العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

«قصص جدحفصية» اختزال لصورة المجتمع البحريني

كتب: محمد أبو حسن

السبت ٢٢ يناير ٢٠٢٢ - 02:00

‮«‬قصص‭ ‬جدحفصية‮»‬‭ ‬للزميل‭ ‬العزيز‭ ‬الكاتب‭ ‬والمترجم‭ ‬القاص‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله‭ ‬والصادرة‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬نينوى‭ ‬للدراسات‭ ‬والنشر‭ ‬والتوزيع،‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬122‭ ‬صفحة‭ ‬بعدد‭ ‬36‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة،‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭ ‬التي‭ ‬تشرفت‭ ‬بإهدائها‭ ‬وقراءتي‭ ‬لها،‭ ‬حيث‭ ‬تجلت‭ ‬أمامي‭ ‬معانيها‭ ‬بوضوح‭ ‬نابغ‭ ‬الرقي‭ ‬والمضمون‭ ‬السردي‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬محاور‭ ‬وصور‭ ‬ترجمت‭ ‬لنا‭ ‬تلك‭ ‬المفاهيم‭ ‬لواقع‭ ‬المجتمع‭ ‬الجدحفصي‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليه‭ ‬كاتبنا‭ ‬منذ‭ ‬نشأته‭ ‬وتعايشه‭ ‬بين‭ ‬أفرادها،‭ ‬ولذلك‭ ‬جسدت‭ ‬تلك‭ ‬القصص‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬أبعادها‭ ‬الموضوعية‭ ‬والفنية،‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاش‭ ‬في‭ ‬نكهته‭ ‬للماضي‭ ‬البعيد‭ ‬والحاضر‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬لونها‭ ‬وخيالها‭ ‬البعيد‭ ‬المتفرد‭ ‬في‭ ‬شكله‭ ‬ونوعه،‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الجدحفصي‭ ‬القروي‭ ‬المتواضع‭ ‬في‭ ‬تركيبته‭ ‬وبنائه‭ ‬وتلك‭ ‬الطرق‭ ‬الضيقة‭ ‬وبعض‭ ‬من‭ ‬الشوارع‭ ‬الواسعة‭ ‬المعبدة‭ ‬حديثا‭ ‬والأسواق‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬أشار‭ ‬إليها‭ ‬كاتبنا‭ ‬الأستاذ‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله‭. ‬ليصور‭ ‬لنا‭ ‬حقيقة‭ ‬المعنى‭ ‬بمفهوم‭ ‬قصصي‭ ‬وفني‭ ‬سردي‭ ‬لتلك‭ ‬الحكايات‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬فيها‭ ‬الكاتب‭ ‬قصصه‭ ‬الإنسانية‭,‬‭ ‬حيث‭ ‬كشف‭ ‬عبر‭ ‬تجليات‭ ‬الأحداث‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬بصمة‭ ‬هذا‭ ‬الكاتب‭ ‬التي‭ ‬نعرفها‭ ‬في‭ ‬إصداراته‭ ‬السابقة‭.‬

بنية‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭: ‬

فحين‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬الأحداث‭ ‬والصراع‭ ‬الدائر،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬نلاحظ‭ ‬أنها‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭ ‬بين‭ ‬قصة‭ ‬وأخرى‭ ‬في‭ ‬صورها‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬القاص‭ ‬في‭ ‬تركيزه‭ ‬واختياره‭ ‬للمواضيع‭ ‬المتمثلة‭ ‬في‭ ‬زمانها‭ ‬ومكانها‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬وأيضا‭ ‬توظيف‭ ‬شخوصها‭ ‬المختلفة،‭ ‬نجد‭ ‬‮«‬تكنيك‮»‬‭ ‬الذكريات‭ ‬المختزنة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الكاتب،‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مواقف‭ ‬سريعة،‭ ‬يلتقطها‭ ‬الحس‭ ‬الإنساني‭ ‬الرهيف‭ ‬لكاتبنا‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬المجموعة‭ ‬في‭ ‬نهجها‭ ‬الأدبي‭ ‬المشوق‭ ‬واقعاً،‭ ‬ذلك‭ ‬البعد‭ ‬المختلف‭ ‬تماماً‭ ‬حين‭ ‬ينقلك‭ ‬من‭ ‬حدث‭ ‬لآخر‭ ‬ليبرز‭ ‬لك‭ ‬أهمية‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬لون‭ ‬آخر‭ ‬وثيمة‭ ‬أخرى‭ ‬تجسد‭ ‬لك‭ ‬معالم‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬الحدث‭ ‬ضمن‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬الشخوص‭. ‬حينما‭ ‬قرر‭ ‬القاص‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله‭ ‬في‭ ‬تسميته‭ ‬للمجموعة‭ ‬‮«‬القصصية‮»‬‭ ‬كان‭ ‬واثقا‭ ‬من‭ ‬طرحه‭ ‬لعمق‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬أراد‭ ‬منه‭ ‬إبراز‭ ‬الملامح‭ ‬الاستثنائية‭ ‬للأحداث‭ ‬والصراع‭ ‬المجتمعي،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬أدبي‭ ‬يبرز‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬لحضارة‭ ‬وثقافة‭ ‬قريته‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬كتابه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الغرض‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬الآن‭ ‬له‭ ‬هدف‭ ‬مزدوج،‭ ‬فهو‭ ‬أولا‭ ‬للتوثيق‭ ‬الأدبي‭ ‬لتلك‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬مضى‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭ ‬وصارت‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬جدحفص‭ ‬وتاريخها،‭ ‬وثانيا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬تحية‭ ‬حب‭ ‬وعرفان‭ ‬لبلدتي‭ ‬الحبيبة‭ ‬التي‭ ‬يحلو‭ ‬لأبنائها‭ ‬أن‭ ‬يطلقوا‭ ‬عليها‭ ‬مدينة‭ ‬جدحفص‭ ‬تميزا‭ ‬لها‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬مناطق‭ ‬البحرين‭.‬

وبذلك‭ ‬لو‭ ‬عدنا‭ ‬لمضامين‭ ‬تلك‭ ‬القصص،‭ ‬نراها‭ ‬نابغة‭ ‬من‭ ‬وهج‭ ‬وعمق‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬الكاتب‭ ‬من‭ ‬مضمون‭ ‬في‭ ‬لغته‭ ‬السردية‭ ‬وكيف‭ ‬تفاعل‭ ‬بتلك‭ ‬البيئة‭ ‬المجتمعية‭ ‬وهو‭ ‬يعيش‭ ‬حكاياتها‭ ‬ومواقفها‭ ‬مع‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان‭ ‬تحديدا‭ ‬برؤية‭ ‬بعيدة‭ ‬ومضمون‭ ‬أدبي‭ ‬تعددت‭ ‬فيه‭ ‬الحكايات‭ ‬والصراعات‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها،‭ ‬كاشفا‭ ‬لنا‭ ‬ماهية‭ ‬الحياة‭ ‬وهي‭ ‬تتجاوز‭ ‬المفهوم‭ ‬الوردي‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬فيخدعنا‭ ‬أحياناً‭ ‬بين‭ ‬وقتٍ‭ ‬وآخر‭.‬

ولو‭ ‬تعّمقنا‭ ‬في‭ ‬غمار‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬قراءتنا‭ ‬لها‭ ‬نجد‭ ‬فيها‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬الحاج‭ ‬حسن‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬معاناته‭ ‬وقصته‭ ‬مع‭ ‬الدكان‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فقده‭ ‬لولده‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬عمره‭ ‬والصراع‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬طيلة‭ ‬حياته،‭ ‬حتى‭ ‬عوضه‭ ‬الله‭ ‬بولد‭ ‬آخر‭ ‬يفرح‭ ‬قلبه‭ ‬ويسعده‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬المحنة‭ ‬القاسية‭. ‬ترى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الجدحفصي‭ ‬القوي‭ ‬الصابر‭ ‬على‭ ‬محنته‭ ‬وقضاء‭ ‬الله‭ ‬وقدره‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقوله‭ ‬لنا‭ ‬القاص‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬القصصي‭ ‬الذي‭ ‬يعالج‭ ‬ثيمة‭ ‬الموت‭ ‬والفقد،‭ ‬تتوالى‭ ‬تلك‭ ‬القصص‭ ‬في‭ ‬سردها‭ ‬لنقف‭ ‬هنا‭ ‬عند‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬أيضاً‭ ‬وهي‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬رسالة‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬تعالج‭ ‬قصة‭ ‬صديقين‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬حنا‭ ‬لبعضهما‭ ‬ليعودا‭ ‬فيلتقيان‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬السنين‭ ‬فيتذكران‭ ‬تلك‭ ‬الصحبة‭ ‬في‭ ‬ماضيهما‭ ‬وحنينهما‭ ‬لتلك‭ ‬الأيام،‭ ‬فجسدت‭ ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬كل‭ ‬معاني‭ ‬الصداقة‭ ‬والألفة‭ ‬بينهما‭ ‬حين‭ ‬كانا‭ ‬قريبين‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬أيام‭ ‬الصبا‭ ‬ولعبهما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحي،‭ ‬فكان‭ ‬لعتابهما‭ ‬وقع‭ ‬ومعنى‭ ‬لما‭ ‬أرادا‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬بمفاهيم‭ ‬راقية‭ ‬جسدها‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬محتواه‭ ‬السردي‭ ‬الذي‭ ‬ذهب‭ ‬إليه‭ ‬كاتبنا‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله،‭ ‬ليؤكد‭ ‬حميمية‭ ‬العلاقة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تنتصر‭ ‬على‭ ‬مادية‭ ‬الزمن،

كاتبنا‭ ‬يختتم‭ ‬المجموعة‭ ‬بقصة‭ ‬‮«‬البطل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬نقلا‭ ‬مباشرا‭ ‬لحدثٍ‭ ‬حيث‭ ‬صور‭ ‬لنا‭ ‬الكاتب‭ ‬ذلك‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬ذروته‭ ‬من‭ ‬بداية‭ ‬القصة‭ ‬وحتى‭ ‬نهايتها‭ ‬لذلك‭ ‬الجدال‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬المشجعين‭ ‬ففقدت‭ ‬القصة‭ ‬تأثيرها‭ ‬السردي‭ ‬عند‭ ‬القارئ،‭ ‬ولكن‭ ‬تبقى‭ ‬معالم‭ ‬ومنهجية‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬تراثا‭ ‬جميلا‭ ‬لواقع‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬بحلوها‭ ‬ومرها‭ ‬وشعبيتها‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬أبطال‭ ‬القصص‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬سردي‭ ‬جميل‭ ‬ورائع‭. ‬

الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬الصديق‭ ‬القاص‭ ‬والمترجم‭ ‬مهدي‭ ‬عبدالله‭ ‬أصدر‭ ‬وترجم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المؤلفات‭ ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المواضيع‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭.. ‬نكهة‭ ‬الماضي،‭ ‬قصص‭ ‬قصيرة،‭ ‬قصص‭ ‬مختارة‭ ‬من‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي‭ ‬‭ ‬مترجمة،‭ ‬قصص‭ ‬هاربة،‭ ‬وجوه‭ ‬من‭ ‬القرية،‭ ‬قصص‭ ‬ظامئة‭. ‬وله‭ ‬إصدارات‭ ‬أخرى‭.. ‬لكن‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬‮«‬قصص‭ ‬جدحفصية‮»‬‭ ‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬أحداثها‭ ‬والتحمت‭ ‬بتفاصيل‭ ‬مجتمع‭ ‬بحريني،‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الوطن،‭ ‬فكانت‭ ‬تشكل‭ ‬لنا‭ ‬لوحة‭ ‬سردية‭ ‬غنية‭ ‬بالمشاعر‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬هاجس‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬أيمن‮»‬‭ ‬في‭ ‬عموم‭ ‬خطابه‭ ‬السردي،‭ ‬كواحد‭ ‬من‭ ‬أدباء‭ ‬البحرين‭ ‬المرموقين‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news