العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

نبض: مع الثقافة نشعر بأننا نعيش!

بقلم: علي الستراوي

السبت ٢٢ يناير ٢٠٢٢ - 02:00

‭(‬مدركٌ‭ ‬يا‭ ‬سادة‭..‬

إن‭ ‬بين‭ ‬الأسود‭ ‬والأبيض‭ ‬حرفا

يكتبنا‭ ‬أيها‭ ‬المارد‭ ‬في‭ ‬تقويم‭ ‬اللغة‭ ‬

ويتركنا‭ ‬فعلاً‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬محطات‭ ‬الأرض‭..‬

عازفاً‭ ‬فوق‭ ‬تراب‭ ‬الهدهد،‭ ‬رقصة‭ ‬بلقيس

وحكمة‭ ‬سليمان‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬النمل‭)‬

تلعب‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭ ‬دورا‭ ‬رئيسيا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬المجتمع‭ ‬وبنائه‭,‬‭ ‬حيث‭ ‬تعد‭ ‬الثقافة‭ ‬العامل‭ ‬المؤثر‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭.‬

فالثقافة‭ ‬تمنحنا‭ ‬الإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬الذي‭ ‬نتفاعل‭ ‬فيه‭ ‬كأفراد‭ ‬ومجتمعات‭ ‬وتقودنا‭ ‬نحو‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬يجمعنا‭ ‬برباط،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬اللغة‭ ‬الواحدة‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الوطن‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أشمل‭ ‬في‭ ‬اعتقادي‭ ‬من‭ ‬اللغة،‭ ‬لأنه‭ ‬يوحدنا‭ ‬تحت‭ ‬تربة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬فوارق‭ ‬اللون‭ ‬أو‭ ‬الاختلافات‭ ‬الأخرى‭.‬

فحينما‭ ‬نتأثر‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬ثقافي‭ ‬جامع‭ ‬قادنا‭ ‬إلى‭ ‬التأثر،‭ ‬بل‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الوعي‭ ‬تكون‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تجمعنا‭ ‬قوامها‭ (‬الثقافة‭) ‬لكون‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬الرباط‭ ‬الذي‭ ‬يشدنا‭ ‬ببعض‭ ‬نحو‭ ‬جذر‭ ‬صلب‭ ‬متمسك‭ ‬بالتربة‭ ‬نعيدُ‭ ‬عبره‭ ‬تقويمنا‭ ‬وفعلنا‭ ‬النشط‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬علاقاتنا‭ ‬بالآخر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬لغتنا‭ ‬أو‭ ‬تربتنا‭ ‬لكنه‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬إنسانيتنا‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬قد‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬الشمول‭ ‬الذي‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬اختلافاتنا‭ ‬أو‭ ‬خلافاتنا‭ ‬الاجتماعية‭.‬

فالثقافة‭ ‬من‭ ‬منظوري‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تعانق‭ ‬فينا‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اختلافات‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نعرفه‭ ‬في‭ ‬البعد‭ ‬المنفصل‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬هو‭ ‬أصدق‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬ضمن‭ ‬مفهوم‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬القيمة‭ ‬والعمل‭. ‬

فالشمولية‭ ‬التي‭ ‬تتصف‭ ‬بها‭ ‬الثقافة‭ ‬هي‭ ‬شمولية‭ ‬فاعلة‭ ‬في‭ ‬الحس‭ ‬الإنساني‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬تحتويه‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬تربوية،‭ ‬أدبية،‭ ‬ذات‭ ‬فلسفة‭ ‬تكوينية‭ ‬عالية‭ ‬المفهوم‭ ‬والتطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬عبرها‭ ‬ينطلق‭ ‬الجدل‭ ‬فاعلا‭ ‬في‭ ‬بلاغته‭ ‬في‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬متجاوزا‭ ‬الحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬للأوطان‭.‬

‭ ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭ ‬الفطري‭ ‬يتصل‭ ‬الإنسان‭ ‬بأخيه‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬قاعدة‭ ‬ثابتة‭ ‬يكون‭ ‬عبرها‭ ‬التاريخ‭ ‬متصلا‭ ‬بالحياة‭ ‬عملا‭ ‬ودراسة‭.‬

فلا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الثقافة‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭,‬‭ ‬لكونهما‭ ‬في‭ ‬ميزان‭ ‬واحد‭ ‬وإن‭ ‬تعددت‭ ‬مشارب‭ ‬أهداف‭ ‬الإنسان‭ ‬الثقافية،‭ ‬فلا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬لوحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإبحار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوعي‭ ‬الشامل‭ ‬المتصل‭ ‬أولاً‭ ‬بالمفهوم‭ ‬العام‭ ‬لمعنى‭ (‬الثقافة‭ ‬كمبدأ‭) ‬وبالأدب‭ ‬كنوع‭ ‬متفرد‭ ‬من‭ ‬مادة‭ ‬الثقافة‭ ‬لكونه‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحيد‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬ولا‭ ‬يغامر‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يفسد‭ ‬الأدب،‭ ‬ضمن‭ ‬الشمولية‭ ‬التي‭ ‬يُعرف‭ ‬بها‭ ‬المثقف‭.‬

فالمتعارف‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬علماء‭ ‬الثقافة‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الثقافة‭ ‬تعد‭ ‬مفهوماً‭ ‬مركزياً‭ ‬في‭ ‬الأنثروبولوجيا،‭ ‬يشمل‭ ‬نطاق‭ ‬الظواهر‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬البشرية‮»‬‭.‬

كل‭ ‬هذا‭ ‬يقودنا‭ ‬نحو‭ ‬سلوكنا‭ ‬الإنساني‭ ‬ضمن‭ ‬مفهوم‭ ‬واحد‭ ‬يربطنا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬عادات‭ ‬بشرية‭ ‬لكنها‭ ‬عادات‭ ‬ذات‭ ‬رسائل‭ ‬عدة‭ ‬في‭ ‬معناها‭,‬‭ ‬فالإحساس‭ ‬بالكتابة‭ ‬وبالعزف‭ ‬والغناء‭ ‬والإنشاد‭ ‬والرسم‭ ‬والتمثيل‭ ‬والمنطق‭ ‬والفلسفة‭ ‬والخطابة‭ ‬والشعر‭ ‬والموسيقى‭ ‬والنحو‭ ‬والكتابة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬مكونات‭ ‬دافعها‭ ‬الأول‭ ‬ثقافي‭ ‬شمولي‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬فرد،‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬يتبعها‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬انتمائه‭ ‬إلى‭ ‬الكل‭ (‬المجتمع‭).‬

حاجات‭ ‬ملحة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬نريد‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تبعدنا‭ ‬عن‭ ‬الضجيج‭ ‬الذي‭ ‬يقتل‭ ‬فينا‭ ‬أحاسيسنا‭ ‬ويفرقنا‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬بمعنى‭ ‬الحياة‭ ‬والأدب‭ ‬المتصل‭ ‬بنبض‭ ‬القلب‭ ‬الفاعل‭ ‬ضمن‭ ‬محيط‭ ‬محبيه‭ ‬وضمن‭ ‬ملكة‭ ‬قد‭ ‬يتملكها‭ ‬الأفراد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إرهاصات‭ ‬واقع‭ ‬اجتماعي‭ ‬غير‭ ‬ثابت‭ ‬الحراك‭.‬

ومهما‭ ‬اختلفت‭ ‬الثقافة‭ ‬مع‭ ‬شمولية‭ ‬مفهوم‭ ‬الأدب‭ ‬الخلاق‭,‬‭ ‬فلن‭ ‬يقودنا‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬نحو‭ ‬ذبح‭ ‬بعضنا‭ ‬أو‭ ‬انفصال‭ ‬سرتنا‭ ‬عن‭ ‬المشيمة‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬التقاء‭ ‬صرخة‭ ‬طفولتنا‭ ‬بالحياة‭.‬

فالانفصال‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬بمعنى‭ ‬الذهاب‭ ‬نحو‭ ‬الفتك،‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يعادي‭ ‬الثقافة‭ ‬أي‭ (‬الموت‭ ‬ضد‭ ‬الحياة‭) ‬يعارض‭ ‬فطرتنا‭ ‬التي‭ ‬فطرنا‭ ‬عليها‭ ‬ضمن‭ ‬بياض‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬للسواد‭ ‬معنى‭. ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬نشعر‭ ‬بالإحساس‭ ‬وبمسؤولية‭ ‬بعضنا‭ ‬وحاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬الحب‭ ‬والحياة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مزامير‭ ‬أو‭ ‬طبول‭ ‬الاختلافات‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬الفرقة‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أساس‭ ‬مكوناتها‭ ‬السياسة‭ ‬القاتلة‭ ‬للجمال‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬متجذر‭ ‬في‭ ‬بصيرة‭ ‬الأدب‭ ‬كفعل‭ ‬جميل‭ ‬وحنون‭ ‬ودون‭ ‬العمل‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬عالمنا‭ ‬المكتظ‭ ‬بالصراعات‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬جذر‭ ‬الثقافة،‭ ‬مفسدة‭ ‬ستضيع‭ ‬بأكثرنا‭ ‬وتتركنا‭ ‬للشتات‭.‬

فالأدب‭ ‬هو‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬الثقافة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬وفي‭ ‬مدائن‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬سوى‭ ‬الحب‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬نريد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويعيّشنا‭ ‬في‭ ‬سلام‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإنسان‭ ‬ضمن‭ ‬خلية‭ ‬الإبداع‭ ‬والتطور‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬مشارب‭ ‬الثقافة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬النماء‭ ‬وتطور‭ ‬الآخر‭.‬

a‭.‬astrawi@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news