العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

سـرديـات: «الكـينــونــة والـزمـان» لـمـارتن هـيـدغر وعــالــمـيّـة الــعــالـم!

بقلم: د. ضياء الكعبي

الأحد ١٦ يناير ٢٠٢٢ - 10:25

مارتن‭ ‬هيدغر‭ ‬فيلسوف‭ ‬ألماني‭ ‬ظاهراتي‭ (‬1889‭_‬1976‭) ‬يًعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬فلاسفة‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬المؤثِّرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أطروحاته‭ ‬الفلسفيّة،‭ ‬وخاصة‭ ‬أسئلته‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬زمانية‭ ‬الكائن‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بعامة،‭ ‬وماهية‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني،‭ ‬وتاريخ‭ ‬الحقيقة‭ ‬الذي‭ ‬يستند‭ ‬إليه،‭ ‬وهشاشة‭ ‬تصوّراتنا‭ ‬عن‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وأزمة‭ ‬حداثة‭ ‬التنوير‭ ‬وغيرها‭. ‬ويّعد‭ ‬كتاب‭ ‬هيدغر‭ ‬‮«‬الكينونة‭ ‬والزمان‮»‬،‭ ‬1927‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الكتب‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬المعاصر‭ ‬في‭ ‬أطروحاته‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬المبتكرة،‭ ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬السجال‭ ‬المشتعل‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬لدى‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬الفلاسفة‭ ‬من‭ ‬سارتر‭ ‬إلى‭ ‬جاك‭ ‬دريدا،‭ ‬ومن‭ ‬أدورنو‭ ‬إلى‭ ‬هابرماس‭. ‬الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬تُرجِمَ‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬لغة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭ ‬على‭ ‬موت‭ ‬هيدغر‭ ‬فإنَّ‭ ‬سؤاله‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الكينونة‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يُطرح‭ ‬ويُتداول‭ ‬فلسفيًا‭!‬

لقد‭ ‬كوَّن‭ ‬هيدغر‭ ‬نسقًا‭ ‬فلسفيًا‭ ‬مترابطًا‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬وفي‭ ‬الحياة‭ ‬والموت‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الكينونة‭ ‬والزمان‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سعيه‭ ‬لابتكار‭ ‬نظرية‭ ‬متكاملة‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الكينونة‮»‬‭ ‬ووصف‭ ‬مادتها‭ ‬الأولية‭ ‬وهي‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬أسماه‭ ‬هيدغر‭ (‬بالدازاين‭). ‬ويرى‭ ‬هيدغر‭ ‬أنَّ‭ ‬كينونتنا‭ ‬هي‭ ‬مشروع‭ ‬كينونة‭ ‬فقط؛‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أنّ‭ ‬الإنسان‭ ‬هو‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬عليه‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭ ‬يوجد،‭ ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬إمكاناته‭ ‬وفي‭ ‬توتر‭ ‬مستمر‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭.‬

‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1955‭ ‬ألقى‭ ‬هيدغر‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬النورماندي‭ ‬الفرنسية‭ ‬محاضرة‭ ‬شهيرة‭ ‬عنوانها‭ (‬ما‭ ‬الفلسفة؟‭)‬،‭ ‬أعلن‭ ‬فيها‭ ‬أنَّ‭ ‬الفلسفة‭ ‬ليست‭ ‬مستودعًا‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬النظرية،‭ ‬بل‭ ‬مسرى‭ ‬من‭ ‬التطلب‭ ‬الوجودي‭ ‬يستنهض‭ ‬الكائن‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬وعيه‭ ‬حتى‭ ‬يستجيب‭ ‬لنداء‭ ‬الحقيقة؛‭ ‬أيّ‭ ‬لاستدعاء‭ ‬الكينونة‭. ‬وليست‭ ‬الفلسفة‭ ‬علمًا‭ ‬كسائر‭ ‬العلوم،‭ ‬ولا‭ ‬رؤية‭ ‬متسقة‭ ‬للعالم‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الحكم‭ ‬القطعي،‭ ‬ولا‭ ‬أساسًا‭ ‬نظريًا‭ ‬للمعارف‭ ‬العقلية،‭ ‬ولا‭ ‬معرفة‭ ‬مطلقة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬اختبارًا‭ ‬من‭ ‬اختبارات‭ ‬القلق‭ ‬الوجودي‭ ‬الذي‭ ‬يعتصر‭ ‬فؤاد‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭. ‬إنَّ‭ ‬جوهر‭ ‬الفلسفة‭ ‬الحقيقي‭ ‬عند‭ ‬هيدغر‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬الكائن‭ ‬إلى‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وتأملها؛‭ ‬لذلك‭ ‬يدعو‭ ‬هيدغر‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬اختيار‭ ‬الطريق‭ ‬الصحيح،‭ ‬فإما‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬محنة‭ ‬الموضوعية‭ ‬المتصلبة‭ ‬التي‭ ‬تخنق‭ ‬الكائنات‭ ‬في‭ ‬تقنية‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاتجار،‭ ‬وإمّا‭ ‬المغامرة‭ ‬في‭ ‬الانتقال،‭ ‬انتقال‭ ‬القفز‭ ‬الجريء‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الحياة‭ ‬إذ‭ ‬يعاين‭ ‬الناس‭ ‬حقيقة‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬تناغم‭ ‬عناصر‭ ‬الكون‭ ‬كلّه‭.‬

إنَّ‭ ‬ثمَّة‭ ‬حاجة‭ ‬تأسيسيّة‭ ‬لربط‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحات‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬عن‭ ‬الفلسفة‭ ‬الكونيّة‭ ‬بخطاباتها‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عنها‭ ‬وبمرجعياتها‭ ‬الأصلية‭ ‬منذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬اليونانية‭ ‬إلى‭ ‬الفلسفات‭ ‬المعاصرة‭ ‬الغربية‭ ‬لاختزال‭ ‬أهم‭ ‬منطلقاتها‭ ‬وأفكارها،‭ ‬وتقديمها‭ ‬إلى‭ ‬المتلقي‭ ‬مع‭ ‬رفدها‭ ‬بقائمة‭ ‬مصادر‭ ‬ومراجع‭ ‬يستطيع‭ ‬الرجوع‭ ‬إليها‭. ‬لقد‭ ‬وجدتُ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأدلة‭ ‬والكتب‭ ‬الاختزالية‭ ‬الفلسفية‭ ‬بلغات‭ ‬أجنبية‭ ‬متعددة،‭ ‬وقد‭ ‬تُرجم‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العربيّة‭ ‬لكننا‭ ‬بحاجة‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأدلة‭ ‬الفلسفيّة‭ ‬الاختزالية‭ ‬الشارحة‭ ‬لأبرز‭ ‬مصادر‭ ‬الفكر‭ ‬الفلسفيّ‭ ‬العربيّ‭ ‬الإسلاميّ‭ ‬مع‭ ‬قوائم‭ ‬بالمصادر‭ ‬التأسيسّية‭ ‬لتشجيع‭ ‬المتلقي‭ ‬أيًّا‭ ‬كانت‭ ‬ثقافته‭ ‬على‭ ‬القراءة‭ ‬الناظمة‭ ‬المتعمِّقة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news