العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢١٠ - الأربعاء ١٠ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٢ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

نبض: يهمنا قارئ لا يبخس نتاجنا !

{ علي الستراوي.

السبت ٠٥ فبراير ٢٠٢٢ - 02:00

لم‭ ‬تكن‭ ‬محض‭ ‬صدفة‭,‬‭ ‬بل‭ ‬نطفة‭ ‬كبرت‭ ‬في‭ ‬رحم‭ ‬المنتمي‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المكان‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬يؤمن‭ ‬بها‭.‬

إرادة‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لينة‭ ‬أو‭ ‬لريح‭ ‬دافئة‭,‬‭ ‬بل‭ ‬حكاية‭ ‬مدت‭ ‬جذورها‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬الأرض‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬الولادات‭ ‬التي‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالإنسان‭ ‬ككائن‭ ‬يشعر‭ ‬ويحس‭ ‬ويتذوق‭ ‬الأشياء‭ ‬عبر‭ ‬حواسه‭ ‬الخمس‭,‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعترض‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬منها‭.‬

كان‭ ‬السواد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليه‭ ‬شعورا‭ ‬بالهدوء‭ ‬وكان‭ ‬البياض‭ ‬له‭ ‬شعور‭ ‬مخالف‭ ‬للسواد‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الحركة‭ ‬التي‭ ‬تخللت‭ ‬محتوى‭ ‬الجغرافيا‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬ككائن‭ ‬فرض‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتأقلم‭ ‬ويتقبل‭ ‬واقعه‭ ‬بكل‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬يأتي‭ ‬بها‭ ‬الآخرون‭.‬

في‭ ‬موقع‭ ‬الخلية‭ ‬كان‭ ‬لبصيرته‭ ‬موقع‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬في‭ ‬شرنقته‭ ‬شهوراً‭,‬‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬واقعه‭ ‬شيئا‭ ‬سوى‭ ‬الإحساس‭ ‬بالدفء‭ ‬وبالظلمة‭,‬‭ ‬وبشيء‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬سرته‭,‬‭ ‬يتغذى‭ ‬عليه‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يموت‭,‬‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬المصل‭ ‬السري‭ ‬بدأ‭ ‬معه‭ ‬أول‭ ‬حكايات‭ ‬معنى‭ (‬الصراع‭).‬

في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭,‬‭ ‬يكون‭ ‬صراع‭ ‬الكاتب،‭ ‬الذي‭ ‬وهو‭ ‬متجوسق‭ ‬في‭ ‬خليته‭,‬‭ ‬يكتب‭ ‬بهدوء‭,‬‭ ‬يعصر‭ ‬مرارته‭ ‬ليحبر‭ ‬ما‭ ‬تفيض‭ ‬به‭ ‬روحه‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬لا‭ ‬يتركه‭ ‬للهدوء‭ ‬ولا‭ ‬يغادره‭ ‬قبل‭ ‬الولادة‭. ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬مثله‭ ‬مثل‭ ‬صراع‭ ‬أول‭ ‬النطفة‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المشيمة‭ ‬بداخل‭ ‬رحم‭ ‬الأم‭,‬‭ ‬شيئاً‭ ‬فشيئا‭ ‬تكبر‭ ‬أطرافه‭ ‬وتمتد‭ ‬أوراقه‭ ‬بشكل‭ ‬متفرد‭,‬‭ ‬ليخرج‭ ‬بعد‭ ‬النضوج‭,‬‭ ‬تتقدمه‭ ‬صرخة‭ ‬مدويّة‭,‬‭ ‬لأن‭ ‬استقبال‭ ‬عالمه‭ ‬الجديد‭ ‬سيكون‭ ‬واقعا‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬منه‭ ‬شيئا‭,‬‭ ‬يتقدمه‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬عضلات‭ ‬قلبه‭ ‬الصغير‭,‬‭ ‬فيكون‭ ‬الوجس‭ ‬مقدمة‭ ‬لعالم‭ ‬لا‭ ‬يدركه‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬منه‭ ‬شيئا‭ ‬يستطيع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬مشيمته‭,‬‭ ‬فتكون‭ ‬الصرخة‭ ‬رفضاً‭ ‬للجديد‭ ‬الذي‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬عليه‭ ‬التآلف‭ ‬معه‭ ‬بصبر‭ ‬شديد‭ ‬الانتباه‭.‬

الكاتب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬هو‭ ‬شبيه‭ ‬بذلك‭ ‬الصغير‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬النطفة‭ ‬والخارج‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬المشيمة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحس‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬بالأمان‭. ‬

هي‭ ‬نفسها‭ ‬حالة‭ ‬الكاتب‭ ‬مع‭ ‬الكتابة‭,‬‭ ‬يظل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬محموم‭ ‬لا‭ ‬يفلت‭ ‬منه‭ ‬ولا‭ ‬باستطاعته‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬أوجاعها‭ ‬قبل‭ ‬الولادة‭,‬‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬ولادة‭ ‬صعبة‭ ‬لإدراك‭ ‬من‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬من‭ ‬طبقات‭ ‬متصارعة‭ ‬ذات‭ ‬مقابض‭ ‬لينة،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬ذات‭ ‬مخالب‭ ‬مقدمها‭ ‬الدفء،‭ ‬بل‭ ‬قاسية‭ ‬بقسوة‭ ‬ما‭ ‬عرفه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬قبل‭ ‬الكتابة‭.‬

هكذا‭ ‬يكون‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬مبدأ‭ ‬وتعاطيا‭,‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلتفت‭ ‬لعكاز‭ ‬المساعدة‭,‬‭ ‬لكونه‭ ‬فرنا‭ ‬مشتعلا‭ ‬بجمر‭ ‬يحترق‭ ‬أكثر‭ ‬الأحايين‭ ‬من‭ ‬خلاله‭,‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسأل‭: ‬هل‭ ‬ستصل‭ ‬بي‭ ‬الكتابة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة،‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬المشنقة؟

أسئلة‭ ‬في‭ ‬واقعها‭ ‬مؤلم‭,‬‭ ‬لكن‭ ‬الكاتب‭ ‬المتصل‭ ‬بصراع‭ ‬الآخرين‭ ‬وقضايا‭ ‬مجتمعه‭ ‬لا‭ ‬تتقدمه‭ ‬أسئلة‭ ‬تقف‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الحاجز‭ ‬الوسط‭ ‬الذي‭ ‬تنطفئ‭ ‬فيه‭ ‬شرارة‭ ‬الضوء‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬الكتابة‭ ‬ليست‭ ‬سهلة‭ ‬وليست‭ ‬رخيصة‭ ‬بمثل‭ ‬ما‭ ‬نراها‭ ‬اليوم‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬المحسوبين‭ ‬على‭ ‬الكتابة،‭ ‬قطارهم‭ ‬لا‭ ‬يقف‭,‬‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬فيه‭ ‬قائد‭ ‬مغر‭ ‬يفتح‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬خزانته‭ ‬بالدولارات‭ ‬غير‭ ‬الدافعة‭ ‬إلى‭ ‬الإبداع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬قاتلة‭ ‬له،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬القائد‭ ‬ضريراً‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬قائد‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬عمًى‭,‬‭ ‬لكنه‭ ‬كبير‭ ‬البصيرة‭,‬‭ ‬يدفع‭ ‬بمبدعيه‭ ‬نحو‭ ‬الجد‭ ‬والاجتهاد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حافز‭ ‬الكتابة‭ ‬التي‭ ‬تلد‭ ‬لتفرض‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬إعطاءها‭ ‬الجوائز‭.‬

فمن‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬كاتباً‭ ‬يعيش‭ ‬نطفة‭ ‬الكتابة‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬الألق‭ ‬حتى‭ ‬اشتعال‭ ‬الحريق‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬الكتابة‭,‬‭ ‬لا‭ ‬كاتبا‭ ‬ينتظر‭ ‬الجائزة‭ ‬ليفتح‭ ‬شهيته‭ ‬للكتابة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حريق‭.‬

والألم‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يبدع‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬ويشعل‭ ‬الفضاء‭ ‬حباً‭,‬‭ ‬تظل‭ ‬إبداعاته‭ ‬مصفوفة‭ ‬في‭ ‬أرفف‭ ‬المكتبات‭,‬‭ ‬يقرأها‭ ‬من‭ ‬يشعر‭ ‬بالكتابة‭ ‬أنها‭ ‬موقع‭ ‬الألم‭ ‬ويهجرها‭ ‬من‭ ‬يبحث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬درة‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬محيط‭ ‬موحش‭ ‬ومحسوبية‭ ‬تأخذ‭ ‬بيده‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬فيه‭ ‬حق‭! ‬

أن‭ ‬نكتب‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬نشعر‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬جميل‭,‬‭ ‬يقودنا‭ ‬فيما‭ ‬نكتبه‭ ‬لبصيرة‭ ‬اكبر‭ ‬من‭ ‬بصيرة‭ ‬الجوائز‭,‬‭ ‬يهمنا‭ ‬قارئ‭ ‬لا‭ ‬يبخس‭ ‬نتاجنا‭ ‬ولا‭ ‬يسترخص‭ ‬شراءه‭,‬‭ ‬مقابل‭ ‬الكثير‭ ‬المعلق‭ ‬فوق‭ ‬رفوف‭ ‬المكتبات‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬الباعثة‭ ‬على‭ ‬السأم‭,‬‭ ‬والباهظة‭ ‬الثمن‭.‬

a‭.‬astrawi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news