العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

أصحاب ولا أعز وجدلية الزمكانية الواقعية

بقلم: د. عباس القصاب

السبت ٠٥ فبراير ٢٠٢٢ - 02:00

فرض‭ ‬فيلم‭ (‬أصحاب‭ ‬ولا‭ ‬أعز‭) ‬نفسه‭ ‬كمادة‭ ‬جدلية‭ ‬محتدة‭ ‬بين‭ ‬النقاد‭ ‬والفنانين‭ ‬وغيرهم‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬فكرته‭ ‬ومادته‭ ‬الدرامية‭ ‬المقتبسة‭ ‬من‭ ‬فيلم‭ ‬إيطالي،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬عده‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأعمال‭ ‬العربية‭ ‬السينمائية‭ ‬هزالة‭ ‬وضعفا،‭ ‬بينما‭ ‬رآه‭ ‬آخرون‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأعمال‭ ‬السينمائية‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬واقعية‭ ‬وملامسة‭ ‬لحركة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬وقد‭ ‬اعتبرته‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬عبث‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬والنزوع‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬المختلف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هادفية‭ ‬أخلاقية‭ ‬من‭ ‬ورائه،‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬رؤى‭ ‬نقدية‭ ‬وتفسيرية‭ ‬مختلفة‭.‬

من‭ ‬خلال‭ ‬متابعتي‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬التحليلات‭ ‬الفنية‭ ‬والنقدية‭ ‬لهذا‭ ‬الفيلم‭ ‬الجدلي‭ ‬وجدت‭ ‬أنه‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬إشكالية‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬والمقاربات‭ ‬في‭ ‬مساحاتهما‭ ‬الدرامية‭. ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يتبرأ‭ ‬من‭ ‬مكان‭ (‬بلد‭) ‬تصوير‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬وطبيعة‭ ‬مجتمعه‭ ‬المنفتح‭ ‬حضاريا‭ ‬وثقافيا‭ ‬الذي‭ ‬تسود‭ ‬فيه‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التحرر‭ ‬الأخلاقي‭ ‬مستشهدين‭ ‬بسلوكيات‭ ‬البنت‭ ‬المراهقة،‭ ‬وموقف‭ ‬والدها‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وصورة‭ ‬العلاقات‭ ‬المختلطة‭ ‬بين‭ ‬الأصدقاء‭ ‬وزوجاتهم‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬العرفية‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬جميعا،‭ ‬وسقوط‭ ‬الحواجز‭ ‬المعروفة‭ ‬بين‭ ‬المرأة‭ ‬والرجل‭ ‬العصريين‭.‬

وآخرون‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬زمني‭ ‬معاش‭ ‬الآن،‭ ‬بطلته‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬متمثلة‭ ‬بالهاتف‭ ‬النقال،‭ ‬وما‭ ‬يحتوي‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬خطرة‭ ‬تجعل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لديه‭ ‬نقالا‭ ‬يتحسس‭ ‬رأسه‭ ‬ليل‭ ‬نهار‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬الأصدقاء‭ ‬المتحلقين‭ ‬حول‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة‭ ‬تدور‭ ‬جل‭ ‬فترات‭ ‬الفيلم‭ ‬عليها،‭ ‬وكل‭ ‬منهم‭ ‬له‭ ‬سر‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬هاتفه‭ ‬جدير‭ ‬بأن‭ ‬يهدد‭ ‬حياته‭ ‬الزوجية‭ ‬فعليا‭.‬

حتى‭ ‬نقارب‭ ‬الإشكالية‭ ‬الزمكانية‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬نلغي‭ ‬الحدود‭ ‬الزمانية‭ ‬والمكانية‭ ‬لنكون‭ ‬رأيا‭ ‬موضوعيا‭ ‬في‭ ‬الحدث‭ ‬الدرامي‭ ‬للفيلم،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬طرح‭ ‬موضوع‭ ‬الخيانات‭ ‬الزوجية‭ ‬والمثلية‭ ‬التي‭ ‬تتمحور‭ ‬حولها‭ ‬فكرة‭ ‬الفيلم‭ ‬قد‭ ‬نال‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬في‭ ‬الدراما‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬والتلفزيون‭ ‬والمسرح،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬جديدا‭ ‬على‭ ‬الدراما،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬استثناء‭ ‬بقعة‭ ‬أو‭ ‬مجتمع‭ ‬مكانيا‭ ‬وتبرئته‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوصم‭ ‬مجتمع‭ ‬بعينه‭ ‬بهذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬فليس‭ ‬هناك‭ ‬مجتمع‭ ‬أفلاطوني‭ ‬واقعي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحافظة‭ ‬أم‭ ‬المنفتحة،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تماهي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬محافظة‭ ‬أمس‭ ‬بالمجتمعات‭ ‬المنفتحة‭ ‬بل‭ ‬وتزيد‭ ‬عليها،‭ ‬ويتوقع‭ ‬أن‭ ‬تنصهر‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬الانفتاح‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬العولمة‭ ‬وانتشار‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحديثة‭ ‬بما‭ ‬تحمل‭ ‬من‭ ‬محتوى‭ ‬جديد‭ ‬يفرض‭ ‬إيقاعه‭ ‬على‭ ‬السلوكيات‭ ‬والأفكار‭ ‬والمعتقدات‭.‬

أما‭ ‬زمانيا‭ ‬فقد‭ ‬تناولت‭ ‬أعمال‭ ‬فنية‭ ‬كثيرة‭ ‬ظاهرة‭ ‬الخيانات‭ ‬الزوجية‭ ‬والعلاقات‭ ‬المحرمة،‭ ‬وهناك‭ ‬أفلام‭ ‬عربية‭ ‬سواء‭ ‬القديمة‭ ‬أم‭ ‬الحديثة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬بالعشرات‭ ‬التي‭ ‬عرضت‭ ‬هذا‭ ‬المشكل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والأخلاقي،‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬عناوين‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬مباشرة،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬بظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬مستجدة،‭ ‬قد‭ ‬تناولها‭ (‬أصحاب‭ ‬ولا‭ ‬أعز‭)‬،‭ ‬ويبقى‭ ‬موضوع‭ ‬المثليين‭ ‬والشواذ‭ ‬الذي‭ ‬ركز‭ ‬عليه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬والمهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬الفني،‭ ‬وهذا‭ ‬أيضا‭ ‬عرضته‭ ‬أعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬ولفنانين‭ ‬مهمين‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬عدة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬شبكة‭ ‬نتفلكس‭ ‬غير‭ ‬بريئة‭ ‬أبدا‭ ‬من‭ ‬ترويجها‭ ‬إلى‭ ‬المثليين‭ ‬والشواذ،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬فيه‭ (‬فؤاد‭ ‬يمّين‭) ‬وهو‭ ‬المثلي‭ ‬بمظهر‭ ‬الإنسان‭ ‬اللبق‭ ‬والرياضي‭ ‬والصديق‭ ‬الوفي،‭ ‬حتى‭ ‬يتعاطف‭ ‬معه‭ ‬المتلقي،‭ ‬وكذلك‭ ‬تظهر‭ ‬شخصية‭ ‬الدكتور‭ ‬صاحب‭ ‬المنزل‭ (‬جورج‭ ‬خباز‭) ‬المتساهل‭ ‬مع‭ ‬ابنته‭ ‬المراهقة‭ ‬بمظهر‭ ‬الإنسان‭ ‬المتحضر‭ ‬ذي‭ ‬الحكمة‭ ‬والرؤية‭ ‬الصائبة،‭ ‬علما‭ ‬بأن‭ ‬ممثلي‭ ‬الشخصيتين‭ ‬هما‭ ‬أبرز‭ ‬ممثلين‭ ‬فنيا‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإقناع‭ ‬بشخصيتيهما‭ ‬الدراميتين‭.‬

وأما‭ ‬ما‭ ‬يثار‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬لقطات‭ ‬ساخنة،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬ادعاء‭ ‬ذلك،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعد‭ ‬شيئا‭ ‬أمام‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬السينمائية‭ ‬المنتشرة‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬إسفاف‭ ‬وجنس‭ ‬وعري،‭ ‬حيث‭ ‬اعتمد‭ ‬المنتقدون‭ ‬على‭ ‬مشهدين‭ ‬سريعين‭ ‬هما‭ ‬أقل‭ ‬إثارة‭ ‬من‭ ‬أفلام‭ ‬كثيرة‭ ‬روج‭ ‬لها‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭. ‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬فنية‭ ‬فما‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬هو‭ ‬البناء‭ ‬الدرامي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬المكان‭ ‬المقيد‭ ‬في‭ ‬المشاهد‭ ‬المهمة‭ ‬والحاسمة‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة،‭ ‬وكأن‭ ‬المتلقي‭ ‬يشاهد‭ ‬عملا‭ ‬مسرحيا،‭ ‬وهذا‭ ‬الوضع‭ ‬المتمركز‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬مكانية‭ ‬يتيح‭ ‬عادة‭ ‬للشخصيات‭ ‬بالاعترافات‭ ‬والتمازج‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأعمال‭ ‬الدرامية‭ ‬المشابهة،‭ ‬كمن‭ ‬يكونون‭ ‬في‭ ‬قطار‭ ‬أم‭ ‬طيارة‭ ‬أم‭ ‬مصعد‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬العربي‭ ‬القديم‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬نهاية‭ ‬الفيلم‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أثارت‭ ‬المشاهدين‭ ‬رفضا‭ ‬أو‭ ‬قبولا،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬ترجع‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬برجوع‭ ‬القمر‭ ‬إلى‭ ‬حالته‭ ‬بعد‭ ‬الخسوف،‭ ‬وكأن‭ ‬هناك‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كشف‭ ‬الخيانات‭ ‬وافتضاحها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الدورة‭ ‬الحياتية‭ ‬الطبيعية،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬السابق،‭ ‬وكأن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬وهذا‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مقبولا‭ ‬عند‭ ‬آخرين،‭ ‬حيث‭ ‬تحفز‭ ‬هذه‭ ‬النهاية‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬المحرمة،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬مقبولا‭ ‬أخلاقيا‭ ‬وقيميا‭.‬

كل‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬وعليه‭ ‬ما‭ ‬عليه،‭ ‬ويبقى‭ (‬أصحاب‭ ‬ولا‭ ‬أعز‭) ‬عملا‭ ‬يطرح‭ ‬قضية‭ ‬جريئة‭ ‬ومسكوتا‭ ‬عنها،‭ ‬وإن‭ ‬تباينت‭ ‬الآراء‭ ‬حول‭ ‬مغزاه‭ ‬وهادفيته‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مؤامرة‭ ‬تحاك‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬ضد‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬وفق‭ ‬بعض‭ ‬الآراء‭. ‬ولتقييم‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬وأن‭ ‬يطرح‭ ‬المشاهد‭ ‬سؤالين‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬هل‭ ‬استطاع‭ ‬الفيلم‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬على‭ ‬المشاهد؟‭ ‬وهل‭ ‬استطاع‭ ‬الفيلم‭ ‬أن‭ ‬يجيب‭ ‬عن‭ ‬أسئلة‭ ‬المتلقي؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬ولا‭ ‬ذاك؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news