العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

الثقافي

قصة قصيرة التنين سارق الأحلام

كتب جعفر يعقوب

الأحد ١٦ يناير ٢٠٢٢ - 10:25

كان‭ ‬غسق‭ ‬الليل‭ ‬مطرزا‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬النجوم‭ ‬المتلألئة‭.‬

في‭ ‬حقل‭ ‬الحيوانات‭ ‬يسود‭ ‬هدوء‭ ‬قلق‭.‬

وعقارب‭ ‬الساعة‭ ‬تجري‭ ‬بثقلها‭ ‬إلى‭ ‬منتصف‭ ‬ليل‭ ‬فاحم‭..‬

لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬نااام‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬المتأخر،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سرت‭ ‬شائعة‭.‬

التنين‭ ‬سيتسلل‭ ‬إلى‭ ‬الحقل؛‭ ‬ليسرق‭ ‬الأحلام‭ ‬السعيدة‭.‬

بحلقت‭ ‬الخراف‭ ‬عيونها‭ ‬ذعرا،‭ ‬وتوقدت‭ ‬كجمرة‭ ‬في‭ ‬الظلام،‭ ‬برغم‭ ‬التعب‭ ‬الذي‭ ‬يدبّ‭ ‬في‭ ‬مفاصلها‭.. ‬بينما‭ ‬همست‭ ‬الدجاجة‭ ‬البيّاضة‭ ‬لرفيقاتها‭:‬

انتبهن‭ ‬للبيض،‭ ‬فالبيض‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا،‭ ‬ولا‭ ‬قيمة‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬دونه‭.‬

كأكأت‭ ‬الدجاجات‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع؛‭ ‬لتؤكدن‭ ‬يقظتهن‭.‬

ثم‭ ‬أردفت‭ ‬الدجاجة‭ ‬الصفراء‭: ‬آه‭ ..‬ليتني‭ ‬أستطيع‭ ‬أبيض‭ ‬أكثر‭! ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬الكتاكيت‭ ‬يمشين‭ ‬حولي‭! ‬بينما‭ ‬وقفت‭ ‬حمامتان‭ ‬منقطتان‭ ‬فوق‭ ‬سارية‭ ‬الحقل،‭ ‬نفشتا‭ ‬ريشهما،‭ ‬وتراقبان‭ ‬بيقظة‭ ‬وحذر‭ ‬كل‭ ‬نأمة‭ ‬وحركة‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬فناء‭ ‬الحقل‭.‬

همس‭ ‬الكلب‭ ‬لزوجته‭ ‬الحسناء‭: ‬احذري‭ ‬أن‭ ‬تغفو‭ ‬عيناك،‭ ‬فربما‭ ‬يسرقون‭ ‬جراءنا‭ ‬الصغيرة‭. ‬سيكونون‭ ‬حراس‭ ‬الحقل‭ ‬حين‭ ‬يكبرون‭.‬

رمشت‭ ‬بعينيها،‭ ‬وهي‭ ‬تضمّ‭ ‬صغارها،‭ ‬وقالت‭ ‬بصوت‭ ‬خفيض‭: ‬لا‭ ‬عليك،‭ ‬لا‭ ‬يطاوعني‭ ‬قلبي‭ ‬أنام‭ ‬والخطر‭ ‬يحدق‭ ‬بنا‭.‬

فقط‭ ‬الخنازير‭ ‬السمينة‭ ‬حينها‭ ‬غطّت‭ ‬في‭ ‬نوم‭ ‬عميق،‭ ‬وشخيرها‭ ‬يقضّ‭ ‬مضجع‭ ‬جميع‭ ‬الحيوانات‭ ‬المذعورة‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يتجرأ‭ ‬على‭ ‬إزعاجها‭ ‬وتعكير‭ ‬مزاجها،‭ ‬حتى‭ ‬حمار‭ ‬الحقل‭ ‬يتهيّب‭ ‬النهيق‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬تلك‭ ‬الخنازير‭ ‬الغليظة‭.‬

ينبس‭ ‬بعضهم‭ ‬متكتما‭: ‬الخنازير‭ ‬حيوانات‭ ‬تعيش‭ ‬بلا‭ ‬أحلام‭.‬

كانت‭ ‬معاول‭ ‬الخوف‭ ‬تصدّع‭ ‬قلوب‭ ‬الحيوانات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬مقدورها‭ ‬صنع‭ ‬شيء‭! ‬فالعدو‭ ‬الذي‭ ‬سيسرق‭ ‬أحلامهم‭ ‬سيهجم‭ ‬بغتة‭ ‬وفي‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬كالتنين‭ ‬فعلا‭ ‬أو‭ ‬كالشبح‭. ‬ردّد‭ ‬الحصان‭ ‬ذلك‭ ‬ببلادة‭.‬

صعد‭ ‬القط‭ ‬الأسود‭ ‬على‭ ‬صندوق‭ ‬خشبي،‭ ‬وقال‭: ‬أيها‭ ‬الأخوة،‭ ‬لو‭ ‬نضع‭ ‬خطة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬أحلامنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يهجم‭ ‬علينا‭ ‬سارق‭ ‬الأحلام‭!‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬أعاره‭ ‬اهتماما‭ ‬مطلقا،‭ ‬لكن‭ ‬الحمار‭ ‬ضحك،‭ ‬وتمتم‭ ‬بعد‭ ‬حين‭: ‬إنه‭ ‬تنين‭ ‬ضخم،‭ ‬ضخم،‭ ‬هل‭ ‬تفهم؟‭ ‬كيف‭ ‬نتمكن‭ ‬من‭ ‬محاربته،‭ ‬يا‭ ‬لك‭ ‬من‭ ‬قط‭ ‬غبيّ‭!‬

فكر‭ ‬الأرنب‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬بحفر‭ ‬نفق‭ ‬كبير‭ ‬تحت‭ ‬الأرض؛‭ ‬ليهرب‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬سارق‭ ‬أحلامهم‭. ‬لكن‭ ‬الحمار‭ ‬نطق‭ ‬ثانية‭ ‬ساخرا،‭ ‬وهو‭ ‬يهرش‭ ‬أذنيه‭ ‬الطويلتين‭: ‬كفى‭ ‬هراء‭ ‬أيها‭ ‬الأرنب‭ ‬العنيد،‭ ‬ستحرقنا‭ ‬نار‭ ‬التنين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نحفر‭ ‬نفقك،‭ ‬ولن‭ ‬نمسك‭ ‬أحلامنا‭ ‬للأبد‭.‬

وما‭ ‬فتئ‭ ‬الخوف‭ ‬يقرض‭ ‬قلوب‭ ‬الحيوانات‭ ‬الهشة‭ ‬بلا‭ ‬رحمة،‭ ‬وأطرافها‭ ‬ترتعش‭ ‬كلما‭ ‬أخنس‭ ‬الليل،‭ ‬والصمت‭ ‬يخيّم‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬كمقبرة‭.‬

كان‭ ‬الديك‭ ‬الرومي‭ ‬منعزلا‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬قنّ‭ ‬الدجاج‭. ‬منذ‭ ‬ماتت‭ ‬زوجته‭ ‬أصيب‭ ‬باكتئاب‭ ‬حادّ،‭! ‬فهو‭ ‬نادرا‭ ‬ما‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬حظيرة‭ ‬الطيور،

ولم‭ ‬يعد‭ ‬يتكلم‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬بتاتا،‭ ‬حتى‭ ‬يظنه‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬كالأطرش،‭ ‬برغم‭ ‬حنجرته‭ ‬الذهبية‭ ‬ومزمار‭ ‬قصبته‭ ‬الشجية،‭ ‬وما‭ ‬انكفأ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحال‭ ‬البائس‭.‬

همس‭ ‬وكأنه‭ ‬يناجي‭ ‬نفسه‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬رأى‭ ‬حيوانات‭ ‬الحقل‭ ‬في‭ ‬مغارة‭ ‬صمتهم‭ ‬وبتلك‭ ‬الحالة‭ ‬المزرية‭:‬

هل‭ ‬سيسرق‭ ‬التنين‭ ‬أحلامي‭ ‬أنا‭ ‬أيضا؟؟

قهقه‭ ‬بصوت‭ ‬عال،‭ ‬ولأول‭ ‬مرة‭ ‬تسمع‭ ‬الحيوانات‭ ‬ضحكته‭ ‬الساخرة‭ ‬تلك‭.‬

مسكين‭.. ‬الموت‭ ‬أرحم‭ ‬له‭.‬

قال‭ ‬الخروف‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬يرغو‭ ‬بعصبية‭.‬

غيّر‭ ‬الديك‭ ‬الرومي‭ ‬جلسته،‭ ‬وهزّ‭ ‬عرفه‭ ‬بطريقة‭ ‬طاووسية،‭ ‬وسأل‭ ‬نفسه‭:‬

لكن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬هل‭ ‬عندي‭ ‬حلم؟

وانفجر‭ ‬باكيا‭ ‬ودموعه‭ ‬تسح‭ ‬على‭ ‬خديه،‭ ‬وقد‭ ‬تذكّر‭ ‬زوجته‭ ‬الراحلة،‭ ‬لكنه‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬أحسّ‭ ‬براحة،‭ ‬كما‭ ‬اعتقد‭ ‬‮«‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬ينبت‭ ‬لي‭ ‬حلم،‭ ‬ولن‭ ‬أكون‭ ‬مختلفا‭ ‬عنهم،‭ ‬لو‭ ‬رحلت‭ ‬إلى‭ ‬زوجتي‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنني‭ ‬سأكون‭ ‬سعيدا،‭ ‬لا‭ ‬حلم‭ ‬يضاهي‭ ‬لقاء‭ ‬الحبيب‮»‬‭.‬

واختلط‭ ‬بكاؤه‭ ‬بضحكه‭ ‬بحال‭ ‬مثير‭ ‬للشفقة‭.‬

شرع‭ ‬الليل‭ ‬يزحف،‭ ‬والتعب‭ ‬ينال‭ ‬منهم‭.. ‬وبعد‭ ‬حين‭ ‬استسلم‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬سبات‭ ‬عميق‭.‬

وانفتحت‭ ‬بوابات‭ ‬مدائن‭ ‬أحلامهم‭ ‬على‭ ‬مصراعيها،‭ ‬رأوا‭ ‬أحلامهم‭ ‬كما‭ ‬هي،،‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬أحلامهم‭ ‬قيد‭ ‬أنملة‭.‬

كبرت‭ ‬الخراف‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والكتاكيت‭ ‬دثرها‭ ‬الريش،‭ ‬وملأ‭ ‬بيضها‭ ‬سلال‭ ‬القصب‭. ‬وفي‭ ‬ناحية‭ ‬من‭ ‬الحقل‭ ‬وقف‭ ‬ثلاثة‭ ‬حراس‭ ‬من‭ ‬الكلاب‭ ‬الفتية‭ ‬يحرسون‭ ‬حدود‭ ‬الحقل‭ ‬بشراسة‭ ‬كالذئاب‭.‬

حين‭ ‬استيقظوا‭ ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬افترشت‭ ‬وجوههم‭ ‬إشراقة‭ ‬فرح،‭ ‬وراحوا‭ ‬يتاهمسون‭ ‬بأن‭ ‬أحلامهم‭ ‬لم‭ ‬تسرق،‭ ‬والتنين‭ ‬الكبير‭ ‬لم‭ ‬يأتِ؛‭ ‬ليسرق‭ ‬أحلامهم‭.‬

لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يجدوا‭ ‬الأرنب‭ ‬الأبيض،‭ ‬لقد‭ ‬حفر‭ ‬نفقا‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬ولاذ‭ ‬بالفرار‭ ‬من‭ ‬الحقل؛‭ ‬ليعانق‭ ‬حلمه‭ ‬بالحرية‭ ‬في‭ ‬البراري‭ ‬الواسعة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬حائط‭ ‬حظيرة‭ ‬الطيور‭:‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يستطيع‭ ‬سرقة‭ ‬أحلامكم،‭ ‬إذا‭ ‬تحررتم‭ ‬من‭ ‬سجنكم‭ ‬الداخلي،‭ ‬فالأغبياء‭ ‬فقط‭ ‬يصدقون‭ ‬بأن‭ ‬الأحلام‭ ‬تسرق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news