العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

نبض: عبد الفتاح صبري.. كتاب من الورد لا يخطئ الذاكرة

بقلم: علي الستراوي

السبت ١٩ فبراير ٢٠٢٢ - 02:00

‭(‬بين‭ ‬عينيه‭ ‬لغة‭ ‬الياسمين‭ ..‬

وبين‭ ‬شفتيه‭ ‬هدوء‭ ‬مريح‭ ..‬

يسافر‭ ‬بمحبيه‭ ‬نحو‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجدود‭ ‬

وبيوت‭ ‬جامعة‭ ‬لمحبيها‭ ..‬

حول‭ ‬سفرة‭ ‬يتحلق‭ ‬حولها‭  ‬الطيبون‭)‬

قبل‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الخمسة‭ ‬أعوام‭ ‬التقيتُ‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭ ‬بالشارقة‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬بمركز‭ ‬اكسبو،‭ ‬بعد‭ ‬معرفة‭ ‬سابقة‭ ‬جمعتني‭ ‬به‭ ‬شذراته‭ ‬الإبداعية‭ ‬في‭ ‬زاويته‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬الرافد،‭ ‬كونه‭ ‬مدير‭ ‬تحرير‭ ‬المجلة‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الثقافة‭ ‬بالشارقة‭ ‬من‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭.‬

هادئ،‭ ‬ينظر‭ ‬للأشياء‭ ‬بعين‭ ‬ناقدة‭ ‬تتقدم‭ ‬محبيها‭ ‬وتضع‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬أعراف‭ ‬الورد‭ ‬لغة‭ ‬لينة‭ ‬تحمل‭ ‬من‭ ‬الطيبة‭ ‬عبقا‭ ‬يلتصقُ‭ ‬بمقدمه‭ ‬كمبدع‭ ‬حريص‭ ‬على‭ ‬رسائله‭ ‬الأدبية‭ ‬والثقافية‭.‬

أديب‭ ‬خبر‭ ‬الكتابة‭ ‬مجرباً‭ ‬كل‭ ‬مداخلها‭ ‬ومخارجها،‭ ‬مستأنساً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬أدب‭ ‬اكتظت‭ ‬هوادجه‭ ‬بصراعات‭ ‬وجدليات‭ ‬أقربها‭ ‬الحب‭ ‬والألفة‭ ‬التي‭ ‬قادته‭ ‬كأديب‭ ‬ومهتم‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬وباحث‭ ‬لا‭ ‬يهدأ،‭ ‬تقدمته‭ ‬لغة‭ ‬الإصرار‭ ‬والتحدي،‭ ‬فكان‭ ‬الموروث‭ ‬الحي‭ ‬وباعث‭ ‬رسائل‭ ‬الأبد‭.‬

إنه‭ ‬الروائي‭ ‬القاص‭ ‬والشاعر‭ ‬الناقد‭ ‬المصري‭ (‬العربي‭) ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬الأديب‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬صبري،‭ ‬ابن‭ ‬المنصورة‭ ‬بجمهورية‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭.‬

كأني‭ ‬به‭ ‬وهو‭ ‬يرسم‭ ‬ذاكرة‭ ‬النهارات،‭ ‬يشدذُ‭ ‬من‭ ‬حبل‭ ‬عافيته‭ ‬ليعيد‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬ما‭ ‬فقدوه‭.. ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬درباً‭ ‬ضيقاً‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬أحرف‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬الأرض‭ ‬طيبة‭ ‬وحياة،‭ ‬قلّ‭ ‬مثيلها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اكتظت‭ ‬حاناته‭ ‬بالعربدة‭ ‬وبالسقام‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفتك‭ ‬بالأحبة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬واعز‭ ‬من‭ ‬الرشد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الركض‭ ‬وراء‭ ‬السراب‭.‬

أبويٌ،‭ ‬يجاور‭ ‬الآخرين‭ ‬بصدقهم،‭ ‬ويفرش‭ ‬الأرض‭ ‬بالرياحين‭ ‬لكل‭ ‬خُطى‭ ‬تقدمت‭ ‬نحو‭ ‬ظله،‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬أوسعه،‭ ‬مجاوراً‭ ‬ثلة‭ ‬المحبين‭ ‬من‭ ‬الخيرين‭.‬

هو‭ ‬ذلك‭ ‬المؤمن‭ ‬بأداء‭ ‬رسالته‭ ‬التي‭ ‬خبر‭ ‬عبرها‭: ‬ان‭ ‬للطين‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬القدم‭ ‬عافيتها،‭ ‬فتقدمت‭ ‬لتشعل‭ ‬الوشيعة‭ ‬بالشموع‭ ‬وترمي‭ ‬ببذور‭ ‬زهرة‭ ‬الزعفران‭ ‬للقلوب‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬ما‭ ‬للأدب‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬البشرية،‭ ‬وما‭ ‬للثقافة‭ ‬الناصحة‭ ‬للحب‭ ‬من‭ ‬حياة،‭ ‬تكبر‭ ‬على‭ ‬أرضها‭ ‬مدنٌ‭ ‬تعشق‭ ‬النماء،‭ ‬كمثلها‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬الشارقة‮»‬‭. ‬

في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬سلك‭ ‬الأديب‭ ‬دربا‭ ‬هو‭ ‬يعرف‭ ‬مسبقاً‭ ‬انه‭ ‬الدرب‭ ‬الذي‭ ‬يحفر‭ ‬في‭ ‬الخريف‭ ‬حياة‭ ‬تدفع‭ ‬به‭ ‬نحو‭ ‬الربيع،‭ ‬قائدا‭ ‬الآخرين‭ ‬نحو‭ ‬جادة‭ ‬الصواب‭.‬

بين‭ ‬ربوع‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬تمسك‭ ‬بالخيرين‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والمثقفين‭ ‬الذين‭ ‬أعاد‭ ‬بصحبتهم‭ ‬البوصلة‭ ‬ليجمع‭ ‬ما‭ ‬فُطر‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬اجتماعية‭ ‬في‭ ‬مدينته‭ ‬‮«‬المنصورة‮»‬‭ ‬بمصر،‭ ‬تلك‭ ‬الحوامد‭ ‬التي‭ ‬ظل‭ ‬محافظاً‭ ‬على‭ ‬أصالتها،‭ ‬أسس‭ ‬عبرها‭ ‬لغته‭ ‬العالية‭ ‬الأدب،‭ ‬اللينة‭ ‬في‭ ‬العناق‭ ‬الحميمي‭ ‬والجامعة‭ ‬للأدب‭ ‬والثقافة‭ ‬المحفز‭ ‬للمعرفة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬الإبداع‭.‬

سنوات‭ ‬مضت‭ ‬من‭ ‬معرفتي‭ ‬به‭ ‬ومازالت‭ ‬علاقتي‭ ‬شديدة‭ ‬بصحبته،‭ ‬تنمو‭ ‬على‭ ‬غصن‭ ‬ورود‭ ‬المحمدي،‭ ‬متمسكٌ‭ ‬به‭ ‬إنسان‭ ‬يدفع‭ ‬بالخير‭ ‬ويفتح‭ ‬أبواب‭ ‬قلبه‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ثقافي‭ ‬يعانق‭ ‬الطيبة‭ ‬ويتمسك‭ ‬بأعواد‭ ‬بخور‭ ‬الخيرين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬ولا‭ ‬يدير‭ ‬ظهره‭ ‬عن‭ ‬مد‭ ‬يد‭ ‬المساعدة‭ ‬لمحبيه‭.‬

أسأل‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يمد‭ ‬في‭ ‬عمره،‭ ‬لأن‭ ‬الشواهد‭ ‬التي‭ ‬أسس‭ ‬لها‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬صبري،‭ ‬بقيت‭ ‬مآذن‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عنها‭ ‬صوت‭ ‬الذكر‭ ‬في‭ ‬أبعاد‭ ‬كل‭ ‬نتاجاته‭ ‬القصصية‭ ‬والروائية‭ ‬والشعرية‭ ‬والبحثة‭ ‬والنقدية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬اليوم‭ ‬تلوّح‭ ‬لقرائها‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬أرفف‭ ‬اكبر‭ ‬المكتبات‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية‭.‬

فمن‭ ‬الصدف‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬قادتني‭ ‬به‭ ‬كأديب‭ ‬قبل‭ ‬معرفتي‭ ‬به‭ ‬قراءة‭ ‬روايته‭ ‬المعنونة‭ ‬‮«‬الغربان‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬أبداً‮»‬‭ ‬الصادرة‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬الحضارة‭ ‬العربية‭ ‬للنشر،‭ ‬والتي‭ ‬مكنتني‭ ‬أيضاً‭  ‬من‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أدبيات‭ ‬أخرى‭ ‬له،‭ ‬فاهتديت‭ ‬لقراءة‭ ‬مجموعته‭ ‬القصصية‭ ‬الثانية‭  ‬المعنونة‭  ‬‮«‬حكاية‭ ‬أنثوية‮»‬‭ ‬الصادرة‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬ومجاميع‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬أدبه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شؤون‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة‭.‬

ويظل‭ ‬بيننا‭ ‬ذلك‭ ‬الخيط‭ ‬المشدود‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬البرق‭ ‬ليأذن‭ ‬للمطر‭ ‬بالسقوط‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬تربة‭ ‬عطشى،‭ ‬كونها‭ ‬أبعاد‭ ‬ضوء‭ ‬آنستُ‭ ‬فيك‭ ‬الرجل‭ ‬الصدوق‭ ‬الذي‭ ‬فُرض‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬أدبياته‭ ‬واحترامه‭ ‬بمقدار‭ ‬محبتي‭ ‬لكل‭ ‬ريح‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭ ‬النسيم‭ ‬في‭ ‬معدن‭ ‬الرجال،‭ ‬كونك،‭ ‬كتابا‭ ‬عميقا‭ ‬مفتوحا‭ ‬للقراءة‭ ‬على‭ ‬الورد‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬رائحة‭ ‬الزمن‭ ‬الجميل‭ ‬العالق‭ ‬بشذى‭ ‬من‭ ‬الورد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الجذب،‭ ‬والحكايات‭ ‬المتخاصمة‭!‬

أديب‭ ‬وباحث‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬الثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬وكاتب‭ ‬جر‭ ‬النقاد‭ ‬نحو‭ ‬تجربته‭ ‬ولاتزال‭ ‬هناك‭ ‬محطات‭ ‬في‭ ‬أدبه‭ ‬الإنساني‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬القراءة‭ ‬والتعمق‭ ‬في‭ ‬سيرته‭ ‬الإنسانية‭ ‬والأدبية،‭ ‬وهذا‭ ‬قد‭ ‬يجرني‭ ‬لدعوة‭ ‬المهتمين‭ ‬بدراسة‭ ‬سيرته‭ ‬الأدبية‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬شرارات‭ ‬الموهبة،‭ ‬فبالتأكيد‭ ‬سيقفون‭ ‬على‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الشذرات‭ ‬الطيبة‭  ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يقرأوها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬تجربته،‭ ‬تحفزهم‭ ‬للكتابة‭ ‬والدراسة‭ ‬المعمقة‭ ‬عنه،‭ ‬منذ‭ ‬كان‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬خُطَى‭ ‬الحرف‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬رسا‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬درر‭ ‬السيرة‭ ‬الأدبية‭ ‬للإنسان‭ ‬والمكان‭ ‬وأبعاد‭ ‬أخرى‭ ‬ارتبطت‭ ‬بتجربته‭ ‬الطويلة‭ ‬وهو‭ ‬يحفر‭ ‬في‭ ‬صخر‭ ‬الثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كلل،‭ ‬وبصمت‭ ‬هادئ‭.‬

 

a‭.‬astrawi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news