العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٦٦ - الاثنين ٢٧ يونيو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٣هـ

الثقافي

وهـــج الـكـتــابـة: يكتبُ كي لا يموت

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٥ مارس ٢٠٢٢ - 02:00

كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬يسألني‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والآخرون‭ ‬لماذا‭ ‬أكتب‭ ‬وأضيع‭ ‬وقتي‭ ‬في‭ ‬شيءٍ‭ ‬لا‭ ‬يَجلب‭ ‬فرحًا‭ ‬ولا‭ ‬يُدر‭ ‬مالًا‭ ‬بل‭ ‬يكلف‭ ‬مالًا‭ ‬غالبًا‭ ‬عند‭ ‬طباعة‭ ‬الأعمال‭ ‬الأدبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغطي‭ ‬حتى‭ ‬نصف‭ ‬كلفتها،‭ ‬أقصد‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭. ‬مازلتُ‭ ‬أذكر‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬بينما‭ ‬كنا‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬كاتب‭ ‬معين‭ ‬حين‭ ‬قال‭: ‬‮«‬مسكين‭ ‬مازال‭ ‬يكتب‭!‬‮»‬‭. ‬ابتسمتُ‭ ‬مستغربًا‭ ‬لأنه‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الكتّاب‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬أناس‭ ‬تُعساء‭ ‬أو‭ ‬ملعونون‭ ‬أو‭ ‬مصابون‭ ‬بلوثة‭ ‬عقلية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬فهمتُ‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬من‭ ‬معنى‭ ‬تعليقه‭. ‬قلت‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬‮«‬آه‭ ‬لو‭ ‬يعلمون،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يعلمون،‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تعلّم‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يدرك‭ ‬شهوة‭ ‬الكتابة‭ ‬ولذتها‮»‬‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬غير‭ ‬الكاتب‭ ‬وربما‭ ‬بعض‭ ‬الذواقة‭ ‬من‭ ‬يعرف‭ ‬روعة‭ ‬الكتابة‭ ‬وبأنها‭ ‬موهبة‭ ‬من‭ ‬عطايا‭ ‬الرب،‭ ‬ومحظوظ‭ ‬من‭ ‬ينثر‭ ‬كلماته‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬منتزعًا‭ ‬أحزانه‭ ‬وإحباطاته‭ ‬ليحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬حروف‭ ‬وكلمات،‭ ‬ربما‭ ‬ليعيد‭ ‬بناء‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬داخله‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تفكك‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬وانهار‭. ‬‮«‬ربما‭ ‬الكتابة‭ ‬هي‭ ‬القشة‭ ‬التي‭ ‬تنقذني‭ ‬من‭ ‬الانتحار‭ ‬أو‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬السريالي‮»‬‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬أصدقائي‭ ‬الكتّاب‭ ‬وطلب‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭. ‬فالكتابة‭ ‬في‭ ‬رأيه‭ ‬فعل‭ ‬انزياح‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬صوب‭ ‬عوالم‭ ‬أخرى‭ ‬طالما‭ ‬كان‭ ‬الخارجُ‭ ‬غير‭ ‬ودود‭. ‬

يختلف‭ ‬الكتّاب‭ ‬في‭ ‬نظرتهم‭ ‬للكتابة‭ ‬وأغراضهم‭ ‬منها،‭ ‬فهي‭ ‬حالة‭ ‬إبداعية‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬ذات‭ ‬الكاتب‭ ‬ووجدانه‭ ‬وضميره،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬أشبه‭ ‬بولادة‭ ‬حقيقية‭. ‬كل‭ ‬كاتب‭ ‬له‭ ‬نظرته‭ ‬الخاصة‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬الذي‭ ‬يدفعه‭ ‬للكتابة‭. ‬يقول‭ ‬توفيق‭ ‬الحكيم‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬إلا‭ ‬لهدف‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬دفع‭ ‬القارئ‭ ‬للتفكير،‭ ‬وبعد‭ ‬مائة‭ ‬كتاب‭ ‬أصدرته‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬أعمالي‭ ‬غير‭ ‬مجدية‮»‬‭. ‬ويقول‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭: ‬‮«‬أكتب‭ ‬لرغبتي‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مهمًّا،‭ ‬وفي‭ ‬أن‭ ‬أظهر‭ ‬للآخر‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬العمل‭ ‬عليها‭ ‬خلال‭ ‬بحث‭ ‬ما،‭ ‬وفي‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مقروءاً‭.. ‬لكني‭ ‬ما‭ ‬عدت‭ ‬أميّز‭ ‬بين‭ ‬الكتابة‭ ‬والحياة‮»‬‭. ‬ويقول‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭: ‬‮«‬ربما‭ ‬لأنني‭ ‬متورط‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬بإيقاع‭ ‬لم‭ ‬يسمح‭ ‬لي‭ ‬بالتساؤل،‭ ‬أحياناً‭ ‬أكتب‭ ‬لألعب،‭ ‬لكن‭ ‬لماذا‭ ‬أكتب‭ ‬ربما‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لي‭ ‬هوية‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لي‭ ‬محبة‭ ‬أخرى‭ ‬وحرية‭ ‬أخرى‭ ‬ولا‭ ‬وطن‭ ‬آخر‮»‬‭. ‬يقول‭ ‬دستويفسكي‭: ‬‮«‬كنتُ،‭ ‬ومازلت‭ ‬أعتبر‭ ‬مهنة‭ ‬الكتابة‭ ‬من‭ ‬أنبل‭ ‬وأنفع‭ ‬المهن،‭ ‬وإنني‭ ‬لمقتنع‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬نفعي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬فلربما‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬ألفِت‭ ‬الانتباه‭ ‬مجدداً‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬اسم‭ ‬جديد‭ ‬لامع‭ ‬يضمن‭ ‬وجودي‮»‬‭. ‬يقول‭ ‬الكاتب‭ ‬عثمان‭ ‬الفتحي‭: ‬‮«‬الكتابة‭ ‬تحرر،‭ ‬أكتب‭ ‬لأنجو‭ ‬بأفكاري‭.. ‬لأحررها‭ ‬من‭ ‬سجني‭ ‬لتهرب‭ ‬لغيري‭. ‬أكتب‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬فن‭. ‬تضيء‭ ‬الكتابة‭ ‬عتمة‭ ‬الذات،‭ ‬وتسمح‭ ‬للأنا‭ ‬أن‭ ‬تسترد‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يضج‭ ‬بألوان‭ ‬الغموض‮»‬‭. ‬وتقول‭ ‬الكاتبة‭ ‬سهام‭ ‬دعاء‭ ‬الريان‭: ‬‮«‬أكتب‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬ملاذ‭ ‬الروح،‭ ‬وهي‭ ‬مساحة‭ ‬ود‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬نفسي،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬العالم‭ ‬الجميل‭ ‬الودود‭ ‬الذي‭ ‬أجد‭ ‬فيه‭ ‬السلام‭ ‬المفقود‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬على‭ ‬الأوراق‭ ‬تنتهي‭ ‬الأحزان،‭ ‬وتنمو‭ ‬الآمال،‭ ‬وتزهر‭ ‬القلوب‮»‬‭. ‬

بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬الكتابة‭ -‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬الطويلة‭- ‬أشبه‭ ‬بالتنفس‭ ‬والدواء‭ ‬الشافي‭ ‬الذي‭ ‬يقتلع‭ ‬الكآبة‭ ‬من‭ ‬جذورها‭ ‬داخل‭ ‬الكاتب‭ ‬ليتصالح‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قمعه‭ ‬العالم‭. ‬فهل‭ ‬مازال‭ ‬الكاتبُ‭ ‬‮«‬مسكينًا‮»‬‭ ‬كما‭ ‬وصفه‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬‮«‬المسكين‮»‬‭. ‬إنه‭ ‬المحظوظ‭.. ‬بل‭ ‬المحظوظ‭ ‬جدًا‭.. ‬إنه‭ ‬الشغف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاهيه‭ ‬أي‭ ‬شغف‭.. ‬ليتهم‭ ‬يدرون‭!!‬

Alqaed2@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news