العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

قضايا و آراء

مأزق الدولة العازلة في الصراعات الدولية.. أوكرانيا نموذجًا

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٨ فبراير ٢٠٢٢ - 02:00

بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬ومتسارع‭ ‬تطورت‭ ‬أحداث‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬الجميع،‭ ‬لن‭ ‬أخوض‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬أبعاد‭ ‬الأزمة‭ ‬مجددًا‭ ‬ومطالب‭ ‬أطرافها‭ ‬وما‭ ‬سوف‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬وتبعاتها‭ ‬على‭ ‬هيكل‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬عمومًا‭ ‬وإنما‭ ‬سوف‭ ‬أحاول‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬تساؤل‭ ‬رئيسي‭ ‬تم‭ ‬توجيهه‭ ‬إلي‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬زملاء‭ ‬وأصدقاء‭: ‬لماذا‭ ‬تطورت‭ ‬الأزمة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو؟‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬معروفة‭ ‬وهي‭ ‬توسع‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضم‭ ‬جمهوريات‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق‭ ‬وهي‭ ‬التشيك‭ ‬وبولندا‭ ‬والمجر‭ ‬ليتوانيا،‭ ‬لاتفيا،‭ ‬استونيا‭ ‬وسلوفينيا‭ ‬وسلوفاكيا‭ ‬وبلغاريا‭ ‬ورومانيا،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬رأته‭ ‬روسيا‭ ‬تمددًا‭ ‬أطلسيا‭ ‬في‭ ‬مجالها‭ ‬الحيوي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الصراع‭ ‬الأطلسي‭-‬الروسي‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬صراع‭ ‬منضبط‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بلوغ‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬بلغ‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬حدود‭ ‬أوكرانيا‭ ‬فإننا‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية‭ ‬والتي‭ ‬تحمل‭ ‬نذر‭ ‬استخدام‭ ‬كل‭ ‬الأسلحة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬النووية،‭ ‬ولماذا‭ ‬أوكرانيا؟‭ ‬الإجابة‭ ‬ببساطة‭ ‬أنها‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬كبرى،‭ ‬فما‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة؟‭ ‬وهل‭ ‬ذلك‭ ‬الوضع‭ ‬يعد‭ ‬ميزة‭ ‬للدولة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬فرصا‭ ‬يجب‭ ‬اقتناصها؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يفرض‭ ‬أعباء‭ ‬يتعين‭ ‬الاستعداد‭ ‬لمواجهتها؟،‭ ‬عندما‭ ‬بحثت‭ ‬في‭ ‬تعريفات‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬فقد‭ ‬أجمعت‭ ‬تلك‭ ‬التعريفات‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬دولة‭ ‬تفصل‭ ‬بين‭ ‬حدود‭ ‬قوتين‭ ‬كبيرتين‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لردع‭ ‬الآخر‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬لأي‭ ‬منهما‭ ‬قوات‭ ‬داخل‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الحاكم‭ ‬وتوجهاته‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬يكون‭ ‬محددًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬محددات‭ ‬ومسارات‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬القوتين،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬يؤيد‭ ‬طرفا‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬الصراع‭ ‬المنضبط‭ ‬يكون‭ ‬سببًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬من‭ ‬بلوغ‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬القوتين‭ ‬المتصارعين‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬وإبقاء‭ ‬قواتها‭ ‬فيها‭ ‬لأمد‭ ‬طويل‭ ‬يعني‭ ‬تحقيق‭ ‬‮«‬نوع‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬النسبي‮»‬‭ ‬لأنها‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمحاذاة‭ ‬الخصم‭ ‬الآخر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬‮«‬بناء‭ ‬حائط‭ ‬استراتيجي‮»‬‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬القوتين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة،‭ ‬والتاريخ‭ ‬يذخر‭ ‬بسعي‭ ‬الإمبراطوريات‭ ‬والدول‭ ‬الكبرى‭ ‬لتأسيس‭ ‬مناطق‭ ‬عازلة‭ ‬ابتداءً‭ ‬بالإمبراطورية‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬حيث‭ ‬أقام‭ ‬الفراعنة‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬تستهدف‭ ‬أمنهم‭ ‬ومرورًا‭ ‬بظهور‭ ‬ذلك‭ ‬المفهوم‭ ‬لدى‭ ‬القوى‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬تتسم‭ ‬بوجود‭ ‬عوامل‭ ‬حماية‭ ‬طبيعية‭ ‬مثل‭ ‬الجبال‭ ‬الشاهقة‭ ‬وانتهاء‭ ‬بوجود‭ ‬حوالي‭ ‬32‭ ‬دولة‭ ‬عازلة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الآن‭ ‬وفقًا‭ ‬لتوماس‭ ‬روس‭ ‬أستاذ‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بجامعة‭ ‬نورث‭ ‬كارولينا‭.‬

ومع‭ ‬التسليم‭ ‬بما‭ ‬سبق،‭ ‬وبوجود‭ ‬نماذج‭ ‬عديدة‭ ‬للدولة‭ ‬العازلة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬شرقًا‭ ‬وغربًا‭ ‬والتي‭ ‬توجد‭ ‬بين‭ ‬دولتين‭ ‬كبيرتين‭ ‬تجمعهما‭ ‬مصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬أحيانًا‭ ‬ومتناقضة‭ ‬أحايين‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬التساؤل‭ ‬المنطقي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬خيارات‭ ‬الدول‭ ‬العازلة؟‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬الخيارات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والتي‭ ‬تظل‭ ‬عرضة‭ ‬لتهديد‭ ‬وجودي‭ ‬مزمن،‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬أن‭ ‬خيارات‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬خيارات‭ ‬الدول‭ ‬الصغرى‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬وأولها‭: ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الذاتي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬متطورة‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬احتكار‭ ‬القوتين‭ ‬المتصارعين‭ ‬للسلاح‭ ‬المتقدم‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إما‭ ‬روسيا‭ ‬أو‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬عمومًا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬خاص‭ ‬فإن‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬تكون‭ ‬خياراتها‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬تحديث‭ ‬لقوتها‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع‭ ‬سيكون‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬لوجود‭ ‬مفاعلات‭ ‬نووية‭ ‬بها‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لأي‭ ‬من‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع،‭ ‬ويتمثل‭ ‬الخيار‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬التحالفات‭ ‬الإقليمية‭ ‬أو‭ ‬الدولية‭ ‬وضمن‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬المحايدة‭ ‬بتأسيس‭ ‬تحالفات‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬تتشابه‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬وتوجهات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الارتباط‭ ‬معها‭ ‬بأطر‭ ‬تعاونية‭ ‬مشتركة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬تلك‭ ‬التحالفات‭ ‬ترتبط‭ ‬دائمًا‭ ‬بتوجهات‭ ‬النخبة‭ ‬الحاكمة،‭ ‬فالرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬فيكتور‭ ‬يانوكوفيتش‭ ‬‮«‬2010‭ - ‬2014‮»‬‭ ‬رأى‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬انضمام‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬الناتو‭ ‬وأنه‭ ‬يتعين‭ ‬عليها‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬انتهاج‭ ‬سياسة‭ ‬عدم‭ ‬الانحياز،‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬فولوديمير‭ ‬زيلينسكي‭ ‬فقد‭ ‬أقر‭ ‬البرلمان‭ ‬الأوكراني‭ ‬تشريعًا‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬تضمن‭ ‬المصادقة‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬الناتو،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إقرار‭ ‬البرلمان‭ ‬الأوكراني‭ ‬تعديلات‭ ‬دستورية‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬تعيد‭ ‬التأكيد‭ ‬والتمسك‭ ‬بانضمام‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬وحلف‭ ‬الناتو‭ ‬معًا،‭ ‬بينما‭ ‬يتمثل‭ ‬الخيار‭ ‬الثالث‭ ‬للدولة‭ ‬العازلة‭ ‬في‭ ‬انتهاج‭ ‬سياسة‭ ‬الحياد‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬عقلاني‭ ‬تنتهجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬وخاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تقع‭ ‬ضمن‭ ‬محيط‭ ‬إقليمي‭ ‬مضطرب‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬تورطها‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬تهدد‭ ‬أمنها‭ ‬القومي‭ ‬وخاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عوامل‭ ‬داخلية‭ ‬منشئة‭ ‬لتلك‭ ‬الصراعات‭ ‬ومنها‭ ‬وجود‭ ‬حركات‭ ‬انفصالية‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬إشكالية‭ ‬الأمن‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬التكامل‭ ‬والهوية‭ ‬الموحدة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬وجود‭ ‬منطقتين‭ ‬انفصاليتين‭ ‬شرقي‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬التدخل‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬قوى‭ ‬خارجية‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬العوامل‭ ‬المحركة‭ ‬لذلك‭ ‬الصراع،‭ ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬سياسة‭ ‬الحياد‭ ‬تمثل‭ ‬قيدًا‭ ‬معنويًا‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬بما‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬مهاجمتها‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬صحيحًا‭ ‬على‭ ‬إطلاقه‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬لأن‭ ‬الحياد‭ ‬ذاته‭ ‬لا‭ ‬يدوم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬رغبت‭ ‬الأطراف‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬احترامه،‭ ‬ويقدم‭ ‬التاريخ‭ ‬أمثلة‭ ‬عديدة‭ ‬ومنها‭ ‬أزمة‭ ‬الصواريخ‭ ‬الكوبية‭ ‬والتي‭ -‬كما‭ ‬أشرت‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة‭- ‬تتشابه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬فصولها‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬الأوكرانية‭ ‬الحالية،‭ ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬التهديد‭ ‬الأكبر‭ ‬كان‭ ‬مسألة‭ ‬الصواريخ‭ ‬ولكن‭ ‬الجذور‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إطاحة‭ ‬فيدل‭ ‬كاسترو‭ ‬بالرئيس‭ ‬الكوبي‭ ‬الموالي‭ ‬للغرب‭ ‬فولجنسيو‭ ‬باتيستا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثورة‭ ‬عام‭ ‬1959‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬إعلان‭ ‬كاسترو‭ ‬انتهاج‭ ‬الماركسية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬والذي‭ ‬اعتبر‭ ‬تحديًا‭ ‬هائلاً‭ ‬لكون‭ ‬كوبا‭ ‬لا‭ ‬تبعد‭ ‬عن‭ ‬الأراضي‭ ‬الأمريكية‭ ‬سوى‭ ‬أربعين‭ ‬ميلاً‭ ‬بحريًا،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬سياسي‭ ‬موال‭ ‬للاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المنشئة‭ ‬للأزمة‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬أزمة‭ ‬الصواريخ‭ ‬الكوبية‭ ‬هي‭ ‬العوامل‭ ‬المحركة‭ ‬للأزمة‭ ‬ببلوغها‭ ‬إمكانية‭ ‬الصدام‭ ‬النووي‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭ ‬العظمتين‭ ‬آنذاك‭.‬

وجل‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬العازلة‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬أمنية‭ ‬هائلة‭ ‬بما‭ ‬يحتم‭ ‬عليها‭ ‬انتهاج‭ ‬عدة‭ ‬خيارات‭ ‬دفاعية‭ ‬متوازنة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الخيارات‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أمرين‭ ‬مهمين‭ ‬الأول‭: ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬يتعين‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬جزءً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬أمنية‭ ‬متعددة‭ ‬الأطراف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الانحياز‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬دون‭ ‬الآخر‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬يمثل‭ ‬عبئًا‭ ‬وكلفة‭ ‬مصيرية،‭ ‬والثاني‭: ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬الدولة‭ ‬العازلة‭ ‬بالسير‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المسار‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مفهوم‭ ‬توازن‭ ‬القوى‭ ‬الذي‭ ‬يعد‭ ‬أساسًا‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬العالمي‭. ‬

 

{ مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدوليةبمركز‭ ‬

البحرين‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والدولية‭ ‬والطاقة‭ ‬‮«‬دراسات‮»‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//