العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

العدد : ١٦١٣٠ - الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٣هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

العبقري!

‮«‬لم‭ ‬أر‭ ‬عبقريا‭ ‬يفري‭ ‬فريه‭!‬‮»‬‭ ‬هكذا‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬فيما‭ ‬رواه‭ ‬الإمام‭ ‬البخاري‭ ‬في‭ ‬صحيحه،‭ ‬فعن‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬عمر‭ (‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭) ‬عن‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬أنه‭ ‬قال‭: (‬أُريت‭ ‬في‭ ‬المنام‭ ‬أني‭ ‬أنزع‭ ‬بدلو‭ ‬بكرة‭ ‬على‭ ‬قليب،‭ ‬فجاء‭ ‬أبو‭ ‬بكر‭ ‬فنزع‭ ‬ذنوبًا‭ ‬أو‭ ‬ذنوبين‭ ‬نزعًا‭ ‬ضعيفًا،‭ ‬والله‭ ‬يغفر‭ ‬له،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬فاستحالت‭ ‬غربًا،‭ ‬فلم‭ ‬أر‭ ‬عبقريًا‭ ‬يفري‭ ‬فريه‭ ‬حتى‭ ‬روى‭ ‬الناس‭ ‬وضربوا‭ ‬بعطن‭).‬

وفِي‭ ‬معنى‭ ‬الحديث‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬مدة‭ ‬خلافة‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬وطول‭ ‬خلافة‭ ‬عمر،‭ ‬يقول‭ ‬شارح‭ ‬الحديث‭: ‬وتأويل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬من‭ ‬طول‭ ‬خلافته‭ -‬أي‭ ‬عمر‭  ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭- ‬وما‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬وخير‭.‬

أيضًا‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬إعلام‭ ‬بخلافاتهما،‭ ‬وصحة‭ ‬ولايتهما،‭ ‬وكثرة‭ ‬الانتفاع‭ ‬بهما‭. ‬ولقد‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬عطاء‭ ‬لأبي‭ ‬بكر‭ ‬عند‭ ‬توليه‭ ‬الخلافة‭ ‬حماية‭ ‬الإسلام،‭ ‬والذود‭ ‬عن‭ ‬حياضه‭ ‬حين‭ ‬واجه‭ ‬المرتدين‭ ‬الذين‭ ‬نقضوا‭ ‬أيمانهم‭ ‬وعهودهم‭ ‬مع‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭)‬،‭ ‬ومن‭ ‬عطائه‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬ثَبَتَ‭ ‬المسلمين‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬لهم‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬يعبد‭ ‬محمدًا‭ ‬فإن‭ ‬محمدًا‭ ‬قد‭ ‬مات،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬يعبد‭ ‬الله‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬حي‭ ‬لا‭ ‬يموت،‭ ‬ثم‭ ‬تلا‭ ‬عليهم‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وما‭ ‬محمد‭ ‬إلا‭ ‬رسول‭ ‬قد‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬قبله‭ ‬الرسل‭ ‬أفإن‭ ‬مات‭ ‬أو‭ ‬قتل‭ ‬انقلبتم‭ ‬على‭ ‬أعقابكم‭ ‬ومن‭ ‬ينقلب‭ ‬على‭ ‬عقبيه‭ ‬فلن‭ ‬يضر‭ ‬الله‭ ‬شيئًا‭ ‬وسيجزي‭ ‬الله‭ ‬الشاكرين‮»‬‭ (‬آل‭ ‬عمران‭: ‬144‭)‬،‭ ‬قال‭ ‬عمر‭ ‬عند‭ ‬سماعه‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭: ‬كأني‭ ‬أسمعها‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭!! ‬وكأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬قد‭ ‬حجب‭ ‬دلالتها‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يشغلهم‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬عن‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام،‭ ‬وحماية‭ ‬بيضته‭. ‬

أما‭ ‬عن‭ ‬العبقري‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬له‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بالعبقرية‭ ‬فإنه‭ ‬وضع‭ ‬لبنة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬العظيم‭ ‬حين‭ ‬بادر‭ ‬إلى‭ ‬مبايعة‭ ‬أبي‭ ‬بكر‭ ‬الصدِّيق‭ ‬خليفة‭ ‬للمسلمين‭ ‬فحمى‭ ‬دولة‭ ‬الإسلام‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬المنورة‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬سياسي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬بوفاة‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭)‬،‭ ‬وهذا‭ ‬يكون‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬زوال‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬شبابها‭.‬

إن‭ ‬الخطوة‭ ‬المباركة‭ ‬التي‭ ‬أخذها‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب،‭ ‬وهي‭ ‬خطوات‭ ‬ليست‭ ‬غريبة‭ ‬على‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بالعبقري،‭ ‬رغم‭ ‬جرأتها‭ ‬فإنها‭ ‬كانت‭ ‬ضرورية‭ ‬لملء‭ ‬الفراغ‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬بغياب‭ ‬مؤسس‭ ‬الدولة‭ ‬الأول‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬بموته،‭ ‬وأيضًا‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬إذ‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬موجودًا‭ ‬لحسم‭ ‬الخلاف‭ ‬في‭ ‬السقيفة‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬الأحق‭ ‬بعد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬خلافة‭ ‬المسلمين،‭ ‬فجزى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬الخطاب‭ ‬خيرًا‭ ‬حين‭ ‬ألهمه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارة‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬الأحق‭ ‬بخلافة‭ ‬المسلمين،‭ ‬فقاد‭ ‬سفينة‭ ‬تداول‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬سلاسة‭ ‬وأمن‭ ‬وأمان‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news