العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣١ - الاثنين ٢٣ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢٢ شوّال ١٤٤٣هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ما أروع التعامل مع الناس

أن‭ ‬تمارس‭ ‬الصحافة‭ ‬كمهنة‭ ‬تعيش‭ ‬من‭ ‬عائدها‭ ‬شيء،‭ ‬وأن‭ ‬تمارس‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬عاملا‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬ما‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬وقد‭ ‬أسعدني‭ ‬الحظ‭ ‬أن‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬نظير‭ ‬أجر‭ ‬معلوم،‭ ‬ثم‭ ‬اعتزلها‭ ‬وأتحول‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬حر،‭ ‬والكاتب‭ ‬الحر‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬فيمن‭ ‬تقبل‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يختارها‭ ‬من‭ ‬صحف‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالعمل‭ ‬المنتظم‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬صحيفة،‭ ‬وربما‭ ‬يعتبرني‭ ‬البعض‭ ‬مجنونا‭ ‬أو‭ ‬مغرورا‭ ‬أو‭ ‬‮«‬موهوما‮»‬،‭ ‬لأنني‭ ‬اعتقد‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬حملني‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬مجال‭ ‬الإعلام‭ ‬وتحديدا‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحفية‭ ‬هو‭ ‬حبي‭ ‬للناس‭. ‬فالكتابة‭ ‬تجعلني‭ ‬أحس‭ ‬بأنني‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬البشر،‭ ‬وبأنني‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬همومهم،‭ ‬ليس‭ ‬لأنني‭ ‬‮«‬صاحب‭ ‬رسالة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬مؤهل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيري‭ ‬لتناول‭ ‬تلك‭ ‬الهموم،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬فعلا‭ ‬وليس‭ ‬ادعاء‭ ‬شخص‭ ‬عادي‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬عادية‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يميزني‭ ‬عن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬الوسامة‭ ‬أو‭ ‬الوجاهة‭ ‬أو‭ ‬المكانة‭ ‬والمهارات،‭ ‬ولو‭ ‬حباني‭ ‬الله‭ ‬بما‭ ‬يميزني‭ ‬عن‭ ‬غالبية‭ ‬الناس‭ ‬لما‭ ‬جعلت‭ ‬أحدا‭ ‬يحس‭ ‬بذلك‭ ‬التميز‭. ‬فمنذ‭ ‬أن‭ ‬وعيت‭ ‬الأشياء‭ ‬حولي‭ ‬وأنا‭ ‬أكره‭ ‬الظلم‭ ‬والظالمين‭ ‬والاستعلاء‭ ‬العرقي‭ ‬والثقافي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والمتغطرسين‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬وأحاول‭ ‬قدر‭ ‬جهدي‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬ضحايا‭ ‬تلك‭ ‬الرزايا‭!‬

تعرضت‭ ‬للجلد‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أصرخ‭ ‬قط‭ ‬مهما‭ ‬تفننوا‭ ‬في‭ ‬ضربي‭ ‬ولكنني‭ ‬كنت‭ ‬أبكي‭ ‬من‭ ‬‮«‬القهر‮»‬‭ ‬لاحقا‭ ‬إذا‭ ‬أحسست‭ ‬أنهم‭ ‬جلدوني‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذنب‭ ‬ارتكبته،‭ ‬والأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬بالي‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬هو‭ ‬أنني‭ ‬ابن‭ ‬قرية‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬الأطلس‭ ‬وكانت‭ ‬أقصى‭ ‬أمنياتي‭ ‬بعدما‭ ‬أكملت‭ ‬تعليمي‭ ‬الجامعي‭ ‬أن‭ ‬آكل‭ ‬دجاجة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشاركني‭ ‬فيها‭ ‬احد‭ (‬سبحان‭ ‬الله‭ ‬صرت‭ ‬اليوم‭ ‬اضع‭ ‬الدجاج‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬مرتبة‭ ‬الكوسا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أطيق‭ ‬مجرد‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭).. ‬نعم‭ ‬أحب‭ ‬الناس‭ ‬عامة‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جنسياتهم‭ ‬وسحنهم،‭ ‬ولهذا‭ ‬أجد‭ ‬متعة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬وجها‭ ‬لوجه،‭ ‬وأكره‭ ‬التلفون‭ ‬لأنه‭ ‬ألغى‭ ‬التواصل‭ ‬الحي‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬وفي‭ ‬مجال‭ ‬الطب‭ ‬فإنني‭ ‬أفضل‭ ‬الأطباء‭ ‬‮«‬الدقة‭ ‬القديمة‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬أيديهم‭ ‬وعيونهم‭ ‬لفحصك‭ ‬عندما‭ ‬تلجأ‭ ‬إليهم‭ ‬كمريض،‭ ‬على‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يبدأون‭ ‬في‭ ‬تعبئة‭ ‬استمارات‭ ‬الرنين‭ ‬المغناطيسي‭ ‬والاشعة‭ ‬الملونة‭ ‬والمقطعية‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تكمل‭ ‬الجُملة‭ ‬الثالثة‭.‬

واستحضر‭ ‬هنا‭ ‬قصة‭ ‬الكندية‭ ‬بيج‭ ‬نيكاسن‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬لجراحة‭ ‬ناجحة‭ ‬تم‭ ‬خلالها‭ ‬استئصال‭ ‬ورم‭ ‬خبيث‭ ‬من‭ ‬مخها‭. ‬العملية‭ ‬استغرقت‭ ‬تسع‭ ‬ساعات،‭ ‬وبيج‭ ‬هذه‭ ‬إما‭ ‬‮«‬حمارة‮»‬‭ ‬وإما‭ ‬ذات‭ ‬ميول‭ ‬انتحارية‭. ‬كانت‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬العمليات‭ ‬بمفردها‭ ‬طوال‭ ‬تلك‭ ‬الساعات‭ ‬الطوال،‭ ‬لأن‭ ‬الجراح‭ ‬الذي‭ ‬أجرى‭ ‬العملية‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬أخرى‭ ‬ممسكا‭ ‬بعصا‭ ‬‮«‬تعشيق‮»‬‭ ‬قام‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬باستخدام‭ ‬روبوت‭ (‬إنسان‭ ‬آلي‭) ‬لتوجيهه‭ ‬لفتح‭ ‬جمجمة‭ ‬بيج‭ ‬ثم‭ ‬تحريكه‭ ‬يمنة‭ ‬ويسرة‭ ‬حتى‭ ‬استأصل‭ ‬الورم،‭ ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬لجراحات‭ ‬الروبوتات‭. ‬نفس‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬يجريها‭ ‬الجراحون‭ ‬بأيديهم‭ ‬يوميا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬ولو‭ -‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭- ‬اصابني‭ ‬مرض‭ ‬يتطلب‭ ‬جراحة‭ ‬وقالوا‭ ‬لي‭ ‬إنها‭ ‬ستتم‭ ‬عبر‭ ‬الإنسان‭ ‬الآلي‭ ‬لركضت‭ ‬من‭ ‬المستشفى‭ ‬هربا‭ ‬بأسرع‭ ‬من‭ ‬أبطال‭ ‬الجري‭ ‬الأولمبيين‭. ‬جسمي‭ ‬ليس‭ ‬بلاي‭ ‬ستيشن‭ ‬حتى‭ ‬يجلس‭ ‬جراح‭ ‬على‭ ‬كرسيه‭ ‬ويسوط‭ ‬في‭ ‬لحمي‭ ‬وعظمي‭ ‬بأذرع‭ ‬معدنية‭.‬

وكتبت‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عن‭ ‬طبيب‭ ‬عيون‭ ‬أبلغني‭ ‬عن‭ ‬استعداده‭ ‬لتشطيب‭ ‬قرنية‭ ‬عيني‭ ‬بالليزر‭ ‬حتى‭ ‬اتخلص‭ ‬من‭ ‬النظارات،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬إنه‭ ‬أهون‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬ان‭ ‬أضع‭ ‬خمس‭ ‬نظارات‭ ‬على‭ ‬عيني‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬اجعلها‭ ‬حقل‭ ‬تجارب‭ ‬لأشعة‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬اسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭.‬

مصيبة‭ ‬العصر‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬حب‭ ‬استخدام‭ ‬المعدات‭ ‬ذات‭ ‬التقنيات‭ ‬العالية‭ ‬صار‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭.. ‬قل‭ ‬عني‭: ‬متخلف‭.. ‬منتم‭ ‬الى‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬اجعل‭ ‬آلة‭ ‬موضع‭ ‬ثقتي‭.. ‬بارد‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬أن‭ ‬يقطع‭ ‬الدكتور‭ ‬لحمي‭ ‬بدون‭ ‬بنج‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬يجعله‭ ‬ملعبا‭ ‬لجهاز‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الإنسانية‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬سموه‭ ‬‮«‬الإنسان‮»‬‭ ‬الآلي‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news