العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الضريبة الخليجية وثقافة المستهلك

كنت‭ ‬قد‭ ‬سألت‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الخليجيين‭ ‬عن‭ ‬تأثير‭ ‬زيادة‭ ‬الضريبة‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الشراء‭ ‬لديهم،‭ ‬ومدى‭ ‬تغير‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬عندهم،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬هناك‭ ‬تطبق‭ ‬نظام‭ ‬الضريبة‭ ‬بقيمة‭ ‬15%‭..‬؟؟

لكني‭ ‬فوجئت‭ ‬حينما‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬الجواب‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬لدى‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬قيمة‭ ‬ونسبة‭ ‬الضريبة‭..!! ‬عندها‭ ‬أيقنت‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬الخليجية‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الوقت‭.‬

ولطالما‭ ‬تناقلنا‭ ‬صورا‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الأثرياء‭ ‬الأجانب‭ ‬‮«‬أكلهم‭ ‬ولبسهم‭ ‬ومكان‭ ‬تسوقهم‮»‬‭ ‬مقارنة‭ ‬بصورة‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬العادي‭ ‬في‭ ‬‮«‬أكله‭ ‬ولبسه‭ ‬ومكان‭ ‬تسوقه‮»‬،‭ ‬وكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬أن‭ ‬الأثرياء‭ ‬هناك‭ ‬لا‭ ‬يعينهم‭ ‬سعر‭ ‬الأكل‭ ‬واللبس‭ ‬والتسوق،‭ ‬بقدر‭ ‬اهتمامهم‭ ‬بنوع‭ ‬الأكل‭ ‬واللباس‭ ‬والسوق،‭ ‬ولربما‭ ‬كان‭ ‬صرف‭ ‬الأثرياء‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬يصرفه‭ ‬غيرهم،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬يدخر‭ ‬الأثرياء‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يدخره‭ ‬غيرهم‭.‬

في‭ ‬يوليو‭ ‬2014‭ ‬ذكرت‭ ‬إحصائية‭ ‬للبنك‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬26‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬ولذلك‭ ‬أسباب‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭ ‬حرص‭ ‬الحكومة‭ ‬الموقرة‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بالاستمرار‭ ‬في‭ ‬الإعفاءات‭ ‬للسلع‭ ‬الأساسية‭ ‬والقطاعات‭ ‬الأساسية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬بجانب‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬الضمان‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يساعد‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الرقابة‭ ‬المستمرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬والسلع‭ ‬والبضائع‭.‬

بالأمس‭ ‬القريب‭ ‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬الزميل‭ ‬‮«‬عبداللطيف‭ ‬الضويحي‮»‬‭ ‬من‭ ‬السعودية،‭ ‬حيث‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬غايات‭ ‬وأهداف‭ ‬فرض‭ ‬الضريبة‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬بجانب‭ ‬زيادة‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة،‭ ‬هو‭ ‬هدف‭ ‬سلوكي،‭ ‬يتعلق‭ ‬بالثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬لدى‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬

فلا‭ ‬تزال‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬الخليجيين،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬للسلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬يواصلون‭ ‬في‭ ‬الممارسات‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬أمور‭ ‬بنفس‭ ‬الحجم‭ ‬والكمية‭ ‬بذات‭ ‬السلوك‭ ‬قبل‭ ‬فرض‭ ‬الضريبة،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط‭ ‬المسبق‭ ‬والمتقن‭ ‬قبل‭ ‬الدخول‭ ‬للأسواق‭ ‬والمجمعات‭ ‬والمراكز‭ ‬الكبرى‭.‬

يؤكد‭ ‬الزميل‭ ‬‮«‬الضويحي‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الضريبة‭ ‬وبالتخطيط‭ ‬الجيد،‭ ‬هو‭ ‬إحلال‭ ‬ثقافة‭ ‬الإنتاج‭ ‬محل‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬دراسة‭ ‬وحملة‭ ‬وتخطيطاً‭ ‬كذلك،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬وإيماناً‭ ‬عميقاً‭ ‬بأن‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬هي‭ ‬آفة‭ ‬الثقافة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وأنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬الإنسان‭ ‬هنا‭ ‬ثقته‭ ‬بقدراته‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتحرر‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬أو‭ ‬أغلبها،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تطوير‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬دولنا‭ ‬الخليجية،‭ ‬بالاعتماد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إهمال‭ ‬ثقافة‭ ‬الإنتاجية‭.‬

ولا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬لثقافة‭ ‬إنتاجية،‭ ‬عمادها‭ ‬اليقين‭ ‬بأن‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬أهم‭ ‬وأبقى‭ ‬وأمضى‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والموارد‭ ‬المالية،‭ ‬وأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الريعي‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬أمده،‭ ‬ومهما‭ ‬اتسع‭ ‬نطاقه،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنع‭ ‬إنساناً‭ ‬منافساً،‭ ‬ولا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬اقتصاداً‭ ‬متيناً،‭ ‬ولا‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يؤسس‭ ‬لتنمية‭ ‬شاملة‭ ‬ومتجذرة‭.‬

عموما‭.. ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬وتطوير‭ ‬وتشذيب‭ ‬سلوكيات‭ ‬الشراء،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬صعبة‭ ‬المنال‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬القصيرة،‭ ‬ولكنها‭ ‬ثقافة‭ ‬مجتمعية‭ ‬تستوجب‭ ‬الالتزام،‭ ‬وستفرض‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬بعد‭ ‬فترة،‭ ‬وهي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نعززها‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا‭ ‬الخليجية‭ ‬بكل‭ ‬الطرق‭ ‬والوسائل‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news