‭ ‬الآن‭!‬

وكانت‭ ‬للمفارقة‭ ‬تسمى‭ ‬روايات‭! ‬أما‭ ‬مضمونها‭ ‬فكان‭ ‬معاجز‭ ‬القديسين‭ ‬والأولياء‭. ‬سأقرأ‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬بسنوات‭ ‬عديدة‭ ‬دوستويفسكي‭ ‬وهو‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬في‭ ‬الأمة‭ ‬الروسية‭ ‬لدى‭ ‬الأمهات‭!‬

‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬كانت‭ ‬تقول‭ ‬باختصار‭: ‬لا‭ ‬تخش‭ ‬أي‭ ‬مشكلة‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬فقط‭ ‬آمن،‭ ‬وسوف‭ ‬يحل‭ ‬إيمانك‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬

هذه‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تملأ‭ ‬رفوف‭ ‬خزانة‭ ‬أمي‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬زادي‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬طفلا‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أمي‭ ‬أمية‭ ‬تماما‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تقرأ‭ ‬بسهولة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬تحت‭ ‬يديها‭ ‬من‭ ‬صحف‭ ‬وكتب‭ ‬ومجلات‭ ‬وكانت‭ ‬تحب‭ ‬القراءة‭ ‬جدا‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تكتب‭. ‬أعتقد‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬أورثتني‭ ‬حب‭ ‬القراءة‭ ‬والولع‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أنني‭ ‬أراها‭ ‬شغفي‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعادله‭ ‬أي‭ ‬شغف‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬حتى‭ ‬الكتابة‭ ‬وحتى‭ ‬الحب‭. ‬إنني‭ ‬مصاب‭ ‬بالقراءة‭ ‬ولا‭ ‬شفاء‭ ‬لي‭ ‬أبدا‭. ‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬القراءة‭ ‬عند‭ ‬أمي‭ ‬مجرد‭ ‬هواية‭ ‬أو‭ ‬ملء‭ ‬وقت‭ ‬فراغ‭ ‬مثلما‭ ‬كنا‭ ‬نكتب‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬المراسلة‭ ‬أيام‭ ‬رواج‭ ‬تلك‭ ‬الصفحات‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬تلك‭ ‬الأيام،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬القراءة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأمي‭ ‬دواء‭ ‬أيضا؛‭ ‬فحين‭ ‬أمرض‭ ‬كانت‭ ‬أمي‭ ‬تقرأ‭ ‬علي‭ ‬كتيبا‭ ‬صغيرا‭ ‬اسمه‭ ‬صفات‭ ‬النبي‭ ‬أو‭ ‬تسقيني‭ ‬ماء‭ ‬مغمورا‭ ‬في‭ ‬طاسة‭ ‬نحاسية‭ ‬أو‭ ‬فضية‭ ‬يكون‭ ‬باطنها‭ ‬عادة‭ ‬مزخرفًا‭ ‬بآيات‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬أو‭ ‬بأسماء‭ ‬الأولياء‭. ‬وهكذا‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ (‬الحروفية‭) ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭ ‬تحيط‭ ‬بي‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬جانب،‭ ‬وأعتقد‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬كوّن‭ ‬ولعي‭ ‬بالقراءة‭ ‬ثم‭ ‬لاحقا‭ ‬بالكتابة‭.‬

الروائية‭ ‬والقاصة‭ ‬شيماء‭ ‬الوطني،‭ ‬تحدثت‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬أمها‭ ‬وقالت‭: ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أردت‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬بداياتي‭ ‬الأدبية‭ ‬لا‭ ‬يمكنني‭ ‬تجاوز‭ ‬الشخصين‭ ‬الذين‭ ‬كان‭ ‬لهما‭ ‬أبلغ‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬إيقاد‭ ‬شعلة‭ ‬الشغف‭ ‬بالكلمة‭ ‬والأدب‭ ‬في‭ ‬حياتي‭. ‬وأعني‭ ‬بهذين‭ ‬الشخصين‭ ‬والدي‭ ‬ووالدتي؛‭ ‬فالاثنان‭ ‬كانا‭ ‬قارئين‭ ‬نهمين‭ ‬تفتحت‭ ‬عيناي‭ ‬على‭ ‬مكتبتهما‭ ‬الزاخرة‭ ‬بالكتب‭ ‬الدينية‭ ‬والأدبية‭ ‬ودواوين‭ ‬الشعر‭ ‬والروايات‭ ‬العربية‭ ‬والمترجمة‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬أردت‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شغف‭ ‬القراءة‭ ‬تحديداً،‭ ‬فإنني‭ ‬حتماً‭ ‬سأستفيض‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬والدتي‭ ‬الأستاذة‭ ‬عائشة‭ ‬الصفار،‭ ‬مدرسة‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬والقارئة‭ ‬النهمة‭ ‬التي‭ ‬اكتسبت‭ ‬منها‭ ‬عادة‭ ‬القراءة‭ ‬وحمل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬أذهب‭ ‬إليه‭.‬

في‭ ‬طفولتي‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬والدتي‭ ‬وهي‭ ‬تعكف‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬دفتر‭ ‬أحمر‭ ‬صغير‭ ‬تقوم‭ ‬باقتطاع‭ ‬الكلمات‭ ‬والمنشورات‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬المجلات‭ ‬والصحف‭ ‬وتودعها‭ ‬فيه؛‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تزينه‭ ‬بالصور‭ ‬الملونة‭ ‬لشموع‭ ‬وورود‭ ‬وفراشات‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الدفتر‭ ‬بمثابة‭ ‬واحة‭ ‬غناء‭ ‬تجمع‭ ‬روائع‭ ‬الحكم‭ ‬والأبيات‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬تعجبها‭. ‬حذوت‭ ‬حذوها‭ ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬تقليدها‭ ‬وكان‭ ‬لي‭ ‬دفتري‭ ‬الذي‭ ‬بقيت‭ ‬أجمع‭ ‬فيه‭ ‬بعض‭ ‬الحكم‭ ‬وصور‭ ‬الممثلين‭!‬

لوالدتي‭ ‬موقف‭ ‬فريد‭ ‬هو‭ ‬مضرب‭ ‬المثل‭ ‬حين‭ ‬يتحدث‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والوفاء،‭ ‬فوالدتي‭ ‬لم‭ ‬تتخل‭ ‬عن‭ ‬والدي‭ ‬بعد‭ ‬إصابته‭ ‬بالشلل،‭ ‬ورضيت‭ ‬أن‭ ‬تواصل‭ ‬الحياة‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مخاوف‭ ‬وتحذيرات‭ ‬الناس‭ ‬إليها‭ ‬بأنها‭ ‬قد‭ ‬تُحرم‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬إنجاب‭ ‬الأطفال‭!‬

ولذلك‭ ‬فهي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬النماذج‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬عكفت‭ ‬على‭ ‬كتابة‭ ‬شخصية‭ ‬إنسانية‭ ‬سواء‭ ‬لرجل‭ ‬أو‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الإنسان‭ ‬المحب‭ ‬والوفي‭.‬

الروائي‭ ‬والقاص‭ ‬جابر‭ ‬خمدن‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭ ‬حين‭ ‬كتب‭ ‬في‭ ‬صفحة‭ ‬الإهداء‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬رواياته‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬أمي‭ ‬وأبي‭ ‬اللذين‭ ‬ذهبا‭ ‬دون‭ ‬وداع‮»‬،‭ ‬فأحببت‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬المزيد‭ ‬عنهما‭. ‬وحين‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬أمه‭ ‬قال‭: ‬يُقال‭ ‬إن‭ ‬وجود‭ ‬الأم‭ ‬لا‭ ‬يعادله‭ ‬وجود‭ ‬آخر؛‭ ‬لذلك‭ ‬البعض‭ ‬يشعر‭ ‬باليتم‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬خريف‭ ‬العمر‭ ‬حين‭ ‬يفقد‭ ‬أمه‭. ‬ارتبطت‭ ‬أمي‭ ‬بالصمت؛‭ ‬فهي‭ ‬إما‭ ‬تقرأ‭ ‬القرآن‭ ‬أو‭ ‬تنشد‭ ‬المراثي‭ ‬الدينية‭ ‬التي‭ ‬تسمعها‭ ‬في‭ ‬المأتم‭ ‬وهنا‭ ‬نسمع‭ ‬صوتها‭. ‬وفي‭ ‬الليل‭ ‬عندما‭ ‬تهدأ‭ ‬الأصوات،‭ ‬يمتطي‭ ‬صوتها‭ ‬النسيم،‭ ‬وهي‭ ‬تتحدث‭ ‬وحدها‭ ‬مع‭ (‬الكدو‭)‬،‭ ‬ربما‭ ‬حين‭ ‬تعبر‭ ‬الذكريات‭ ‬أمامها‭. ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬قط‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭ ‬وتلوك‭ ‬سيرتهم‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تشترك‭ ‬فيه‭ ‬مع‭ ‬الوالد‭.‬

وهذا‭ ‬الصمت‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬طبعنا‭ ‬بطابعه،‭ ‬ولعثمنا‭ ‬حين‭ ‬نُحاول‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬كلمات‭ ‬مناسبة‭ ‬لمقام‭ ‬ما،‭ ‬مثل‭ ‬تهنئة‭ ‬أو‭ ‬تعزية‭. ‬ربما‭ ‬تشكلت‭ ‬القراءة‭ ‬لديّ‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭. ‬رغم‭ ‬لعبنا‭ ‬مع‭ ‬أقراننا‭ ‬في‭ ‬الطفولة،‭ ‬نمت‭ ‬فينا‭ ‬ميول‭ ‬العزلة،‭ ‬قراءة‭ ‬القصص،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الروايات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الكتب‭. ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة‭ ‬حكي‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬نسمعها‭ ‬أو‭ ‬نقرأها‭ ‬بطريقتنا‭ ‬الخاصة‭.‬

مازلت‭ ‬أفتقد‭ ‬حضور‭ ‬أمي‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وحين‭ ‬أسمع‭ ‬صديقا‭ ‬يتحدث‭ ‬مع‭ ‬أمه‭ ‬ويمزح،‭ ‬أغبط‭ ‬فرحته،‭ ‬وحينها‭ ‬يطل‭ ‬وجه‭ ‬أمي‭ ‬كأيقونة‭ ‬بعيدة‭ ‬لا‭ ‬أطولها‭.‬

الروائية‭ ‬ندى‭ ‬نسيم‭ ‬حدثتنا‭ ‬عن‭ ‬أمها‭ ‬أيضًا،‭ ‬وقالت‭: ‬إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأم‭ ‬ينقل‭ ‬الشعور‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة‭ ‬يعتريها‭ ‬العمق‭ ‬وتلعثم‭ ‬الحروف،‭ ‬فأنا‭ ‬أتحدث‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬أنجبتني‭ ‬ومنحتني‭ ‬الحياة،‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتأخر‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬تلبية‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أحتاج‭ ‬إليه‭ ‬منذ‭ ‬صغري‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬أعانني‭ ‬حتى‭ ‬كبرت،‭ ‬ورغم‭ ‬رحيلها‭ ‬الموجع‭ ‬المبكر‭ ‬فإنها‭ ‬مدفونة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬وجودي‭. ‬تعلمت‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬كالتفاؤل‭ ‬والقوة‭ ‬ومعنى‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬التحديات‭ ‬وتقاتل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حلمك‭ ‬وطموحك‭.‬

والدتي‭ -‬رحمها‭ ‬الله‭- ‬كانت‭ ‬مهتمة‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬فهي‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬جمعية‭ ‬الهلال‭ ‬الأحمر،‭ ‬وكانت‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬المحاضرات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتوعوية،‭ ‬وقد‭ ‬رافقتها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المحاضرات،‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬لدي‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬المسار‭ ‬الثقافي‭. ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬قارئة‭ ‬بامتياز‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬تقتني‭ ‬الروايات‭ ‬والمجلات‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتقضي‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬المطالعة‭ ‬والقراءة،‭ ‬ما‭ ‬جعلني‭ ‬أقرأ‭ ‬بعض‭ ‬رواياتها‭ ‬التي‭ ‬تشتريها‭.‬

لم‭ ‬أستطع‭ ‬أن‭ ‬أنفصل‭ ‬عن‭ ‬وجع‭ ‬فقدانها،‭ ‬لذلك‭ ‬أراها‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬نتاج‭ ‬أدبي‭ ‬لي،‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬المستمرة‭ ‬عنها،‭ ‬فإنني‭ ‬أشعر‭ ‬بأني‭ ‬لم‭ ‬أكتفِ‭ ‬بعد‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬الأم‭ ‬الموجودة،‭ ‬الموجودة‭ ‬دائمًا،‭ ‬ستبقى‭ ‬مصدرًا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الإلهام‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news