العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٢٠٨ - الاثنين ٠٨ أغسطس ٢٠٢٢ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٤هـ

الثقافي

دور الأدب والرواية في المجتمع

بقلم: ريما ال كلزلي

السبت ٢٩ يناير ٢٠٢٢ - 02:00

ممّا‭ ‬لاشكّ‭ ‬فيه‭ ‬أنّ‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬مرّت‭ ‬بأطوارٍ‭ ‬مختلفة‭ ‬حتّى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحاضر،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننكر‭ ‬دور‭ ‬الأدب‭ ‬والفنّ‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬القيم‭ ‬المعاصرة،‭ ‬وجعل‭ ‬المجتمع‭ ‬ينتقل‭ ‬انتقالًا‭ ‬سلسًا‭ ‬إلى‭ ‬طورٍ‭ ‬أكثر‭ ‬تقدّمًا،‭ ‬والمجتمع‭ ‬العربيّ‭ ‬ليس‭ ‬استثناءً‭.‬

إنّ‭ ‬احترام‭ ‬قيم‭ ‬الأصالة،‭ ‬والقيم‭ ‬العُليا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬العربيّ‭ ‬عامّةً،‭ ‬والخليجيّ‭ ‬بشكلٍ‭ ‬خاصّ‭ ‬لا‭ ‬يجبُ‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬عائقًا‭ ‬أمام‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬منظومة‭ ‬القيم‭ ‬السائدة،‭ ‬وتأمّلها‭ ‬بعمق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬غربلتها،‭ ‬وانتقاء‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صالحًا‭ ‬للاستمرار،‭ ‬وتعديل‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬تعديله‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬التطوّر‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والصناعي‭ ‬المعاصر‭.‬

والأدب‭ ‬بشكلٍ‭ ‬عامّ‭ ‬له‭ ‬دورٌ‭ ‬مهمٌّ‭ ‬ورائدٌ‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬المجتمع،‭ ‬ودفعه‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬أفكاره‭ ‬وعاداته،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬المجتمع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينقسم‭ ‬إلى‭ ‬قسمين؛‭ ‬قسمٍ‭ ‬يؤيد‭ ‬التغيير،‭ ‬وقسمٍ‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬اعتاده‭ ‬الناس‭ ‬فتراتٍ‭ ‬طويلة،‭ ‬بيدَ‭ ‬أنّ‭ ‬الأدب‭ ‬لا‭ ‬يأخذ‭ ‬مسارًا‭ ‬واحدًا‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اتّجاهٍ‭ ‬واحدٍ،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬مَن‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬التقاليد،‭ ‬ويرمي‭ ‬محاولات‭ ‬التغيير‭ ‬بحجارة‭ ‬الماضي‭.‬

أمّا‭ ‬الرواية‭ ‬بوصفها‭ ‬فنًّا‭ ‬أدبيًّا‭ ‬طفق‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬العربيّ‭ ‬بعد‭ ‬عصورٍ‭ ‬من‭ ‬سيادة‭ ‬الشّعر،‭ ‬فإنّها‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دورٍ‭ ‬حاسمٍ‭ ‬في‭ ‬التغيير،‭ ‬كونها‭ ‬ترصد‭ ‬التحوّلات‭ ‬الاجتماعيّة‭ ‬والسياسيّة‭ ‬والاقتصاديّة‭ ‬للمجتمع‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬زمنيّة‭ ‬محدودة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬متلاحقة،‭ ‬فحين‭ ‬يقدّم‭ ‬الروائيّ‭ ‬وجهة‭ ‬نظره‭ ‬أو‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬أبطال‭ ‬رواياته،‭ ‬فإنّه‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬الإضاءة‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬التحوّلات‭ ‬بصورةٍ‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وربّما‭ ‬تكون‭ ‬مباشرة‭ ‬أحيانًا،‭ ‬وهو‭ ‬يتوجّه‭ ‬إلى‭ ‬متلقٍّ‭ ‬يعيش‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬مجتمعٍ‭ ‬واحدٍ،‭ ‬وهذا‭ ‬المتلقّي‭ ‬لديه‭ ‬وجهة‭ ‬نظرٍ‭ ‬أيضًا،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬متوافقة‭ ‬أو‭ ‬متعارضةٍ‭ ‬مع‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الروائيّ،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الروائيّ‭ ‬متمكّنًا‭ ‬من‭ ‬أدواته،‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬أفكاره‭ ‬بأسلوبٍ‭ ‬يجذبُ‭ ‬القارئ،‭ ‬ويؤثّر‭ ‬فيه،‭ ‬فإنّه‭ ‬يسهمُ‭ ‬في‭ ‬عمليّة‭ ‬التغيير‭ ‬الاجتماعيّ،‭ ‬ويكون‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬الاجتماعيّ‭.‬

ولكنّ‭ ‬الروائيّ‭ ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬بمفرده،‭ ‬وهنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬المؤسّسات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬والصحافة‭ ‬والإعلام‭ ‬بوسائله‭ ‬المتعدّة‭ ‬لبناء‭ ‬جسورٍ‭ ‬متينة‭ ‬بين‭ ‬الكاتب‭ ‬والجمهور،‭ ‬كما‭ ‬يلعب‭ ‬النقد‭ ‬الأدبيّ‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار؛‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬للدراسات‭ ‬النقديّة‭ ‬الحقّة،‭ ‬والتي‭ ‬تسهم‭ ‬الصحافة‭ ‬والإعلام‭ ‬في‭ ‬تقديمها،‭ ‬صلة‭ ‬وصلٍ‭ ‬حقيقيّة‭ ‬تمهّد‭ ‬للدور‭ ‬الذي‭ ‬على‭ ‬الرواية‭ ‬أن‭ ‬تلعبه،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬إغفال‭ ‬دور‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبيّة‭ ‬الأخرى،‭ ‬أو‭ ‬دور‭ ‬الفنون‭ ‬والدراما‭ ‬في‭ ‬التكاتف‭ ‬والتكامل‭ ‬مع‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تكوين‭ ‬منظومة‭ ‬قيميّة‭ ‬جديدة‭ ‬للمجتمع،‭ ‬والدفاع‭ ‬عمّا‭ ‬هو‭ ‬أصيلٌ‭ ‬ونقيّ‭ ‬فيه‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬الأدب،‭ ‬وتقديم‭ ‬التسهيلات‭ ‬للأديب‭ ‬ليكون‭ ‬رائدًا،‭ ‬ففي‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬تسهم‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الأديب،‭ ‬ونشر‭ ‬أدبه‭ ‬‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬مستحقًّا‭ ‬‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬الهدف‭ ‬الاقتصاديّ‭ ‬لدور‭ ‬النشر‭ ‬وهو‭ ‬حقّها‭ ‬المشروع،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للمؤسّسات‭ ‬الثقافيّة‭ ‬أن‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الأدب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الندوات‭ ‬النقديّة،‭ ‬واللقاءات‭ ‬المباشرة‭ ‬مع‭ ‬الأدباء،‭ ‬وفرز‭ ‬الغثّ‭ ‬من‭ ‬السمين‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يطفو‭ ‬الأدب‭ ‬الهابط‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأدب‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬العبء‭ ‬الاجتماعيّ‭ ‬والفنّي؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الرواية‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬إطارٍ‭ ‬فنّي‭ ‬له‭ ‬قيمته،‭ ‬فلا‭ ‬تكون‭ ‬مجرّد‭ ‬مواعظ‭ ‬وإرشادات،‭ ‬فعلى‭ ‬الروائيّ‭ ‬أن‭ ‬يطوّر‭ ‬أدواته،‭ ‬ويدرك‭ ‬أهميّة‭ ‬عناصر‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬سردٍ‭ ‬وحوارٍ،‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬الشخصيّات‭ ‬في‭ ‬إطارها‭ ‬الزمكاني،‭ ‬ومستوياتها‭ ‬الثقافيّة‭ ‬والاجتماعيّة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إقناع‭ ‬القارئ‭ ‬بواقعيّة‭ ‬الأحداث،‭ ‬أو‭ ‬احتمال‭ ‬واقعيّتها،‭ ‬واستشراف‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤول‭ ‬إليه‭ ‬أحوال‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬صيرورتها‭ ‬الحياتيّة‭.‬

أخيرًا‭: ‬هذه‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تحتمل‭ ‬الخطأ‭ ‬أو‭ ‬الصواب،‭ ‬وهي‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬آراء‭ ‬النقّاد‭ ‬والكتّاب‭ ‬والقرّاء‭ ‬لتكوين‭ ‬أساسٍ‭ ‬متينٍ‭ ‬يجعل‭ ‬للأدب‭ ‬والرواية‭ ‬دورًا‭ ‬نشِطًا‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تسارع‭ ‬تطوّر‭ ‬العلوم‭ ‬المادّية،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬نفقد‭ ‬الرّوح،‭ ‬ونتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬ريبوتات‭ ‬تتحرّك‭ ‬بأجهزة‭ ‬تحكّمٍ‭ ‬عن‭ ‬بعد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news